رؤى

أصحاب الأخدود وإخوان ما بعد المحنة

«لن أموت أبداً دفاعاً عن قناعاتي فقد أكون مخطئاً» تلك المقولة الرائعة للفيلسوف البريطاني الشهير برتراند راسل تنطبق تماماً على مبادرة شباب الإخوان الأخيرة التي أطلقوها من داخل السجون لطرح تصورهم بشأن عقد مصالحة مع الدولة واعتزال العمل السياسي والدعوي، مطالبين في ذات الوقت قيادات التنظيم بالتراجع خطوة إلي الوراء بُغية تحقيق ذلك.

اقرأ أيضا: 

 فقيادة الجماعة مسؤولة طبقاً لفحوى تلك المبادرة عن ما وصل إليه حال المعتقلين من سوء وتردى، لأنها لم تقم حتى الآن بأي جهد يُذكر لطرح مبادرة جدية للتصالح مع الدولة بما يضمن الإفراج عن أنصارها داخل السجون.

 ولعل اللافت في الأمر موقف إبراهيم منير نائب مرشد الإخوان والأمين العام للتنظيم الدولي الذى علق على المبادرة بخطاب جهادى استشهادي يناقض فيه نفسه قبل أن يناقض السياسة وأبجدياتها. فقد طالب شباب الجماعة بالصبر والصمود في مواجهة المحنة، فلو لم يصبر أصحاب الأخدود ما قتلوا- على حد تعبير منير الذي أضاف يقول: «كما أن القيادة لم تجبر أحداً من هؤلاء الشباب على الانضمام إلي صفوف الجماعة ومن ثم فإن الباب مفتوح أمام من يرغب منهم في الانسحاب من التنظيم»، مختتماً تعليقه بأن الرئيس عبد الناصر لو كان تعاطى بعقلانية مع الإخوان إبان فترة حكمة لخسر الإخوان سياسياً وشعبياً.

إبراهيم منير

الجماعة بين شبابها وشيوخها

هذا التناقض الصارخ بين موقف شباب الجماعة المحبوس وموقف إبراهيم منير يعكس تناقضاً بنيوياً بين تصورين داخل الجماعة:

التصور الأول هو تصور شيوخ وقيادات الجماعة والمتمثل في الإصرار على تديين فكرة الصدام مع الدولة دفاعاً عن موقف عقائدي سياسي/ ديني، ومن ثم تُصدر تلك القيادات خطاباً لأنصارها ينبني على مفردات مثل المحنة والبلاء والاستشهاد دفاعاً عن مبادئ الجماعة.

 أما التصور الثاني فهو تصور سياسي براجماتي عقلاني يتبناه شباب الجماعة ويميل إلى الحلول الوسط والتعاطي بجدية مع مشكلات الواقع وما يتطلبه حلها من مواءمات سياسية ومراجعات فكرية. وهو ما يعنى ببساطة أننا أمام جيل جديد من الإخوان يمكن أن نطلق عليه إخوان ما بعد المحنة، فكلمة ما بعد في قاموس الفلسفة والعلوم الإنسانية تعنى أننا أمام فكر أو مفهوم دار دورته الكاملة ووصل إلي منتهاه ولم يعد صالحاً للتطبيق، ومن ثم ينبغي تفكيكه وتبنى فكر جديد مناقض له تماماً، وهو ما ينطبق على مفهوم المحنة والإطار الفكري والعقائدي الذى يغلفه في أدبيات الإخوان الذين استفادوا تاريخياً من هذا المفهوم وكانت استفادتهم مزدوجة .فهم من ناحية يكتسبون تعاطفاً شعبياً ورصيداً سياسياً في مواجهة السلطة التي يعارضونها، فالمحنة تمثل  بطانة روحية ووجدانية تغلف خطابهم السياسي وتمكنهم من استمالة الجماهير نفسياً وعاطفياً كما حدث أبان الحقبة الناصرية بحسب إشارة إبراهيم منير نفسه. ومن ناحية أخري فإن مفهوم المحنة وما يقتضيه من صبر وتماسك في مواجهتها، يعنى ببساطة تأجيل أى نقاش ديمقراطي داخلي يتعلق بالتنظيم وشؤونه بين القيادة والأعضاء، وهو ما يعنى إمكانية أحكام السيطرة على التنظيم بسهولة من قبل تلك القيادة.

انقسام فكري وشرخ جيلي

 إلا أن هذا التحول الدراماتيكي الذى طال خطاب الجماعة وأدى إلي انقسام فكرى وشرخ جيلي –ربما سيكون الأعنف بين صفوفها- كان حتمياً في اعتقادي لسببين رئيسيين:

-الأول هو تراجع مصداقية الخطاب الديني الجهادى الاستشهادي النابع من مفهوم المحنة، فهذا الخطاب الذى يتعاطى بشكل أساسي مع منظومة القيم، مغلباً الجانب العقائدي على أي مواءمة سياسية مطلوبة وضرورية، يناقض المواقف البراجماتية المعروفة تاريخياً عن قيادات الإخوان، وآخرها موقف إبراهيم منير من مبادرة شباب الجماعة المحبوسين. فقد استخدم في مواجهة مطالبهم صيغة «إما أو» مخّيراً الشباب بين الصبر على المحنة أو مغادرة صفوف الجماعة ومن ثم رفع أي غطاء سياسي أو اجتماعي أو قانوني تقدمه الجماعة لهم، وبالتبعية رفع الحرج عن قيادات الجماعة التي تقف عاجزة في مواجهة مطالب الشباب. هذا بالطبع  فضلا عما اكتشفه شباب الجماعة مؤخراً بشأن مصالح قيادات التنظيم بالخارج وسطوهم على أموال التبرعات لحسابهم الشخصي، وهو أمر يكشف أيضاً حجم الفجوة الهائلة ما بين خطاب القيادات القيمي الاستشهادي وبين سلوكهم النفعي البراجماتى على أرض الواقع.

   -أما السبب الثاني فهو الخلخلة المعرفية والتاريخية التي طالت العقائد السياسية الكبرى مثل الليبرالية والماركسية بفعل عمليات المراجعة والتجديد شهدتها كل الأيديولوجيات بلا استثناء طيلة القرن المنصرم، ومن ثم فإن الجانب العقائدي في خطاب الاخوان الذى يراهن عليه إبراهيم منير في شرعنة موقفه، هو أضعف الجوانب بل وأكثرها هشاشة. فجماعة الإخوان المسلمين تنظيم يسبق التنظير، بمعنى أن الجانب الإداري والتنظيمي أقوى بكثير من الجانب الفكري لدى الإخوان، وهو أمر معروف عنهم تاريخياً، ومن ثم فإن عملية تفكيك المفاهيم ومراجعة الخطاب السياسي داخل جماعة الإخوان ستكون أسرع في وتيرتها وأكثر تصاعداً مقارنة بما جري بالنسبة لليبرالية أو الماركسية التي سبق فيها التنظير التنظيم، لا سيما وأنها تواكبت مع شرخ جيلي داخل صفوف التنظيم يعد الأعنف منذ نشأة الجماعة عام 1928.

الوسوم

طارق أبو العينين

كاتب وباحث سياسي

مقالات ذات صلة

إغلاق