فن

التراث في مسرح سعد الله ونوس..اللجوء إلى الماضي بحثا عن المستقبل

«إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ، منذ أربعة أعوام وأنا أقاوم السرطان، وكانت الكتابة، وللمسرح بالذات، أهم وسائل مقاومتي .. المسرح في الواقع هو أكثر من فن، إنه ظاهرة حضارية مركبة سيزداد العالم وحشة وقبحا وفقرا، لو أضاعها وافتقر إليها. ومهما بدا الحصار شديدا، والواقع محبطا، فإني متيقن أن تضافر الإرادات الطيبة، على مستوى العالم، سيحمي الثقافة، ويعيد للمسرح تألقه ومكانته».. كان هذا جانبا من كلمة الكاتب المسرحي السوري الراحل سعد الله ونوس خلال حفل يوم المسرح العالمي، الذي نظمه المعهد الدولي للمسرح، التابع لليونسكو، عام 1996.

أدرك أغلب كتاب المسرح العربي مبكرا أن الإستعانة بمختلف الأشكال والظواهر التراثية أمرٌ من شأنه أن يعبر بهم وبمجتمعاتهم من الماضي والحاضر نحو آفاق المستقبل الرحب، ذلك أن استلهام التراث دون الخضوع له، يعد أحد آليات ترسيخ الهوية الوطنية، حيث استخدم العديد من الكتاب بمختلف بلدان العالم التراث كوسيلة لمواجهة الإستعمار الأجنبي، وهو ما دعا العديد من الكتاب العرب في أعقاب هزيمة 1967 إلى العودة للتراث العربي ينهلون منه زادا يعينهم على تحمل تبعات الهزيمة، مستخدمين إياه كلواء يرشدهم نحو السعي قدما لمجابهة تبعات النكسة فى تأكيد مهم على وحدة هويتهم العربية.

وإدراكا من سعد الله ونوس (1941-1997) لمدى أهمية التراث في تشكيل الوجدان العربي، فقد عمد إلى الإستعانة به في بناء تجربته المسرحية، التي جاءت كرد فعل مباشر لهزيمة الوطن والجسد معا.

لذا كان من الأهمية التعرف على مدى استلهام سعد الله ونوس للتراث، ما هى الطريقة التي تعامل بها معه، وكيف نجح في استخدام العناصر التراثية في التعبير عن الواقع الإجتماعي السياسي المعاصر في مسرحه؟

الملك هو الملك

استلهم سعد الله ونوس في مسرحية «الملك هو الملك» إحدى حكايات «ألف ليلة وليلة» التي تروي قصة رجل كان والده تاجرا في خلافة هارون الرشيد، مات والده وترك له مالا وفيرا، أنفق معظمه على أصدقائه، الذين ما لبثوا أن تخلوا عنه، فتمنى أن يصبح ملكا.

القصة التراثية التي تنطلق منها المسرحية تُضمر رسالة تهدف إلى تكريس الأوضاع القائمة، وإعطائها شرعية أخلاقية، فهى تصور ملكا يختلق لعبة وهمية ليروّح بها عن نفسه:”عندما يضجر الملك، يتذكر أن الرعية مسلية، وغنية بالطاقات الترفيهية” فيوهم فردا عاديا كان يحلم بأن يصبح ملكا بأنه قد غدا الملك، وينقل الرجل إلى القصر، ويحيطه “بديكور واقعي” ويأمر الجميع بالإندماج في اللعبة حتى يصدق الرجل ويتوهم ويتقمص دوره كملك.غير أن اللعبة التنكرية تنتهي ويعود في النهاية الملك إلى قصره، والرجل إلى بيته، ليظل الملك هو المتحكم في قواعد اللعبة.

يقدم سعد الله ونوس في هذه المسرحية خلاصة تحليله لبنية المجتمع الطبقي القائم على التنكر وتبادل الأدوار، مع تجنب تحديد الزمان والمكان الذي تدور فيه أحداث المسرحية، حتى يتسنى لها أن تكون مناسبة لكل زمان ومكان. يطرح ونوس نموذجه في العنوان، ومن ثم يجسده عبر تشكيل درامي ينطلق من مفارقة «الوجه» و«القناع»، وينتهي إلى مفارقة «المرآه» التي لا تعكس إلا «الأقنعة«: «ماذا يدور؟ أين الحقيقي وأين الزائف؟.. مرايا.. مرايا مهشمة. ووجهي ألف ألف قطعة».

يعتمد ونوس على «الجوقة» التي تبدأ المسرحية وتنهيها بالتأكيد على أنها مجرد «لعبة».

اقرأ أيضا:

مغامرة رأس المملوك جابر

«يا سادة يا كرام .. كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، خليفة في بغداد يدعى شعبان المقتدر بالله، وله وزير يقال له محمد العلقمي، وكان العصر كالبحر الهائج لا يستقر على وضع، والناس فيه يبدون وكأنهم في التيه، يبيتون على حال ويستيقظون على حال، تعبوا من كثرة ما شهدوا من تقلبات وما تعاقب عليهم من أزمات. تنفجر من حولهم الأوضاع فلا يعرفون لماذا انفجرت، ثم تهدأ حينا من الزمن فلا يعرفون لماذا هدأت. يتفرجون على ما يجري، لكنهم لا يتدخلون في ما يجري. ومع الأيام اعتقدوا أنهم اكتشفوا سر الأمان في مثل هذه الأزمان، فقنعوا بما اكتشفوا، ورتبوا حياتهم على أساس ما اعتقدوه أسلم الطرق إلى الأمان»

هذا مقطع من مسرحية «مغامرة رأس المملوك جابر»، التي استمد سعد الله ونوس أحداثها وشخصياتها من الحكايات الشعبية لسيرة الظاهر بيبرس، وقد استعان «بالراوي» و«بفضاء القهوة» ذلك الفضاء الذي يرتبط بالعالم المحيط به، و«زبائن القهوة» يمثلون شرائح مختلفة من المجتمع، بل هم المجتمع بأثره إن جاز التعبير. ومن ثم ينظم الراوي الحكاية نظما يبدو للوهلة الأولى أنه نظم محكم بحيث تبدو وكأنها تأخذ مجرى حتميا، غير أن نهاية الحكاية جاءت مخيبة لتوقعات «زبائن القهوة».

استخدم ونوس تقنية «المسرح داخل المسرح» وهى تقنية تدعم التواصل مع الجمهور. وعن ذلك يقول ونوس: «كنت أريد أن أتواصل مع جمهور واسع، وكنت أريد أن يكون مسرحي حدثا إجتماعيا وسياسيا، يتم مع هذا الجمهور.

الماضي جسر إلى المستقبل

إعتمد سعد الله ونوس في كثير من أعماله المسرحية على التاريخ الماضي كوسيلة لتناول الحاضر، ففي «منمنمات تاريخية» على سبيل المثال، يأخذ المؤرخ القديم بالمسرحية، دور الراوي الذي يروي حوادث الماضي، ويزيد على بعضها ألفاظا توضح طبيعة الموقف وإيجابيته، في شرح حوادث المسرحية كلها، وتتوالى الحوادث عبر سرد المؤرخ لأحوال الزمان والإنسان في دمشق كحيز مكاني تدور فيه أحداث المسرحية.

كذلك الحال في مسرحية ونوس الأخيرة «الأيام المخمورة» حيث يعود «الحفيد» إلى الماضي لتبدأ أحداث المسرحية: «كنت في السادسة من عمري، حين غابت أمي يومين، عادت بعدها ومعها إمرأة عجوز شديدة الضعف والهزال، في البداية خفت منها، ولكن حين تمليت وجهها، وجدته مضيئا وآسرا لا تشبع العين من النظر إليه، قالت أمي.. هذه جدتك.. فيما بعد، مع نمو إدراكي وفضولي، أيقنت أن في العائلة دملا يتستر عليه الجميع، وأدركت على نحو غامض، أني لن أستقر في اسمي وهويتي إلا إذا كشفت الدمل وفقأته».

العودة إلى الماضي لدى ونوس كانت إذن  وسيلته للتعرف على الهوية كما كانت وسيلته لنقد الواقع الإجتماعي السياسي المعاصر ومن ثم العبور للمستقبل.

مصادر تراثية

تعددت المصادر التراثية التي استقى منها ونوس مواد أعماله المسرحية، فكان منها المصدر الإسلامي، والمصدر التاريخي، وشذرات من التراث الغربي، والتراث العربي الشعبي بكل ما يحمله من عادات وتقاليد ومعتقدات. وقد استخدم ونوس العديد من التيمات التراثية مثال: الحكواتي والراوي وشخصية الأراجوز، والجوقة الغنائية ،وعالم الأساطير بكل ما يحمله من تنويعات متعددة.

كما استعان بالأمثال الشعبية، غير أنه وهو يستعين بركام تلك الأمثال ذات الطبيعة الإنهزامية مثل: «إمشي جنب الحيط وقل يارب السترة، الطاقة التي يأتيك منها الريح، سدها واستريح، بينك وبين الجار سمك الجدار»، لم يفته أن يبتكر مثله الخاص المعبر عنه: «كل ما حولي يعنيني لأن فيه مصيري».

وبصفة عامة لم تكن نظرة ونوس للتراث نظرة تقديسية، بل أنها كانت تحمل نوعا من التأمل، حيث استطاع  أن يجرد الظاهرة التراثية من رموزها، وأن يشحذها برموز جديدة تجعلها قادرة على التعبير عن الواقع المعاصر، وتحفز القارىء أو المشاهد على أن يعي عصره ويدرك ما فيه من تناقضات، فيخرج من العمل المسرحي محملا بالتساؤلات ومحاولة الربط بين أحداث المسرحية والواقع المعاش. لم يكن ونوس يسعى إلى نقل التراث، بل توظيفه و«التعبير به» وليس «التعبير عنه» مثله في ذلك مثل صلاح عبد الصبور في مسرحه الشعري.

وليس أدل على تجربة سعد الله ونوس سوى ذلك الإهداء الذي تصدر المجلد الأول من أعماله الكاملة:

«إلى ابنتي ديمة، إلى جيلها، والأجيال التي تليها… يجب أن يكون واضحا، أو هذا ما أعتقده على الأقل، أن هزيمتنا لا تعني، أن الأفكار التي كنا نتبناها وندافع عنها، كانت خاطئة، لا.. لم تكن أفكار الحرية والديمقراطية والعقلانية والوحدة العربية والعدالة الإجتماعية، أفكارا خاطئة. ولكن جيلنا لم يعرف كيف ينتصر بأفكاره ولأفكاره».

المصادر:

  • سعد الله ونوس، الأعمال الكاملة، المجلد الأول، سوريا، دمشق، الأهالي للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، عام 1996.
  • نهاد صليحة، المسرح بين النص والعرض، الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكتبة الأسرة، عام 1999.
  • تيايبية عبد الوهاب، توظيف التراث في مسرح سعد الله ونوس، رسالة ماجستير، قسم اللغة العربي، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، بجامعة الحاج لخضر، باتنة، بالجزائر.
  • رشا ناصر العلي، التراث الشعبي بمسرح سعد الله ونوس.
  • سناء شعلان، توظيف ألف ليلة وليلة في مسرح سعد الله ونوس، مجلة الفنون الشعبية، الأردن.
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: