منوعات

ملامح النشاط الجهادي على الإنترنت بعد انهيار دولة «داعش»

كتب:  مانويل ر. توريس سوريانو

ترجمة وعرض: تامر الهلالي

 كان لانهيار دولة «الخلافة» التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» تأثير هائل على النشاط الجهادي على شبكة الإنترنت. ففي فترة زمنية قصيرة، شهدنا تحولًا من نظام مركزي يدور حول قيادة منظمة قوية قادرة على تحمل المبادرة  وضمان وصول الرسالة الجهادية على الإنترنت، إلى نموذج مختلف يقوم على أساسٍ أصغر يتم فيه اتخاذ المبادرة من خلال دمج الجهات الفاعلة الصغيرة غير المنسقة التي تسعى إلى ملء الفراغ، فى ظل تراجع واضح وملموس للنظام المركزى وللقيادة المنظمة.

صعوبات كبيرة

اكتسب النشطاء غير المرتبطين بعلاقات تنظيمية مع تنظيم الدولة و «المنصات الإعلامية» التي تفتقر إلى العلاقات المعلنة والرسمية مع المنظمات الإرهابية دوراً بارزاً بشكل متزايد بالتوازي مع «تشديد» شبكة الإنترنت فيما يتعلق بنشر رسائل المتطرفين. وقد أدى الجمع بين هذين العاملين إلى ظهور ثلاثة اتجاهات هي:

الاتجاه الأول: ظهور أشكال جديدة من النشاط مدفوعة بالحاجة إلى استمرار الوصول إلى المنصات الرئيسية، وذلك نتيجة للاستراتيجيات الاستباقية الذي تتبناها منصات التواصل مثل Youtube و Twitter و Facebook، حيث تجد الرسالة الجهادية  صعوبة متزايدة في الوصول إلى جمهورها المستهدف. فالمشكلة ليست فقط في أن الفجوة الزمنية أقصر من أي وقت مضى بين نشر المواد المتطرفة وإزالتها اللاحقة، حيث الخوارزميات الجديدة لشركات التواصل الاجتماعي قادرة على اكتشاف ومنع المحتوى غير القانوني قبل اكتمال عملية النشر. وهكذا ،وللمرة الأولى على الإطلاق، لم يعد التحدي الحقيقي الذي تواجهه الجماعات الجهادية هو الحفاظ على وجودها على الشبكات الاجتماعية الأكثر شعبية ولكن مجرد الوصول الفعلي إليها. 

(شبكة النساء المؤيدات للتنظيم وزوجات المقاتلين الأجانب على تويتر. حسابات المقاتلين الأجانب
باللون الأحمر، بينما حسابات الكُنى النسائية مشارٌ إليها برمز طائر تويتر)

وقد طبقت الشركات المذكورة أعلاه إجراءات تسجيل أكثر صرامة تجعل من الصعب إنشاء ملفات تعريف مجهولة أو إنشاء حسابات جماعية باستخدام إجراءات آلية. واحدة من أكثر الطرق شيوعًا هي الحاجة إلى توفير رقم هاتف محمول يلزم التفاعل معه للتحقق من هوية المستخدم وإكمال التسجيل. وتزداد صعوبة التغلب على هذه العقبات باستخدام الوسائل التقنية ،حيث يتم تحسين الأنظمة باستمرار وجعلها أكثر تطوراً.

وفي مواجهة ذلك  كان الحل قصير الأجل الذي تبناه الجهاديون، هو تشجيع أشكال جديدة من التعاون من جانب الناشطين للمساعدة في التحايل على معضلات الوصول إلى المنصات الرئيسية. وقد تم اكتشاف حالات، على سبيل المثال، لنشطاء يستخدمون سرا هواتف نقالة من الأصدقاء والعائلة لإنشاء حسابات جديدة. وبالمثل، تم الحصول على بطاقات SIM بشكل غير قانوني بأعداد كبيرة لغرض وحيد هو إنشاء ملفات تعريف وسائط اجتماعية جديدة، والتي يتم «التبرع بها» بعد ذلك إلى فرق الدعاية الجهادية.

 وعلى نفس الشاكلة يمكن افتراض أنه سيتم اعتماد عدد لا يحصى من الإجراءات التي سيتم بموجبها استخدام الاحتيال أو توفير الحوافز الانتقائية بغرض المزيد من التجنيد لمزيد من الأفراد في المهمة الشاقة المتمثلة في ضمان الوصول إلى المنصات الرئيسية.

الاتجاه الثاني: استعمار المساحات الصغيرة: حيث تم إجبار الجهاديين السيبرانيين على شغل مساحات أخرى لا تسمح لهم بالوصول إلى تواجد جماهيري كبير، مع الإبقاء على التواجد على الإنترنت من خلال هذه المنصات صغيرة الحجم والأقل شهرة كمستودعات افتراضية، ونقاط التقاء للنشطاء الملتزمين، ومساحات يمكن أن تتم فيها الاتصالات الخاصة بشكل أكثر أمانًا. فكلما صغر حجم البنية التحتية البشرية التي تدعم مثل هذه الخدمات والفضاءات الرقمية البديلة، كان من الأرجح أن  يكون عمل الجهاديين فيها خالياً نسبيا من المتاعب.

الاتجاه الثالث: البروز المتزايد لشبكات دعم الوسائط: شهدت السنوات الأخيرة انتشار أسماء جديدة و «منصات إعلامية» مخصصة لإنتاج ونشر المحتوى الذاتي الإنتاج. هذه المنافذ تم تبنيها من التوجيهات الصادرة عن مجموعات مثل تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية، لكنها لا تخضع لسيطرة مباشرة من هذه الجماعات، كما أن إنتاجها ذو جودة فنية أقل، ويميل إلى أن يكرر منتجات دعائية قديمة، بدلاً  من إنتاج مواد جديدة بالكامل. ومع ذلك، فإن قدرة شركات إنتاج «الأنصار» هذه على جذب انتباه الإعلام الغربي كبيرة، وتفوق إلى حد كبير التهديد الفعلي الذي تمثله. وهناك عدة أسباب لتبني هذا التوجه منها:

أولاً، تُظهر «المنصات الإعلامية» المذكورة القليل من العقبات عندما يتعلق الأمر بنشر تهديدات غير مصحوبة أو المطالبة بالمسؤولية عن حوادث لا صلة لها بالإرهاب، ومن بينها الإنذار الذي أحدثته أستراليا بإبر مخبأة في الفراولة المباعة في محلات السوبر ماركت. على العكس تماما: لقد أعلنوا بتفصيل كبير عن تواريخ وأهداف  الهجمات  الإرهابية على أمل أن تحفز دعواتهم أعمال الإرهاب العفوية. لقد سهّل التأثير الكبير الذي تحقق في وسائل الإعلام من خلال جهل أو إثارة بعض قطاعات من الصحافة، الذين سارعوا في وصف هذه التصريحات بأنها «رسائل من تنظيم الدولة الإسلامية»، على الرغم من عدم وجود علاقة مباشرة بين المؤلفين والجماعة الإرهابية.

ثانياً، أظهرت هذه الجهات الفاعلة إبداعًا كبيرًا، وكذلك قدرة على استخلاص الدروس من البيئة التي يأملون في التأثير عليها. ومن الأمثلة على ذلك حملة التهديدات ضد كأس العالم 2018 في روسيا. بعد التغطية الإعلامية المكثفة الناتجة عن الصور المرحلية للاعبي كرة القدم الذين تم تصويرهم كرهائن على وشك قطع رأسهم، نشرت تلك الوسائل الدعائية عددًا من الإصدارات المختلفة من هذا الشكل غير المتوقع للدعاية.

نتائج عكسية

هذا النشاط المفرط  انتهى بنتيجة عكسية: فمن خلال تشبع مساحة المعلومات بهذا المحتوى، استنتج القائمون على هذا الشكل من الدعاية البديلة أنه لم يعد يجتذب الاهتمام. في حين أن تنظيم الدولة  قضى عدة سنوات في محاولة لتهدئة جمهوره نتيجة آخر الأخبار السيئة التي نشأت عن انهيار نظامه الأساسي في العراق وسوريا، وبغرض الحفاظ على عملياته الإعلامية حية، حيث تتمتع المنصات المذكورة أعلاه بسهولة الوصول إلى الرأي العام. وتحتاج المنظمات المنشأة إلى حماية سمعتها ولا يمكنها المساس بمصداقيتها بوعود محددة بالهجوم يعرفون أنهم لن يتمكنوا من تنفيذها. وعلى النقيض من ذلك، يمكن لهذه المنصات «غير الرسمية» أن تخلق تأثيرًا إعلاميًا فوريًا مع وجود تهديد مزيف – وهذا بدوره يجذب  بعض الجمهور

و عندما يتم فقدان مصداقية علامة تجارية «غير رسمية»، يمكن الاستعاضة عنها بسرعة بعلامات تجارية جديدة تستغل نفس الغموض فيما يتعلق بصلاتها بهيكل قيادة الإرهابيين والأفراد المستعدين لشن هجوم لتوجيه الانتباه.

لكن هناك نتائج مناقضة لهذه الاستراتيجيات، فرغم أن الإجراءات من هذا النوع كانت في البداية مفيدة لتمكين الجهاديين من  تعويض خسائرهم للكثير من الأنصار فإن الانتكاسات التي لحقت بهم على الأرض كانت أكبر، علاوة على ذلك أضرت شبكات دعم وسائل الإعلام من هذا النوع المذكور بمصداقية تنظيم الدولة الإسلامية، لأنه كان واضحًا أن هذه الجماعات – رغم أنها مستقلة – كانت تتمتع بمستوى ما من التبعية للتنظيم. ومع بدء هذه الخسائر في المصداقية دفعت التنظيم إلى النأي بنفسه عنها علنًا من خلال بلاغ، لافتا  أتباعه إلى الانتباه فقط للرسائل الموزعة عبر القنوات «الرسمية».

تعريف بالكاتب

مانويل ر. توريس سوريانو: أستاذ مشارك للعلوم السياسية بجامعة بابلو دي أولافيدي في إشبيلية (إسبانيا) ومدير دبلوم التحليل في الإرهاب الجهادي وحالات التمرد والحركات الراديكالية في ذات الجامعة

مانويل آر. توريز-سوريانو

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق