فن

التراث في مسرح عبد الرحمن الشرقاوي.. الاشتباك مع أكثر لحظات التاريخ سخونة

«.. أنا .. من أنا ؟! .. ولدت لعشرين عاما مضت على مطلع القرن يا سيدي .. وقد فرغ العالم المستجير من الحرب آمنا: يهزأ بالموت والتضحيات وبالذكريات .. وقامت شعوب تهز الظلام بمشرق أحلامها الهائلة .. وتُعلي على خربات الفساد بناء مدينتنا الفاضلة .. فلما بدأت أعي ما يقال رأيتهم يملأون الطريق .. تهز الفئوس ركود الحقول وتغلي بما تحتويه العروق .. وكانوا يقولون: يحيا الوطن .. حفاة يهزون ريح الحياة .. ويستدفعون شراع الزمن .. وساءلت أمي عما هناك: وماذا دها القرية الساكنة؟ .. فقالت: بني هم الإنجليز .. يثيرون أيامنا الآمنة .. وقد أخذوا كل غلّاتنا .. وقد نضب الماء في الساقية ..ولم يبق شيء .. على حاله سوى حسرة مرة باقية». هكذا عرف الأديب الراحل عبد الرحمن الشرقاوي (1921-1987) نفسه شعرا، فهو ابن «الأرض»، ابن قريته «الدلاتون» إحدى قرى الدلتا.

اتخذ عبد الرحمن الشرقاوي من قضايا «الأرض» و«الفلاحين» عمادا لمجمل أعماله سواء كانت شعرا أو رواية أو مسرحا، كان التراث الديني والشعبي زاده الذي تزود به عبر رحلته الإبداعية، نقّب في جذور الماضي بحثا عما يضمّد به جراح الحاضر، فبات التراث معينه الذي أعانه على طرح قضايا الواقع الاجتماعي والسياسي بمختلف تجلياته.

مأساة جميلة

جاءت مسرحية «مأساة جميلة» عن شخصية المناضلة الجزائرية «جميلة بوحريد» عام 1962، لتعبر عن الصراع الدائر بين العرب والإستعمار من أجل التحرر القومي، شعب أعزل يقاوم استعمارا مسيطرا على الأرض، يملك قوى الدمار والحرب.

بالرغم من أن مسرحية «مأساة جميلة» تتعامل مع حدث معاصر إلا أن الشرقاوي قد عمد إلى الاستعانة ببنية حكي السيرة الشعبية، حيث تعامل مع المسرحية بوصفها تروي سيرة الحرب الجزائرية وبطليها «جاسم» و«جميلة».

كان الشعر والروح الغنائية هى الطاقة التي دفع بها الشرقاوي في مسرحيته لدعم روح المقاومة لدى الشعب الجزائري، ففي ختام المسرحية تسمع جميلة أصوات انفجار فتردد: «ذلك الصوت الجسور .. يتحدى كل شىء ..إنه عاد يدوي من جديد .. يحمل الرعب إلى أعدائنا .. إنه صوت الجزائر .. سيدوي دائما .. يحمل الأمل إلى أطفالنا».

الفتى مهران

«دي المشنقة يامه مرجيحة الأبطال .. والقيد الحديد يامه مخدة الشجعان .. وإللي انكتب على الجبين ضروري يوم يبان».

استندت مسرحية «الفتى مهران» التي تم عرضها على المسرح القومي عام 1966، على المدخل التراثي المتعلق بشخصية «الفتوة»، إلى جانب الموال الشعبي الذي يحمل اسم «موال الفتى مهران» كان الفتى مهران على خصومه مع الحكومة، رب أسرة  يعول عددا من الأطفال، وكان الراوي حين يروي مواله يعزف على نغمة تظهر مدى رقته وإنسانيته كأب محب لأطفاله، غير أن هذه الرقة والإنسانية لم تتعارض مع وقوفه شامخا أمام حبل المشنقة.

اعتمد الشرقاوي على التستر خلف «قناع» شخصية «الفتى مهران» حتى يتمكن من طرح رؤيته المتعلقة بديكتاتورية السلطة الحاكمة، يتجلى ذلك حين خاطب «مهران» السلطان بقوله: «هذا الخوف منك .. يجعل الناس كأعواد تردد .. كل ما ينفخ فيها من عبارات الولاء .. إن هذا الخوف منك .. لن يهدم غيرك .. فاعتراض صارخ ممن يحبك .. لهو خير ألف مرة .. من رضا كاظم غيظ يرهبك».

لم يكتف الشرقاوي في «الفتى مهران» بإعتماده على التراث الشعبي، ذلك أنه مزج بين التراث الشعبي المصري، والتراث الديني، مع عدم الإعتماد على شخصيات ووقائع تاريخية محددة، بل اكتفى بأن يقدم مسرحية تعتمد على التراث بإعتباره جوا عاما تدور فيه الأحداث وتتحرك الشخصيات.

الحسين ثائرا

«لكل زمان دولته.. ورجاله أعرف بأموره، .. وحسين قرة عين رسول الله يعيش زمانا قد ولى، .. ما عاد رجالا كعليٍ لحكومة دولتنا أهلا .. وحسين يسلك مثل أبيه، .. وله مثل صلابته .. فإذا صار ولي الأمر فسوف يسير كسيرته، .. والدولة تطلب رجلا آخر لا كعلي وحسين، .. فليس نجاح ولي الأمر في أن يحكم بضميره، .. أو أن يقضي عن نزعته أو تقديره .. نجاح الحاكم أن يستفتي في الأحكام ضمير الأمة».

كتب عبد الرحمن الشرقاوي مسرحيته «ثأر الله» في جزئين، «الحسين ثائرا» و«الحسين شهيدا» ما بين عامي 1964 و1969، والمسرحية تتخذ من التاريخ الإسلامي مرجعيتها الأولى، وتمثل حادثة مقتل الحسين بن علي في كربلاء محورها الرئيسي.

اعتمد الشرقاوي في مسرحيته تلك على كتاب «تاريخ الطبري» ورغم مطابقة المسرحية لأحداث التاريخ، فيما عدا المنظر الأخير الذي أطلق فيه الشرقاوي العنان لمخيلته، إلا أن المسرحية نجحت في عدة مواضع من حيث توظيف التراث والتاريخ الإسلامي، في معالجة فكرة إختيار الحاكم الصالح.

استفاد الشرقاوي من التراث في بناء أحداث المسرحية، وبناء الشخصيات، وفي البناء اللغوي في مواضع عدة، كما استعان بالعديد من التضمينات القرآنية، إضافة لذلك اجتهد الشرقاوي في تقديم شخصية «الحسين» كبطل تراجيدي، يعاني من المثالية المفرطة، وكأنه المسيح: «أنا ذا أخرج منها هائما تحت الظلام .. أنا ذا أحمل آلامي وآلام الجميع .. كالمسيح المضطهد .. تتلقاه حراب الظلم في كل بلد .. وهو يمضي يغرس الأقدام في شوك السلام .. ليزيح الشوك من كل الربوع».

يعيب بعض النقاد على الشرقاوي أنه أجهد نفسه بكثرة الأحداث والشخصيات التاريخية الإسلامية، ما جعل المسرحية أقرب للعمل التاريخي أكثر من قربها من العمل الفني، ويتجلى ذلك فيما اتسمت به بعض الشخصيات من ثبات رغم كل ما تتعرض له من تغير في الأحداث.

عرابي زعيم الفلاحين

مسرحية «عرابي زعيم الفلاحين» تعد آخر أعمال الشرقاوى المسرحية، كتبها عام 1981، وفيها يعود الشرقاوي إلى تناول هموم وقضايا الفلاحين التي بدأ بها حياته الأدبية عبر العديد من قصائده الشعرية إلى جانب رواية الأرض.

اختار الشرقاوي أن يقف منذ اللحظة الأولى إلى جانب عرابي باعتباره زعيما قوميا معبرا عن جموع الشعب فيقدمه قائلا: «ثم شاء الله أن يبرز منا واحد يدعى عرابي .. فاجتمعنا خلفه وغدونا واحدا .. لم نعد نشعر بالغربة في أرض الوطن .. وتحدينا به غدر الزمن .. وإذا بالكل في واحد، حلم السلف الأول .. قد صار حقيقة .. فدعاه الناس في كل قراهم واحدا .. إنه الواحد لا قائد غيره .. فجميع الشعب قد أصبح في شخص عرابي .. واحدا»

التزم الشرقاوي في سرده لأحداث مسرحيته بما أورده عرابي في مذكراته، بشكل يكاد يكون تاما، غير أنه اضطر لأن يستعين بالراوي كي يروي بعض الأحداث إختصارا للوقت.

احتفي الشرقاوي بقصة حب وردت على إستحياء بين سطور بعض الكتابات التاريخية بين عرابي وأرملة الخديوي سعيد، إلى حد أن الشرقاوي جعلها في المسرحية تطلب من عرابي أن يتزوجها، غير أن الزعيم المهموم بالوطن يعتذر عن قبول طلبها هذا. وقد اعتبر بعض النقاد في نقدهم لمسرحية «عرابي زعيم الفلاحين» أنها الأقل نضجا في أعمال الشرقاوي، رغم أنها كانت آخر ما قدم للمسرح، وذلك لسيطرة الأحداث التاريخية وطغيانها، مثلما حدث في مسرحيته «ثأر الله» حيث قام الشرقاوي بالتعبير «عن التاريخ» وليس التعبير «بالتاريخ».

 وهكذا يتضح أن عبد الرحمن الشرقاوي اعتمد في أعماله المسرحية على التراث الشعبي والديني والتاريخي، وقد نجح في توظيف ذلك التراث في بعض الأحيان، وجانبه الصواب في أحيان أخرى، غير أن أكثر ما يميزه أنه استقى موضوعاته من أكثر الفترات التاريخية صراعا وسخونة، وهو ما يجعل أعماله قادرة على التفاعل مع الواقع الاجتماعي والسياسي المحيط به.

*المصادر:

  • أحمد شمس الدين الحجاجي، المسرحية الشعرية في الأدب العربي الحديث، كتاب الهلال، دار الهلال، 1995.
  • جابر عصفور، أوراق أدبية: عبد الرحمن الشرقاوي، شاعر الفلاحين ومؤرخ الأنبياء، مجلة العربي، فبراير 1994.
  • سيد على إسماعيل، أثر التراث العربي في المسرح المصري المعاصر، «متاح أونلاين على موقع هنداوي».
  • محمد السيد عيد، التراث في مسرح عبد الرحمن الشرقاوي، الهيئة العامة لقصور الثقافة، 2018.

 

 صورة الغلاف بريشة الفنان سعد الدين شحاتة

الفيديو جراف

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق