منوعات

بين الزيف والخواء والأنانية.. هل حولتنا الحياة المعاصرة إلى مرضى نفسيين؟

مع تقدم الزمن وتطور التكنولوجيا لم نعد بحاجة لبذل مجهود بدني شاق كما اعتاد أجدادنا، حيث انتقلت معظم الوظائف من المساحات المفتوحة إلى المكاتب الضيقة، ومع زيادة خيارات وسائل الراحة والترفيه وانتشار الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي، زادت أيضًا معدلات الإصابة بالأمراض والاضطرابات النفسية بشكل ملحوظ خاصة بين الأجيال الأصغر عمرًا، ليصبح الاكتئاب والقلق والأرق ومشاكل التركيز والذاكرة وغيرها أمراضًا شائعة، وتناول العقاقير النفسية والمهدئات والمنومات أمرا اعتياديًا، وهو ما يجعل كل جيل ينظر لمن سبقوه فيجدهم أقل تقدمًا ولكن أكثر استقرارًا، وكأننا ندفع ضريبة هذا التقدم من سلامتنا النفسية نظرًا لتزايد الضغوط سواء التي يفرضها علينا المجتمع أو حتى التي نختارها بكامل إرادتنا.

هناك أمثلة عديدة عالمية ومحلية لأشخاص نشأوا في بيئات فقيرة أو لم يكونوا مميزين على الإطلاق ثم وبطريقة ما تنقلب الموازين لتسجل أسماءهم في التاريخ جنبًا إلى جنب مع الشخصيات الاستثنائية، يشارك الناس تلك القصص بطريقة سردية مختزلة لتحفيز أنفسهم أو الآخرين، ورغم أن لهذا الأمر جانبًا إيجابيًا يعطي البشر أملًا ويلهمهم لخلق قصص نجاحهم الخاصة، إلا أنه يجعلهم في ضغط  دائم كي يصلوا إلى التميز.

يرغب الجميع في أن يكونوا «محمد صلاح» أو«مجدي يعقوب» أو ربما حتى «أوبرا وينفري»، ولكن لا أحد يرغب في أن يعيش حياة عادية، لأن كلمة عادي تساوي الفشل في عالمنا المعاصر، لذا يضع الناس أنفسهم تحت ضغط نفسي رهيب آملين أن يثبتوا لمجتمعاتهم يومًا ما أنهم مميزون ومتفردون، وإذا لم ينجحوا في ذلك يصيبهم إحباط من حياتهم المملة غير المتفردة، على الرغم من أن الحياة العادية ربما تكون حلمًا لكثيرين (تحديدًا من تميزوا)!، حياة بسيطة بها الحد الأدنى من الخصوصية والسعادة الحقيقية والرضا، لذا فمن المفترض أن توضع «العادية» في الإطار الإيجابي الجذاب ذاته، مع تشجيع الناس على الاستمتاع بإنجازاتهم اليومية الصغيرة.

مثالية زائفة

يعيش معظم الناس الآن حياة مزدوجة بوجهين، أحدهما واقعي يحمل كل تناقضاتهم وكواليس حياتهم بما فيها من تأرجح ما بين الصعود والهبوط، وآخر مثالي نخلقه بأيدينا على وسائل التواصل الاجتماعي، ننشر أجمل صورنا، ندعي المثالية فيما نكتب، ونستعرض حتى أدق تفاصيل حياتنا الشخصية، فقط لنبقى في مضمار المنافسة على سباق صاحب الحياة الأفضل.
مشكلة تلك الصور والمنشورات أنها تعطي لمن يتابعها إحساسًا وهميًا بأن أولئك الناس يعيشون حياة مثالية طوال الوقت، بينما يعيش هو في هموم وابتلاءات، فيقع تحت ضغوط المقارنة بسبب صورتمثل لحظات محدودة جدًا من حياة أشخاص ربما لا يعرف شيئًا عنهم على الإطلاق، فتشعر الفتاة بأنها تفتقر الجمال لأنها مهما بذلت من مجهود لا تصل أبدًا إلى مستوى الصور المعدلة ببرامج احترافية، ويتابع الشاب ما وصل إليه غيره في سن أصغر منه فيشعر بالفشل لأن معايير النجاح المعاصرة تخطت إمكانياته.
على الجانب الآخر يتمزق أولئك الذين ينشرون صورهم وتفاصيل حياتهم باستمرار، حيث تتسع الفجوة بين حياتهم الواقعية وتلك التي صنعوها لأنفسهم، كما يقعون تحت ضغط محاولة إرضاء متابعيهم باستمرار، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى سوق يبيع فيه المستخدمون أنفسهم، والأعلى سعرا يحصل على مشاهدات وإعجابات أكثر، وإذا وصل التفاعل إلى مستوى معين تتحول العملة الافتراضية إلى أرباح حقيقية، ولجني الأموال أو حتى لمجرد الحفاظ على صورة معينة، يخلق البعض مثالية زائفة يستحيل تحققها واقعيًا.

معنى جديد للحب !

ولأن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه تساعدنا الروابط الإنسانية القوية على التوازن النفسي، ومن أهمهما العلاقة مع شريك الحياة وتكوين أسرة، ولكن لم يعد هذا صحيحًا في كثير من الحالات الآن، حيث تتزايد معدلات الطلاق وتفكك الأسر جيلًا بعد جيل، تشمل الظاهرة بالطبع عدة عوامل ولكن من أهمها تغيير معاني الزواج في أذهان الأجيال الحديثة من العطاء والإيثار والمودة، إلى الأنانية والأخذ والرغبة في الاستحواذ على الآخر.
ترسخت تلك المعاني من خلال مفهوم الرومانسية في الروايات والأفلام والأغاني وغيرها، حيث تؤكد تلك الوسائل أن هناك شخصًا ما مثاليا خُلق خصيصًا لأجلك وسيظهر في الوقت المناسب ليكمل كل ما ينقصك ويجعلك سعيدًا بحق، مما يعزز الأنانية، ففي النهاية أنت المهم وليس الطرف الآخر الذي سيكون كل مهمته في الحياة إسعادك وخدمتك، كما يبدو وكأن سعادة الإنسان شىء خارج تمامًا عن إرادته، ويبدو أن المقبلين على الزواج يرسمون أحلامًا وردية من هذه النوعية ثم  يفاجأوا بأنهم تزوجوا أشخاصًا عادييين  تمامًا مثلهم بهم عيوب ونواقص، ثم تكتمل الصدمة بتراكم الأعباء والمسؤوليات، وهو ما يعد أمرًا طبيعيًا تمامًا وكانت الأجيال الأقدم مدركة لأفكار المشاركة وتأسيس الأسرة، ويقوم الجميع بدوره على أكمل وجه بشكل فطري وتلقائى.

نفوس خاوية

 ومع تزايد هموم ومشكلات البشر، يصبح من أسس الحياة الجوهرية أن يظل لكل شخص ملاذ آمن حيث يلجأ إلى الله، وأيًا كانت دياناتهم يحتاج البشر جميعا لجانب روحي يكسر من حدة انغماسنا في المادية ويمدنا بدعم لا نهائي وقتما نشاء فنطمئن، أما الحداثة فقد زعزعت هذا الجانب أيضًا عند بنى البشر.
لذا فإذا أصبح الإنسان المعاصر يبدأ علاقاته بـ «طلب صداقة» وينهيها بـ«حظر» ولا يمكنه الوثوق في أحد ولا حتى شريك حياته، بل ويقطع كل صلاته بالله فتصبح روحه خاوية تمامًا، ثم يتفرغ للتسابق مع البشر تحت ضغوط الصورة والمقارنات الدائمة، فماذا يتبقى من إنسانيته؟ وكيف يمكنه مواجهة الحياة دون الإصابة بالأمراض النفسية؟ ربما يعيش الإنسان المعاصر حياة مرفهة أكثر، ولكن مقابل ذلك يجب أن يخوض صراعًا يوميًا مع نفسه لتحقيق التوازن المطلوب ما بين إقامة روابط إنسانية قوية وتغذية روحه والتحرر من هاجس المقارنة الذي يطاردنا بلا توقف، وبهذه الطريقة يمكن الاستمتاع بمزايا العصر دون تشويه نفوسنا أو تحميلها بما لا تطيق.

المصادر:

Young people are growing ever more depressed. Is modern life to blame؟

How the Modern World Makes Us Mentally Ill

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق