منوعات

بطل افتدى الوطن بروحه: محمد كريّم بعيون أعدائه الفرنسيين

ليس هناك أصدق من شهادة أعداء السيد محمد كريّم الفرنسيين فى حقه، استنادا إلى مكاتبات نابليون ومذكراته، ومذكرات سكرتيره الخاص، ومذكرات جنرالات الحملة ورسائلهم إلى وزارة الحربية الفرنسية، ومن مذكرات أعضاء بعثة العلوم والفنون المصاحبين للحملة وكتبهم، علاوة على ما ذكره المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في كتابه «تاريخ الحركة القومية في مصر ـ الجزء الأول».

 

ولد محمد كريم في الإسكندرية بحي الأنفوشي قبل منتصف القرن الثامن عشر، نشأ يتيماً فكفله عمه وافتتح له دكاناً صغيراً في الحي. وكان يتردد على المساجد ليتعلم فيها، وعلى الندوات الشعبية ليتحدث، وعرف بين أهل الإسكندرية بوطنيته وشجاعته، وأصبحت له شعبية كبيرة بين الناس. عمل في أول أمره قبانياً (الوزّان بالميزان القباني، وهو ميزان تُوزَن به الأشياء الثّقيلة)، ثم تمت ترقيته إلى أن تقلد أمر الديوان والجمارك بثغر الإسكندرية، ثم حاكما ومحافظا لها. وبينما كان محمد كريم يقوم بواجبه كمحافظ للإسكندرية ومشرف على جماركها، بدأت الحملة الفرنسية على مصر.

وصل الأسطول الفرنسي إلى شواطئ الإسكندرية في أول يوليو 1798م، ولم يكن عدد سكان المدينة يومها يزيد على ثمانية آلاف نسمة، ولم يكن بها من الجنود ما يكفي لصد الجيش الفرنسي الكبير المزود بالمعدات الحديثة، فاستعد محمد كريم للدفاع عن الإسكندرية بكل ما لديه من ذخيرة وعتاد.

رعب القنصل

ذكر المسيو «فيفان دينون» (أحد أعضاء بعثة العلوم والفنون المصاحبة لنابليون في حملته على مصر) في كتابه «رحلة في الوجه البحري ومصر العليا أثناء حروب الجنرال بونابرت»: «قدم إلينا قنصلنا (قنصل فرنسا في مصر) على ظهر السفينة جونون، يصحبه ترجمانه، وقد خالطه الرعب بعد أن نجا من القتل، ومن هياج الشعب، وأخبرنا أن أسطولا انجليزيا، مؤلفا من أربع عشرة بارجة حربية، كان بالثغر ولم يغادره إلا عشية أمس الأول، وأن الانجليز صرحوا بأنهم قدموا للتفتيش عنا ومحاربتنا، وقد ظنهم الأهالي فرنسيين، فانفجر بركان الهياج في البلاد كلها لشعورهم باقترابنا، وكانوا يتوقعون ذلك من يوم أن علموا باحتلالنا لمالطة، وقد استعدوا للمقاومة، فأخذوا يُحصّنون القلاع، ويزيدون عدد الجنود بالمتطوعين للقتال، ويجمعون جيشا من العرب، وأن حاكم الإسكندرية السيد محمد كريم لم يأذن للقنصل بمقابلتنا إلا مصحوبا بجماعة من نوتية الإسكندرية (النوتية: المَلاَّحونَ في البَحْرِ)، وعهد إليهم بإرجاعه إلى الثغر».

فيفان دينون

وقد ذكر نيقولا الترك، الذي شهد وقائع الحملة الفرنسية ودونها في كتاب، أن السيد محمد كريم كان يعارض حدوث هذه المقابلة، وأن إدريس بك قومندان السفينة العثمانية التي كانت راسية بالثغر هو الذي اقنع السيد محمد كريم بالتصريح لقنصل فرنسا بمقابلة الفرنسيين.

خسائر فادحة للفرنسيين

 سمع نابليون حديث القنصل وخشي عودة الأميرال نلسن ومباغتته بأسطوله في عرض البحر، فأمر بالمبادرة إلى إنزال الجنود للبر، فنزل الجنود ومعظمهم مسلحون بالبنادق والرماح، فأصدر أمره بالهجوم العام، وأخذ الأهالي يُطلقون النار من المدافع المركبة على الأبراج والأسوار إطلاقا من غير إحكام، فأحاط الجنود بأسوار المدينة وهاجموها من ثلاث جهات، الجنرال مينو من الغرب حذاء الشاطئ، والجنرال بون من جهة باب رشيد، والجنرال كليبر من باب سِدْرَة، واندفعوا إلى الأسوار، فقابلهم الأهالي بإطلاق النار إطلاقا شديدا من المدافع والبنادق، وقاومت الأبراج مقاومة عنيفة، لكن المدافعة لم تدم طويلا، فاقتحم الجنود الأسوار ودخلوا المدينة ووصلوا إلى الجهة المسكونة منها.

الأميرال نلسن

وكان الجنود الفرنسيون قد أصيبوا بخسائر فادحة نتيجة مقاومة الأهالي، فهاجموا البيوت، فاخذ الأهالي يطلقون الرصاص من بيوتهم على الجنود المهاجمين، وكاد نابليون نفسه يصاب برصاصة قاتلة. وعن ذلك يقول «بوريين» سكرتير نابليون الخاص: «دخل بونابرت المدينة من حارة لا تكاد لضيقها تسع اثنين يمران جنبا لجنب، وكنت أرافقه في سيره، فأوقفتنا طلقات رصاص صوبها علينا رجل وامرأة من أحد النوافذ، واستمرا يطلقان الرصاص، فتقدم جنود الحرس وهاجموا المنزل برصاص بنادقهم وقتلوا الرجل والمرأة».

ولما رأى نابليون ما حدث خشي حدوث مذابح في المدينة وهو الذي أعلن انه جاء لمحاربة المماليك، فأمر جنوده أن يكفوا أيديهم، واستدعى إدريس بك قومندان السفينة العثمانية الراسية بالثغر، وطلب إليه أن يقنع الأهالي بالكف عن القتال ويبلغهم أنه جاء لمحاربة المماليك ورفع أذاهم عن أهل البلد، فكف الأهالي عن المقاومة، فقد كانوا في مواجهة قوة قاهرة لا يملكون لها ردا.

قاد السيد محمد كريم المقاومة الشعبية ضد الفرنسيين حتى بعد أن اقتحموا أسوار المدينة، وظل يدافع بعد دخولهم الأسكندرية معتصما بطابية قايتباي ومعه فريق من المقاتلين، إلى أن نفذت ذخيرته وكلت قواه ورأى المقاومة عبثا لا يجدي، فكف عن القتال وسلم القلعة، وبذلك سُلمت المدينة بقلاعها وأسوارها ومرافئها إلى الفرنسيين، ولم يكن بد من التسليم لان قوة الدفاع كانت أضعف من أن تقاوم جيش نابليون وهو في عنفوانه وقوته.

اعتراف الأعداء

وبعد احتلال الأسكندرية بادر نابليون إلى دعوة مشايخ المدينة وأعيانها لمقابلته، وأعرب لهم عن تمنياته بالسعادة للشعب المصري، وأوضح انه لا يقصد بالأهالي سوءا، وانه إنما جاء لمحاربة المماليك، ثم رد إلى السيد محمد كريم الذي استبسل في الدفاع عن المدينة سلاحه، وقال له في مجلس أعيان المدينة: «لقد أخذتك والسلاح في يدك، وكان لي أن أعاملك معاملة الأسير، لكنك استبسلت في الدفاع، والشجاعة متلازمة مع الشرف، لذلك أعيد إليك سلاحك، وآمل أن تبدي للجمهورية الفرنسية من الإخلاص ما كنت تبديه لحكومة سيئة».

وقدّر نابليون خسائر الجيش الفرنسي في مهاجمة الإسكندرية بثلاثمائة بين قتيل وجريح، وقدّر خسائر السكندريين بسبعمائة إلى ثمانمائة بين قتيل وجريح، وأمر بدفن قتلى الفرنسيين حول عمود السواري باحتفال عسكري كبير ونقشت أسماؤهم على قاعدة العمود.

وبعد أن استقر الأمر بالإسكندرية لنابليون قرر الزحف بجيشه على القاهرة، فعين الجنرال كليبر قومندانا وحاكما عسكريا على الإسكندرية. ورغم أن كليبر يعد من أكفأ قواد الحملة الفرنسية، وكان قائد فرقة من الفرق المعدة للزحف على القاهرة، لكن الجراح التي أصابته يوم احتلال الإسكندرية حالت دون اشتراكه في الزحف، وعين في الوقت نفسه الجنرال مينو حاكما لرشيد، وكانت إصابته كذلك سببا في تخلفه عن الزحف مع نابليون. وقبل أن يغادر نابليون الإسكندرية أمر بإبقاء السيد محمد كريم حاكما لها.

كليبر

وحول إصابة كليبر ومينو، كتب الجنرال برتييه، رئيس أركان حرب الحملة الفرنسية، في رسالته إلى وزارة الحربية الفرنسية، يصف احتلال الفرنسيين للإسكندرية، فقال: «إن الأهالي دافعوا عن أسوار المدينة دفاع المستميت، وقد أصيب في هذه الموقعة الجنرال كليبر بعيار ناري في جبهته، فجرح جرحا بليغا، وأصيب الجنرال مينو بضربة حجر أسقطته من أعلى السور فنالته رضوض شديدة، وأصيب الأدجودان جنرال اسكال بجرح بليغ في ذراعه من عيار ناري، وقتل اللواء ماس وخمسة ضباط آخرين»

كريم يوسع دائرة المقاومة

بقى كليبر على رأس حامية الإسكندرية، بينما أخذت دعوة محمد كريم إلى المقاومة الشعبية تلقى صداها بين أهل المدينة، وكانت جموع الأهالي تحتشد حول أسوار الإسكندرية، لقتل الجنود الفرنسيين، فخسرت القوات الفرنسية ثلاثين بين قتيل وجريح، فاضطر الجنرال كليبر إلى إنشاء مخافر على المرتفعات المشرفة على المدينة لمنع توالي الهجمات، وحماية الدوريات المسلحة التي كانت تجوب الضواحي.

لم يكن الفرنسيون يتوقعون هذه المقاومة، بل كانوا يظنون أن الأهالي استكانوا، وهنا بدأت القيادة الفرنسية ترتاب في الدور الذي يلعبه السيد محمد كريم في تشجيع الأهالي على المقاومة والثورة، وتتهمه بخيانة الجمهورية الفرنسية، وإثارة الهياج والعصيان في نفوس الأهالي. أضف إلى ذلك، أن محمد كريم قد دافع عن أهل المدينة عندما فرض الجنرال كليبر مبلغا إجباريا من المال على تجار الإسكندرية يدفعونه للجيش الفرنسي، فعارض في إقرار هذا المبلغ من المال، وتلكأ في الموافقة عليه، ومساعدة السلطة الفرنسية في تحصيله. 

وكان كل هذا قد نال من هيبة الجيش الفرنسي في الإسكندرية، فأراد  كليبر استعادة هذه الهيبة، فأمر بالقبض على  محمد كريم، وبعث به إلى «أبي قير» حيث كان الأسطول الفرنسي راسيا، واعتقل بالبارجة «اوريان». وطلب كليبر من نابليون عبر رسالة بعث بها إليه «ألا يطلب عودة  محمد كريم إلى الإسكندرية، خوفا من أن يستفحل أمره ويتضاعف نفوذه في نفوس الأهالي»، وقد وافق نابليون على ذلك، وأرسل خطابا إلى كليبر هذا نصه: «إني لا أوافق على اعتقال كريم فحسب بل أمرت فوق ذلك باعتقال أشخاص آخرين»، وأمر باعتقال خمسين شخصا يكونون رهائن، «وحبسهم على ظهر الأسطول حتى نستوثق من سلوك أهل الإسكندرية». وأمر كليبر بتكبيل محمد كريم وإرساله على هذه الصورة إلى القاهرة، كما أمره بان يعتقل كل من بقي في منزل محمد كريم، وأن يختم على داره وعلى أملاكه.

محاكمة وصمود وتكريم

سافر السيد محمد كريم على ظهر سفينة من سفن الجيش الفرنسى أقلعت به من رشيد متوجهة إلى القاهرة. وفي القاهرة ظل مسجونا رهن التحقيق، وكان الجنرال «ديوي» قومندان القاهرة يتولى أمر التحقيق معه، فاستجوبه في التهم الموجهة إليه، وانتهى التحقيق بثبوت التهم عليه.

وهنا ننقل ما جاء في كتاب مسيو «ريبو» التاريخ العلمي والحربي للحملة الفرنسية – الجزء الثالث. وفي مذكرات «بوريين» سكرتير نابليون – الجزء الأول. 

«أصدر نابليون أمره في 5 سبتمبر سنة 1798 بإعدامه رميا بالرصاص ومصادرة أملاكه وأمواله، وسمح له أن يفتدي نفسه بدفع غرامة ثلاثين ألف ريال في أربع وعشرين ساعة».

فلم يقبل السيد محمد كريم أن يدفع هذا المبلغ، وأظهر جلدا وشجاعة أمام حكم الإعدام، وقد نصحه المستشرق «قانتور»، كبير تراجمة الحملة الفرنسية، بأن يدفع الغرامة وقال له: «انك رجل غني فماذا يضيرك أن تفتدي نفسك بهذا المبلغ ؟»…..

فأجابه السيد محمد كريم: «إذا كان مقدرا علي أن أموت فلا يعصمني من الموت أن أدفع هذا المبلغ، وإذا كان مقدرا لي الحياة فعلام أدفع؟»

«وظل على إصراره إلى أن نفذ عليه الحكم رميا بالرصاص في ميدان الرميلة» يوم 6 سبتمبر سنة 1798 م.

وفي عام 1953، بعد قيام ثورة يوليو، تم تكريم السيد محمد كريم، ووضعت صورته لأول مرة مع صور محافظي الإسكندرية في مبني المحافظة تكريما لذكراه، كما أطلق اسمه على شارع التتويج وأصبح اسمه شارع محمد كريم، كما أطلق اسمه على إحدى المدارس  بالإسكندرية)، وفي 27 نوفمبر 1953 افتتح المسجد المجاور لقصر رأس التين وأطلق عليه «مسجد محمد كريم»، وقد تم صنع تمثال للسيد محمد كريم ووضع في حديقة الخالدين بالإسكندرية.

         

الوسوم

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. شكرا أستاذ طارق على هذا العرض الشيق. جاء في المقال “وبعد احتلال الأسكندرية بادر نابليون إلى دعوة مشايخ المدينة وأعيانها لمقابلته، وأعرب لهم عن تمنياته بالسعادة للشعب المصري، وأوضح انه لا يقصد بالأهالي سوءا، وانه إنما جاء لمحاربة المماليك، ثم رد إلى السيد محمد كريم الذي استبسل في الدفاع عن المدينة سلاحه، وقال له في مجلس أعيان المدينة: «لقد أخذتك والسلاح في يدك، وكان لي أن أعاملك معاملة الأسير، لكنك استبسلت في الدفاع، والشجاعة متلازمة مع الشرف، لذلك أعيد إليك سلاحك، وآمل أن تبدي للجمهورية الفرنسية من الإخلاص ما كنت تبديه لحكومة سيئة». هذه غير واضحة لي. قد كنت أظن أن معاملة الأسير الذي ألقى سلاحه واستسلم تختلف عن الأسير الذي أمسك وهو يقاتل..

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: