منوعات

قصيدة مغربية في عشق مصر

الذين لا يقدرون مصر حق قدرها يظلمونها بقولهم: «إن مصر مصرية»، والحق أن مصر مذ عرفها التاريخ لم تكن مصرية فقط، ولم تتخندق حول ذاتها قط، كانت دائمًا حضنًا إنسانيًا، ما أرادها أحد بسوء إلا وقصم الله ظهره ورد كيده إلى نحره.

الحضن الإنساني عرفه وفَقِهَ معناه رئيس مثقف وهو الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي وضع قواعد الدوائر الثلاث التي يجب على مصر أن تتحرك داخلها، دائرة العرب ثم الأفارقة ثم المسلمين، ومن خلال الدوائر الثلاث واصلت مصر تقديم عطائها ومنح دفئها للعالمين.

فتى من المملكة المغربية سيحظى بهذا الحضن، ذلك الفتى سنعرفه فيما بعد باسم الأستاذ الدكتور محمد برادة الناقد والباحث والروائي والقصاص.

ولد برادة ـ متعه الله بالصحة ـ في فاس معقل العروبيين في المغرب في العام 1938 ومن الواضح أنه كان ينتمي لأسرة تتيح لأولادها الشغف بالمعرفة، فقد شاهد في طفولته أفلام نجيب الريحاني ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم، وسمع أغنيات منيرة المهدية وأم كلثوم وأسمهان، كما قرأ كتابات الأدباء والكتّاب أمثال طه حسن والمنفلوطي وتوفيق الحكيم ولطفي السيد. تلك الحالة الفنية والأدبية ستشكل وجدانه وتعلمه أن خلف بلاده بلادا ووراء عالمه عالما آخر، وستكون مصر هى بؤرة الضوء الذي ينشده.

تعلّم برادة في المغرب وهي تحت الاحتلال الفرنسي، وكان شغوفًا بالعلم، ولكن الاحتلال أي احتلال لا يبغض أحدًا كبغضه لأولاد مستعمراته الذين يحبون العلم. لم تكن فرنسا ـ رافعة شعار الحرية والإخاء والمساواة ـ  تسمح لأولاد المغرب إلا بالحصول على التوجيهية (تساوي الثانوية العامة الآن)، أما الجامعة فكانت لأبناء فرنسا فقط.

كان أمام الفتى برادة الذهاب إلى دمشق أو القاهرة، فقرر الذهاب إلى القاهرة، فقد تربي على محبتها. في الثالث عشر من يوليو من العام 1955 سيقف برادة في محطة مصر غريبًا مندهشًا من كل هذه الحياة التي يشاهدها تسيل في الميدان الرحب.

بعد ذلك التاريخ بأربع وأربعين سنة سيجلس الدكتور برادة في مكان ما ليكتب كتابه العلامة  «مثل صيف لن يتكرر» وهو عبارة عن سيرة ذاتية فى شكل روائى ليقدم لنا رحلة عشقه لمصر المضيئة مانحة الأحضان للإنسانية.

عندما جاء برادة إلى مصر كان في السابعة عشرة من عمره، وكانت ثورة يوليو في طفولتها، لكن زعيمها كان يقدّر مصر حق قدرها، ففتح أبوابها لكل العرب لتلقي العلم. إلى أين سيذهب المراهق المغربي الذي لا يعرف شارعًا من شوارع القاهرة؟

في مصر 23 يوليو كان هناك بيت على نيل العجوزة، اسمه «بيت المغرب العربي» كان يستضيف الطلاب المغاربة القادمين من ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا.

إذن المسكن والمأكل والمشرب متوفر، تبقى مشكلة المصاريف، مصر والجامعة العربية كانتا تتحملان قسطًا والمغرب وأسرة الطالب تتحملان قسطًا، وهكذا لم يكن الطالب المغترب مرهقا بأعباء الحياة.

قدّم برادة أوراقه لمدرسة الحسينية في القاهرة لكي يحصل على الثانوية الممهدة للجامعة، بعد مرور كل تلك السنوات سيكتب برادة عن عظمة أساتذته في الثانوية يكتب برادة: «كانوا أساتذة أكفاء مثل عبد السميع أستاذ اللغة العربية؛ الرجل الطيب الذي كان يحفّز طلابه على حفظ النصوص وضبط القواعد والتعبير من غير أخطاء وعبد المحسن أستاذ التاريخ صاحب الطريقة الخاصة في الحكي».

بعد النجاح المدوي الذي حصده كتابه قال برادة: «أكتب عن مصر بنوع من الحرية ولم يكن غرضي مطلقاً أن أحلل تاريخ مصر رغم أن هذا التاريخ حاضر، ولكن كان القصد هو أن أعرب عن حبي لمصر من خلال هذه الحرية وأحياناً من خلال النقد المبالغ فيه، أو حتى القسوة في النقد ، ولكن شفيعي كما قلت، هو أن مصر شكلت، بالنسبة لي ولادة لها امتدادات أخرى في نفسي».

قيامة العرب

برادة الذي سيقدم نفسه لقارئ كتابه تحت اسم «حماد» – ولا أعرف لماذا كانت تلك الاستعارة – سيكون شاهدًا على حدثين عظيمين في التاريخ العربي، الأول حصول بلاده بعد نضال أسطوري على الاستقلال، كان برادة في القاهرة ووصله الخبر الأعظم، المغرب حر الآن، ولكن بعد السكرة جاءت الفكرة، ماذا بعد الاستقلال، وهل سيستطيع المجاهدون بناء دولة الاستقلال الحديثة؟ فرغم شبابه كان برادة يدرك أن إدارة الثورة شيء، وإدارة الدولة شيء آخر.

حصل برادة على الثانوية المصرية بتفوق، فعرف طريقه إلى كلية الآداب بجامعة القاهرة، وفيها سيتلقى العلم طازجًا من شوقي ضيف، وشكري عياد، ويوسف خليف، وسهير القلماوي، وإبراهيم حمّودة، وعبد الحميد يونس، ثم هناك محاضرات العميد طه حسين الذي كان جرس صوته قادرًا على جلب آلاف الطلاب لسماعه. في الجامعة المصرية سيجد برادة هذا التنوع المدهش، حيث سيعرف طلابًا من مصر، والمغرب، الجزائر، وتونس، والسعودية، والأردن، وماليزيا، وسوريا.

قبل مجيئه إلى القاهرة كان محمد برادة مفتونًا بالرئيس عبد الناصر وكان يراهن عليه، وقد ربح الرهان، فعلى يد عبد الناصر سيشهد برادة الحدث الثاني المهم في تاريخ العرب في ذلك الوقت. في إجازة الصيف قرر برادة وأصحابه المغاربة عدم العودة إلى المغرب، ولأنهم كانوا قد اشتاقوا لرؤية البحر فقد ذهبوا إلى مدينة بورسعيد، لماذا لم يذهبوا إلى الإسكندرية وهى مصيف المصريين الأشهر؟.. تلك كانت إرادة الله التي شاءت أن يكون برادة في قلب الحدث.

ففي بورسعيد شاهد برادة العمال وهم يضعون مكبرات صوت في ميدان فسيح، وعرف منهم أن الرئيس سيلقي خطابًا مهمًا يريد أن يسمعه الجميع. بعد قليل جاء صوت ناصر مجلجلًا: «قرار من رئيس الجمهورية، تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية شركة مساهمة مصرية».

والله لقد لمعت عيناي، وأنا أقرأ هذا المشهد من الكتاب، لمعة الفرح بمصر القادرة القائدة لمسيرة تحرير كل العرب، مصر الآن كما يراها برادة تقول بملء الفم: «العرب يستطيعون».

لقد قامت قيامة العرب ولن يكون للاحتلال وجود بعد اليوم.

حتى هواء الشوارع كان محملًا بروائح المقاومة، لقد قرر المصريون في لحظة مضيئة من تاريخهم دفع ثمن الحرية، فهل سيتأخر برادة والعرب الذين على أرض مصر عن المساهمة؟.

حراس الشوارع

كان بإمكان برادة وغيره من الشباب التعلل بأنهم طلاب علم ولا شأن لهم بأمور السياسة، خاصة أن القوى الاستعمارية العظمى قد قررت تأديب «المارق عبد الناصر» وإعادة احتلال بلاده – كما صورت لهم خيالاتهم المريضة – لكن ما حدث كان عكس ذلك تمامًا. لقد تطوع برادة وغيره من شباب العرب ليتلقوا تدريبًا عسكريًا يؤهلهم لحماية الشوارع من إسقاط مظلي قد يلجأ إليه الاستعمار البريطاني.

الأمر كان أعمق وأشمل من ذلك المعني النبيل الخاص برد الجميل، فعرب زمن برادة كانوا يدركون أن سقوط مصر معناه انتهاء حلم التحرر، ومن ناحيتها كانت مصر تدرك أن العرب هم امتداد ذراعها، وليس لعاقل أن يسمح لأحد بأن يقطع امتداد ذراعه.

بفشل العدوان الثلاثي على مصر حمل الاحتلال عصاه وغادر إلى الأبد، وعاد برادة إلى مقاعد الجامعة التي كانت تحرض طلابها على حضور عروض السينما والمسرح وارتياد الندوات واللقاءات الأدبية، والأمسيات الشعرية التي تعقد في المراكز الثقافية والصالونات الأدبية ومشاهدة المعارض الفنية.

كان المناخ كله مناخًا ثقافيًا بامتياز، لقد كانت مصر تسعى لتشكيل وعي وصنع وجدان وليس لتحفيظ معلومات وتلقين بيانات.في هذا المناخ سيزدهر برادة وتتفتح ملكاته وتتجلى مواهبه، لقد راح يتعرف على القاهرة حجرًا حجرًا، لم يكن يترك فرصة للتعلم والترقي إلا وانتهزها، لقد سمع قصائد من أفواه شعراء في وزن صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، ثم لم يجد هذا كافيًا، فذهب إلى مقهى التوفيقية حيث يجتمع يوميًا عشاق صوت أم كلثوم وفيروز، ثم تجرأ وذهب إلى عرين الأسد، أعني صالون الأستاذ العقاد.

يقول برادة: «كان العقاد عملاقًا، ولكنه كان غاية في الحنان، كان يلتقي بزائريه وهو يرتدي منامته (البيجاما) ويضع على جسده روبًا خفيفًا ويدس يده في جيب روبه، ثم يمازح الجميع ويوزع اهتمامه بالقسط، ويقدم للجميع المشروبات المثلجة، فإن بدأ في الكلام طاف بشتى العلوم والمعارف، كان قادرًا على أن يتكلم في الفيزياء والآداب.

لقاء مع الزعيم

كان برادة طالبًا من طلاب جامعة القاهرة عندما زارها الرئيس عبد الناصر في العام 1958 بمناسبة عيد العلم.

يقول برادة: كانت هناك مجموعة طالبات من بينهن زعيمتان تنتميان لحزب البعث واحدة سورية والأخرى فلسطينية تقودان جوقة الهتاف «أمة عربية واحدة» قبل أن يلقي عبد الناصر خطابه وكانت الوحدة بين مصر وسوريا على الأبواب وكان في الجو العام ما يوحي بالتفاؤل بعد فشل العدوان الثلاثي وبروز عبد الناصر زعيما عملاقا ورجل دولة يفكر في بلورة مشروع قومي.

من زرع حصد

القصة بسيطة بساطة الهواء الذي نتنفسه، منْ أراد الحصاد فعليه أن يزرع أولًا، وقد زرعت مصر في زمن شباب برادة، فحصدت كل هذا الحب والتقدير والاحترام.

حصل برادة على شهادته الجامعية وغادر مصر عائدًا إلى بلاده ثم مسافرًا إلى فرنسا لنيل الدكتوراه، ولكن قلبه لم يغادر مصر لحظة واحدة، فهو دائم الكتابة عن مصر المضيئة، ثم هو يزورها بطريقة شبه سنوية، مصر المقيمة تحت جلد برادة تستحق كتابه الذي هو قصيدة عشق ولحن غرام. كتاب برادة عن مصر هو دليل على أن تاريخنا القريب قد صنع لحظات مضيئة، ما أحوجنا الآن لاستعادتها وللبناء عليها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: