فن

توظيف التراث في مسرح صلاح عبد الصبور

«هذا ما جال بفكري .. عاينت الفقر يعربد في الطرقات، .. ويهدم روح الإنسان؛ .. فسألت النفس .. ماذا أصنع؟ .. هل أدعو جميع الفقراء .. أن يلقوا سيف النقمة .. في أفئدة الظلمة؟ .. ما أتعس أن نلقي بعض الشر ببعض الشر! .. ونداوي إثما بجريمة! .. ماذا أصنع؟ .. أدعو الظًلمة .. أن يضعوا الظلم عن الناس .. لكن هل تفتح كلمة .. قلبا مقفولا برتاج ذهبي؟ .. ماذا أصنع؟ .. لا أملك إلا أن أتحدث».. كان ذلك مقطع من مسرحية «مأساة الحلاج» للشاعر الكبير الراحل صلاح عبد الصبور.

المسرح والتراث

ارتبط المسرح منذ نشأته الأولي بالتراث الشعبي، ففي مصر القديمة كانت أسطورة إيزيس وأزوريس هى المحور الذي دارت حوله المسرحيات الدينية الفرعونية.وكان التراث الديني المسيحي هو المنهل الذي نهل منه المسرح الأوروبي خلال عصر النهضة. ويعتبر وليم شكسبير عملاق المسرح العالمي، أبرز مثال على ارتباط كتاب المسرح بالتراث خاصة التراث التاريخي.

لكن الصور التراثية التي يتم الإستعانة بها، تختلف من حيث الشكل من كاتب لآخر، ومن عمل مسرحي لآخر، فقد يستند الشكل التراثي على واقعة تاريخية، أو أسطورة من الأساطير، أو حكاية شعبية، أومثل شعبي وغير ذلك من أشكال التراث الشائعة. وبطبيعة الحال ليس المهم هنا عدد الاشكال التراثية التي استخدمها الكاتب، بل الأهم هو هل نجح في توظيف  تلك الأشكال في عمله المسرحي أم لا ؟ 

ولذلك كان من الطبيعي أن يلتفت صلاح عبد الصبور للتراث، وأن يستفيد منه في مسرحياته، كما استفاد منه من قبل في معظم أشعاره، السؤال هنا عن أشكال التراث التي استعان بها عبد الصبور في أعماله المسرحية؟ وكيف وظّف تلك الأشكال؟ وإلى أي مدى كان موفقا في هذا التوظيف؟

الحلّاج.. أفلاطون جديد

تُجمع المصادر على أن الحلّاج كان يرى أن العلاقة  المثلى بين العبد وربه تتمثل في الحب، بمعنى أن الإنسان لا يعبد الله طمعا في جنته، أو خوفا من ناره، إنما يعبده محبة فيه.

وقد استفاد صلاح عبد الصبور بما أتيح له من مادة تراثية عن حياة الحلاج في بناء أحداث عمله المسرحي «ماسأة الحلاج» لكنه لم يلتزم بكل ما جاء فيها ولا بتسلسلها الزمني، بل قام بإعادة صياغة هذه الأحداث وفقا لرؤيته الفنية التي ترى في الحلاج ثائرا دينيا وداعية اشتراكيا، فالحلاج وفقا لشاعرنا شخصية ثائرة، وليس مارقا من الدين.

ووفقا لرؤية صلاح عبد الصبور لم يكن  الحلّاج خارجا على سلطة الدولة، لكنه كان يضيق بالشر، وبالفقر وبالجوع وفقدان الحرية. الحلاج عند شاعرنا رجل يطمح أن يعلم أولياء الأمر:

«فلعل فؤادا ظمآنا من أفئدة وجوه الأمة .. يستعذب هذي الكلمات .. فيخوض بها في الطرقات .. يرعاها  أن ولى الأمر .. يوفق بين القدرة والفكرة .. ويزاوج بين الحكمة والفعل»

وهكذا تحوّل الحلّاج على يد صلاح عبد الصبور إلى أفلاطون جديد، يحلم بمدينة فاضلة يحكمها فيلسوف يجمع بين «القدرة والفكرة»، بين «الحكمة والعدل». وقد اعتمد عبد الصبور في «مأساة الحلاج» إلى جانب سيرة الحلاج، على المفردات والمصطلحات الصوفية: مثل «الحب، التعرف، التبصر، الفيض، النور، الوهج، العرفان، الوجد، الباطن، النجوى، الرؤية، البوح، العهد، العشق، الشجو، المشاهدة، الكشف» وغيرها من مفردات ترتبط ارتباطا وثيقا بعالم المتصوفة.

وقد استفاد صلاح عبد الصبور بشكل عام من التراث في بناء الأحداث ورسم الشخصيات وتحديد مفردات لغتها، فمن خلال «مأساة الحلاج» عبّر عبد الصبور عن رؤيته الخاصة، التي ترى أن دور رجل(عالم) الدين هو المشاركة في الحياة من أجل محاولة تغييرها للأفضل وتحقيق العدالة، وليس التواكل والتسليم بالأمر الواقع. ولذلك فإن بعض دارسي «مأساة الحلاج» يرون أن شخصية الحلاج الصوفي في تلك المسرحيةـ، ما هى إلا تعبير عن شخصية صلاح عبد الصبور ذاته.

مسافر ليل

«الأسكندر .. تك .. تك .. تك .. هانيبال .. تك .. تك .. تك .. تيمور لنك .. تك .. تك .. تك .. هتلر.. متلر .. جونسون .. موتسون» بهذا العبث يستحضر راوي صلاح عبد الصبور شخصية الإسكندر الأكبر لتبدأ مسرحية «مسافر ليل» أحداثها التي تدور في عربة بأحد القطارات الليلية.

يتحدث بطل المسرحية الذي يحمل أبرز سمات شخصية «الإسكندر الأكبر» بطريقته التي تعتمد في جوهرها على إرهاب الآخرين في محاولته للبحث عن القاتل:

«راجعنا كل ملف .. سجلنا كل مكالمة تليفونية .. صوّرنا كل خطاب .. عذبنا عشرين إلى حد الموت .. وثلاثين لحد العاهة .. وثمانين لحد الإغماء .. لكن لا جدوى»

ربط صلاح عبد الصبور بين بطل مسرحيته وعدد ليس قليلا من طغاة الأرض، فعلى لسانه جرت أشهر عبارات هؤلاء الطغاة، «جوّع كلبك يتبعك .. عندما أسمع كلمة الثقافة أتحسس مسدسي .. علّمهم الديمقراطية حتى ولو أضطررت إلى قتلهم جميعا .. إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها». هذا الربط بين بطل المسرحية وهؤلاء الطغاة يجعله بطلا لا ينتمي لعصر بعينه، حيث اتخذ عبد الصبور من شخصية الإسكندر الأكبر مجرد نقطة إنطلاق للتعبير عن عالم الطغاة عبر العصور المختلفة. فبطل المسرحية يرتدي زيا عصريا، كما أن لغته تتسم بكونها تنتمي للعصر الحديث، غير أن هذا لم يمنع عبد الصبور من أن يستعين بالعديد من المقتطفات التراثية والأدبية والسياسية والدينية ،وذلك بهدف تجسيد وتعميق الإحساس بالتناقض، والتأكيد على وحدة السمات الشخصية التي يتصف بها الطغاة عبر العصور.

ليلى والمجنون

«ستغني مجموعتنا كي نتعارف .. إذ تندمج الأصوات وتتآلف .. نلقي عن أوجهنا أقنعة العمل المعقودة .. ونعود إلى بشريتنا المفقودة»

ألقى صلاح عبد الصبور بكل أحداث مسرحية «مجنون ليلى» لأحمد شوقي وراء ظهره ،ومن ثم أقام بناءه المسرحي على أحداث جديدة، تقع في زمان ومكان مختلفيْن، فكان المكان بمصر قبل قيام ثورة يوليو 1952، حيث تدور الأحداث بإحدى دور الصحف الثورية التي كانت تصدر قبل الثورة، والتي يقرر رئيس تحريرها أن يفعل شيئا يشغل به هؤلاء الشباب الذين يعملون بالصحيفة ويعانون القلق وعدم القدرة على الحب، شيئا يخرج بهم عن المألوف والمتوقع، فكان أن طلب منهم أن يكوّنوا فرقة تمثيل بحيث تصبح مسرحية «مجنون ليلى» لأحمد شوقي هى العمل الفني الذي يقومون به، ومن ثم تبدأ الرحلة.

ومع تطور أحداث المسرحية نكتشف أن مسرحية أحمد شوقي مجرد خلفية  للعمل الجديد، حيث تغيرت الدلالات العامة، فبعد أن كانت مسرحية شوقي مجرد تعبير عن أزمة الفرد، تحولت على يد عبد الصبور  لتصبح تعبيرا عن أزمة جيل كامل، جيل ما بعد نكسة 1967.

 فـ«سعيد» بطل مسرحية صلاح عبد الصبور، حين يكتب الشعر يكتبه ليس تعبيرا عن آلام فردية مثل «قيس» بطل مسرحية أحمد شوقي، لكنه يكتب تعبيرا عن ألم عام يلم بجيله:

«يا أهل مدينتنا .. هذا قولي .. انفجروا أو موتوا .. رعب أكبر من هذا سوف يجىء .. لن ينجيكم أن تعتصموا منه بأعالي جبل الصمت .. أو ببطون الغابات .. لن ينجيكم أن تختبئوا في حجراتكم …»

شخصيات صلاح عبد الصبور لا تأخذ من شخصيات شوقي أكثر من نقاط إنطلاق، لكنها فيما عدا ذلك هى في مجملها شخصيات جديدة تنتمي لعالم عبد الصبور دون غيره، وهو حين يلتقط بعض المقتطفات التراثية في مواضع عدة إنما يهدف إلى نقل المعنى وتعميقه.

بعد أن يموت الملك

«مادمت أنا صاحب هذي الدولة .. فأنا الدولة .. أنا ما فيها، أنا من فيها .. أنا بيت العدل، وبيت المال، وبيت الحكمة .. بل إني المعبد والمستشفى والجبانة والحبس .. بل إني أنتم، ما أنتم إلا أعراض زائلة تبدو في صور منبهمة .. وأنا جوهرها الأقدس»

تحرك صلاح عبد الصبور في مسرحية «بعد أن يموت الملك» في جو مشحون بالتراث، مستفيدا من عالم الحكايات الشعبية والأساطير، حيث تبدأ المسرحية براويات ثلاث يقدمن العرض المسرحي، في ثوب ساخر، فيسخرن من المخرج، والمؤلف ومن أرسطو صاحب النظريات القديمة في الفن عموما، ومن ثم ينتقل لشخصية الملك، الذي يأمر فيُطاع، يشتري الشعراء والمؤرخين، ليبدو إلها في صورة بشري، غير أن هذا الجبروت ما يلبث أن يهتز أمام الملكة.

شخصيات «بعد أن يموت الملك» قريبة من أبطال الحكايات الشعبية، خاصة مع تجردها من الأسماء، والإكتفاء بالألقاب: «الملك، الوزير، القاضي .. إلخ»

وبصفة عامة يمكن الإشارة إلى تنوع مصادر التراث لدى صلاح عبد الصبور، منها اليوناني والمسيحي، والإسلامي، والغربي المعاصر، مع بروز قدرته على التعامل بشجاعة مع التراث وعلى توظيفه و”التعبير به”، بدلا من الوقوف عند مرحلة “التعبير عنه”.

 

 المصادر:

  • محمد السيد عيد، التراث في مسرح صلاح عبد الصبور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، سلسلة المكتبة الثقافية، عام 1984.
  • سيد على إسماعيل، أثر التراث العربي في المسرح المصري المعاصر، متاح على (هنداوي أونلاين).
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: