منوعات

العقّاد وسعد.. المفكر والزعيم (2-2)

من يتحدث عن «سعد زغلول» زعيم ثورة 1919 يجد صعوبة كبيرة في التعامل مع تلك الشخصية إذا رغب في الكتابة عنها، أو التأريخ لنضالها. فقد حظي «سعد» بكم وافر من الكتب والمؤلفات، منها من ناصره ومنها من نصب له كمائن العداء، منها من رفعه إلى منزلة الأصفياء المُصطّفين، ومنها من عاداه ووصل به إلى درك العداوة والبغضاء. غير أن الفريقين، المُناصر والمُعادي لم يستطع أن ينتقص الرجل حقه ومكانته، بوصفه زعيم «الأمة المصرية» في ذلك الزمان البعيد.

انحياز واضح

لم يكن الأستاذ «عباس محمود العقاد» بين هؤلاء أوهؤلاء، فلم ينكر أنه الصديق القريب من قلب «سعد»، ولا هو بالقطع من يحمل كُرهاً أو ذرة من ضغينة للرجل. ولكي يقطع الطريق على كل من يتربص به في وصف كتابه «سعد زغلول .. سيرة وتحية» بأنه كان مُنحازاً للزعيم، والذي وصفه سعد أمام الأشهاد، بأنه الكاتب الجبار، فقد بادر «العقاد» بالحديث عن ميزة جمعه للخصلتين.. «الصديق والمؤرخ».

ويقول بنص كلماته: «في هذه السيرة، قد أنطقت المؤرخ ولم أحاول قط أن أُسْكِتَ الصديق، لأن الصديق هنا جدير بأن يتكلم، فما أثبت حرفاً في هذه السطور إلاّ الذي أعلم أنه صحيح لا شبهة عليه، وما تميل بي الصداقة إلى الإعجاب، بل الإعجاب هو الذي مال بي إلى الصداقة في الحياة وبعد الممات».

وهكذا وبدون أي قدر من التردد يختار «العقاد» منهجه، حتى أنني أرى وبعد قراءة هذا السفر الهام عن زعيم ثورة ١٩، أن الكاتب المُعجبَ بالزعيم في نضاله، دفعه الحب الخالص إلى عدم التوقف عند أي نقيصة أو ضعف أو خطأ وقع فيه المحبوب. فقد ملأ «سعد زغلول» حياة «العقاد» على صعيد الفكر والسياسة، فلم ينافسه أحد من سير العظماء والقادة والمُصلحينْ، عرباً أو غير عرب، الذين كتب عنهم .فحتى كتابات «العقاد» عن الرسول الكريم «محمد بن عبدالله» صلوات الله عليه، وبعض صحابته الكرام «عمر وعلي وأبي بكر وخالد»، لم يحركه في تناول سيرتهم ،الحب الشخصي الجارف وحده. فالسيرة العطرة للنبي الكريم وصحابته، نسجت تاريخها العظمة المتوارثة جيلاً وراء جيل لهؤلاء العباقرة، أي أن عظمة هؤلاء كانت تَتْرى وحدها إلى قلم الكاتب، سواء كان «العقاد» أو غيره من زملائه، «طه حسين» أو «توفيق الحكيم» أو «محمد حسين هيكل» أو غيرهم من عرب أو أجانب.

محمد حسين هيكل                 توفيق الحكيم                        طه حسين

والقارئ والدارس المُدقق في مجموعة العبقريات التي كتبها الأستاذ «العقاد» عن تلك المجموعة المضيئة من نور «محمد» والذين إتبعوه، يجد أن الأستاذ، يقف عند بعض من أوجه النقد والتفسير والتحليل عند تناوله لتلك الشخصيات العطرة، والأمثلة الدالة على ذلك أكثر من أن تُحصى. صحيح أنه يخرج مُنتصراً لتلك الشخصيات العبقرية، إلاّ أنه لم يكن غافلاً عما قصده من تتبع تلك السير، في سوْق الدليل إثر الدليل ليُقيم حيثياته بالحُجة والبرهان.

أما عند التأريخ لـ «سعد» فقد سمّاه «سيرة وتحية» وهو إسم يعكس إنحيازا مبدئيا من «العقاد» لصديقه، فالكتاب كما يبدو من عنوانه، رسالة حب لـ «سعد» جانبها النقد أو حتى التبرير لبعض رؤى زعيم سياسي كبير بحجم الرجل وتاريخه في مسيرة الوطن، إلى الدرجة التي تدفعني إلى القول، بأن «العقاد» عندما كتب عن «سعد» كان أقرب إلى الكتابة عن نفسه، فكلاهما جبار، هو جبار في عالم الفكر والأدب، وزعيمه «جبّار» في عالم السياسة والوطنية».

اقرأ أيضا:

تقدير متبادل

دشن الإعجاب المُبكر بين الرجلين الطريق المُشترك إلى هدفهما، ورسم بعد ذلك طريقهما إلى التعاطف والمحبة، رغم أن سنوات القُرب بينهما لم تتجاوز العقدين من السنوات، فقد بدأت عام ١٩٠٨ وأُختتمت بوفاة «سعد» صيف العام ١٩٢٧.

ومنذ اللقاء الأول، كان الباعث إلي ذلك، التقدير المُتبادل، تقدير من الكاتب الصحفي والأديب اللامع للوزير «سعد زغلول» وزير المعارف آنذاك. ذهب اليه «العقاد» ليسمع منه دفعاً لما يوجه اليه من نقد، وكان يحمل معه دفوعاً وتبريراً لا نقداً وتدقيقاً. وعن هذا اللقاء ما نصه: «لقيت «سعد» أول مرة صباح يوم الخميس الحادي والعشرين من شهر مايو ١٩٠٨ بمكتبه في وزارة المعارف العمومية يوم أن كانت في ديوانها المعروف بدرب الجماميز، وكنت يومئذ أعمل في تحرير صحيفة الدستور، وهي زميلة اللواء لسان حال الحزب الوطني، حزب مصطفى كامل، الذي كان يوالي الحملة على «سعد» وينتقد سياسته في وزارة المعارف أشد انتقاد، وكنت في سن التاسعة عشر، أي في سن الجيل الناشئ الذي استولىّ عليه «اللواء» وجعله من قرائه وجنده ومصدقي مدحه، ولكني كنت أُعجبُ بسعد وأرجو لمصر خيراً كثيراً على يديه».

 غير أن «العقاد» الذي لم يتأثر بالخطاب الثوري للزعيم «مصطفى كامل» وحزبه وجريدته، التي كانت تتهم سعداً بالانقياد على غير بصيرة لأمر الموظفين الإنجليز في الوزارة، كان أكثر ثقة في «سعد» لأسباب كثيرة، كان أهمها أنه اجتمع معه على حب الإمام الشيخ محمد عبده ذلك الحب الموصول والإعجاب الراسخ، فقد كان العقاد من أصحاب «الأستاذ الإمام» ومريديه، وكان بسيرته جد معجب، أما عن بداية علاقته بسعد زغلول فيقول العقاد: «فلما اشتدت الحملة عليه (يقصد سعد)، وشاعت شيوعها بين قرائها، أخذتني حمية الشباب ورأيت من الحق عليّ أن أرفعها عنه وَأُمَّهِدَ لإظهار الحقيقة بما في وسعي، فلم أجد أفضل من حديث مع الباشا مدعوماً بالوثائق والبراهين التي تدفع اللبس وترفع الغشاوة عن نظر السواد».

مصطفى كامل

وإذا كانت تلك هي أسباب الإعجاب ودوافعه عند الأستاذ «العقاد» فما هي حدود التقدير عند السياسي الكبير، قبل أن يكون زعيم الأمة، تجاه الكاتب الفصيح ؟

يصف «العقاد» هذا اللقاء ومدى الحفاوة التي رافقته على نحو واضح جّلي، فقد استقبله سعد زغلول أحسن استقبال داخل مكتبه، وبادره بسؤال عن الأستاذ «الإمام»، وبعد أن أبلغه «العقاد» أنه قرأ رسائل الشيخ «محمد عبده» وترجمة حياته، سأله «سعد» إن كان قد رآه في الأزهر حيث كان يدرس، أم لا؟

 فأبلغه «العقاد» أنه لم يدرس في الأزهر، بل رأى الأستاذ الإمام في أسوان، عندما كان طالباً في مدرستها الابتدائية، وسماع بُشرى طيبة منه آنذاك بأنه سيكون كاتباً مُبدعاً، ووصيته له بأن لا يقنع من العلم بوظيفة الحكومة.

الإمام محمد عبده

ويصف العقاد رد فعل «سعد» بعد سماعه تلك الرواية، فيقول: «تبسم الباشا وقال: أرىّ أن نبوءة الأستاذ الإمام تتحقق، واستطرد إلى كلام عن الشيخ يُثني عليه ويحمد مناقبه».

غير أنني وجدت في ثنايا الحديث المُتبادل بين «المفكر والزعيم» الإجابة على سؤال بدت اجابته غائبة عني طوال سنوات، وهي لماذا لم يكتب «العقاد» عن اثنين من زعماء الأمة الكبار في ذلك الزمن، وهما  الزعيم «مصطفى كامل» ورفيق نضاله الزعيم «محمد فريد».

محمد فريد

وجدت الإجابة من تقييم «سعد» لسلفه كما حكاها «العقاد» خلال ذلك اللقاء، حيث يقول في صفحة ٦٠٢ من كتاب «سعد زغلول: سيرة وتحية»: «أذكر الآن من كلماته التي لم أنشرها أنه أثنى على مصطفى كامل ووصفه بالجد والإخلاص، ولكنه أنكر الضجة التي قامت بعده، أي بعد وفاته، ووصفها بأنها «كفورة القازوزة، أي المشروبات الغازية، لا تلبث أن تعلو حتى تهبط».

أي أن كل ما تركه «مصطفى كامل» من أثر، كان في رأي سعد زغلول، أقرب إلى ذلك الزّبدْ الذي يفور عند فتح زجاجة من شراب الصودا. تشخيص قاسٍ من سياسي كبير، لم يكن في ذلك الوقت، زعيماً للأمة، لرجل كان له الفضل هو وحزبه، في بعث الروح الوطنية المصرية بعد إنكسارها بهزيمة الثورة العرابية.

  هذه اللمحة الخاطفة من تقييم  «سعد زغلول» لمن سبقه على طريق النضال الوطني، انعكست على رؤية «العقاد» التأريخية، وظني أن تلك الرؤية لم تقف عند حدود من عاصروا «سعد» أو سبقوه، لكنها ظلت مُصاحبة للعقاد، تجاه من جاء بعد زعيم ثورة ١٩١٩ من زعماء. فعندما خرج العقاد على حزب الوفد، بعد وفاة زعيمه، وشن على حزبه السابق أشد المعارك وأعنفها، ظل وفيا لمبادئ «سعد» وذكراه ،ضارباً بعرض الحائط كل من خالفه في الرأي أو التوجه، حتى لو كان من حزب الأغلبية الشعبية، بل امتد ذلك الموقف إلى الجيل التالي من زعماء مصر بعد ثورة يوليو ١٩٥٢.

اللقاء الأخير

كان اللقاء الأخير الذي جمع الزعيم بالمفكر يوم الخميس الحادي عشر من شهر أغسطس عام ١٩٢٧، أي قبل أقل من اسبوعين من وفاة «سعد» حيث انتقل إلى رحمة الله في الثالث والعشرين من الشهر نفسه. وصل «العقاد» إلى بلدة «مسجد وصيف» وهي قرية زعيم الأمة، وتابعة لمركز ميت غمر بوسط الدلتا، وبعد أن استقبله «سعد» هو ومن معه أحسن استقبال، لم يره «العقاد» بعد ذلك أبداً. ففي الزيارة الثانية ، وكانت بناء على طلب الرئيس الجليل، كما الزيارة الأولى، حالت ظروف المرض من إتمام هذا اللقاء، فقد دخل «سعد» في الأيام الأخيرة من حياته في غيبوبة عميقة.

وعندما مات سعد زغلول  نّعاه المؤرخ والصديق، فكان خير ناع، كتب الأستاذ العقاد في بيانه المنشور في صحف ذلك الزمان يقول: «وقد كان من خوارق حب هذه الأمة سعداً وشعورها بحاجتها اليه ولزومه لها أنها كانت تقدر كل شئ، وتنتظر كل شئ»، إلاّ أن رجلاّ في نحو السبعين أضناه الجهاد والألم واصطلحت عليه الأسقام والعلل، يمكن أن تدركه الوفاة وينفذ فيه قضاء الموت في كل مولود

رحم الله سعدا والعقاد وكل زعماء الأمة وشهدائها ورجال نهضتها وكل من أحب هذا الوطن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق