منوعات

العقلاء الأوائل (4): أبو بكر الأصم.. العقل والنصّ

يتأسّس المذهب الاعتزالي، منذ بدايته، على أولوية تقديم العقل على النقل، فالعقل بإمكانه الحكم على الأشياء لجهة كونها حسنة ومقبولة، أو قبيحة ومرفوضة، وبالتالي فإنه قادر على إدراك الكليات والأصول وقادر على التوصل لحقيقة الإيمان. ثم يأتي بعد ذلك دور مصادر التشريع المختلفة موضحة للفروع والتفاصيل والتشريعات، وهو ما يعتمد على استخدام العقل مرة أخرى من أجل فهم النص (القرآن والسنة) وتفسيره وتأويله والتعامل مع الإجماع والقياس.

 ويأتي أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم، أحد أبرز أئمة المعتزلة الكبار المثيرين للجدل، في طليعة أولئك الأئمة الذين يقدّرون العقل ويقدّمونه على النص، فاشتُهر بأن له آراءً فقهيةً خاصة اعتمد فيها على العقل كمصدر مقدّم على المصادر المعتمدة كلها، دون أن ينفي ذلك اعتماده في بعض الآراء على الحديث النبوي. لكن اعتماده على الحديث كان قليلًا، حتى إنه خالف الفقهاء في كثير من آرائه واجتهاداته، ما جعله مشهورًا في المدوَّنات الفقهية والكلامية والتاريخية بخرق الإجماع، وعدم الاعتداد بالحديث، وجعل الفقهاء ينظرون اليه كأحد المبتدعة الكبار في الفقه وأصوله.

فلاحقته التهم وصُنّف من أهل البدع والأقوال الشاذة، بل كفّره غير واحد. فقد رماه ابن القيم الجوزية بأنه زنديق كافر بالرحمن حلال الدم [ابن القيم، الصواعق المرسلة، 4/ 1410]، لكن الغريب في الأمر أن ابن تيمية دافَع عنه، فلم يتهمه بالكفر أو الفسوق: «وعبد الرحمن الأصم  – وإن كان معتزليًّا – فإنه من فضلاء الناس وعلمائهم، وله تفسير، وهو من أذكياء الناس وأحدُّهم ذهنا، وإذا ضل في مسألة لم يلزم أن يضل في الأمور الظاهرة التي لا تخفى على الصبيان» [ابن تيمية: منهاج السنة، 2/ 571]، وفي هذا إشارة واضحة إلى أن الرجل نظرا لآرائه، وخروجها على إجماع الفقهاء، وعدم التزامه بالنصوص، كان اللوم والتشنيع عليه شديديْن، فضلا عن الرمي بالكفر والابتداع، ولولا النزعة التجديدية لدى ابن تيمية –  كونه هو الآخر قد خرج على بعض آراء الفقهاء الأربعة الكبار – لمَا دافَع عن الأصم وساق له الأعذار.

اقرأ أيضا:

 ومما يؤسَف عليه، أننا لا نكاد نعرف متى وُلد الأصم، ولا متى توفّي، فثمة تعمية تبدو مقصودة على تاريخه، ولا سيما بعد ان  سيطر العقل الفقهي النصي على العالم الإسلامي منذ ثلاثينيات القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي)، خلال حُكم الدولتين الأموية والعباسية، مما عزّز سيادة النزعة الرجعية، وسيطرة الفقهاء والمحدثين بعد أن تحالفوا مع السلطة ضد المتكلمين وأهل العقل. فكان طبيعيا تهميش تاريخ رجل كالأصم، لذلك لا نعرف على وجه الدقة تاريخ مولده ووفاته، وإن كان الذهبي قد ذكر أنه توفي سنة إحدى ومئتين للهجرة (201 هـ) [سيَر أعلام النبلاء، 9/ 204].

رأى فى الخلافة

وقد خالَف أبو بكر الأصم كثيرا من الفقهاء من كل المذاهب، في مسائلَ فقهية متعددة، تأتي على رأسها مسألة تنصيب اﻟﺨﻠﻴﻔﺔ. فهو يرى أنّ تنصيب الخليفة ﻏﻴﺮ واﺟﺐ إذا اﺳﺘﻘﺎﻣﺖ ﺣﺎل اﻷﻣﺔ وﻗﺎﻣﺖ ﺑﻤﺎ ﻋﻠﻴﻬﺎ ﻣﻦ واﺟبات، وهذا الرأي، تحديدا، قد نال من الشهرة ما نال، خصوصا لارتباطه بالسياسة والخلافة. إذ يقول الأصم: «لو تكافّ الناس عن التظالم لاستغنوْا عن الإمام» [الأشعري، مقالات الإسلاميين، 2/ 133]، بينما يقول الشهرستاني شارحا وجهة نظر الخوارج في مسألة الإمامة، والتي يتفق معها الأصم «إن الإمامة غير واجبة في الشرع… بل هي مبنية على معاملات الناس، فإن تعادلوا وتعاونوا وتناصروا على البر والتقوى، واشتغل كل واحد من المكلفين بواجبه وتكليفه استغنوا عن الإمام و متابعته، فإن كل واحد من المجتهدين مثل صاحبه في الدين والإسلام والعلم والاجتهاد، والناس كأسنان المُشط، والناس كإبل مئة لا تجد فيها راحلة، فمن أين يلزم وجوب الطاعة لمن هو مثله؟» [نهاية الإقدام في علم الكلام، ص 482].

اتفاق الأصم مع الخوارج في هذه المسألة جعل البعض يدرجه في زمرتهم، وليس في زمرة المعتزلة، خصوصا بعد معارضته لهم في الاتفاق على وجوب الإمامة، وكذا معارضته لهم في أصل من أصولهم الخمسة، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالأصم ينكر أن تستأثر جماعة حاكمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعنى ألا يكون هذا الحق حِكرا في يد سلطة حاكمة، أما آحاد الناس فمن الممكن أن يفعلوا ذلك من باب التناصح فيما بينهم. هذا الموقف يوضح أن الأصم كرّس جهوده الفكرية لمجابهة أي سلطة فوقية تستحيل إلى إله يحكم في الأرض، وبسبب تلك الآراء الجريئة عدّه البعض خارجيا أو إباضيا (= فرقة معتدلة من فرق الخوارج)، لكنه – تحقيقا – كان معتزليا قحا، ينتمي إلى الطبقة السادسة من الاعتزال، وهي الطبقة نفسها التي ينتمي إليها أبو الهذيل العلاّف، بل هو أقدم من العلاّف نفسه.

اقرأ أيضا:

 ويبدو أن حرص أبي بكر الأصم على تأصيل مبدأ المساواة بين الناس جميعا هو ما دفعه إلى اتخاذ واعتماد هذا الرأي أو التصور، وهذه المساواة تعني أنه لا فرق بين خواص وعوام، وبالتالي لا فرق بين حاكم ومحكوم، ووجهة نظر الأصم في هذه المسألة تنطلق من تلك النقطة؛ فعقله يرفض وجود وصاية من أي نوع، فلا وصاية لطائفة على أخرى، بمعنى أن النخبة (elite) لا وجود لها في قاموسه، لأن تلك النخبة ما هي إلا سُلطة تستعلي على الناس باسم السياسة، فتُصادِر حقوقهم، وتفتئت على امتيازاتهم ومصائرهم، حتى لتبدو السلطة كأنها إلهٌ يحكم ويتحكم، وهذا هو ما دفع الأصم إلى تبنّي هذا الرأي الذي يعدّونه شاذًّا. فأهل السنة – على التخصيص – يرون أن الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع، على حد تعبير الماوردي في كتابه الأشهر (الأحكام السلطانية والولايات الدينية). وتظهر خطورة قضية الإمامة إذا نحن قرأنا قول الشهرستاني «وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة؛ إذ ما سُلّ سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثلما سُل على الإمامة في كل زمان» [الملل والنحل، 1/ 13]، وهو اعتراف ضمني منه بأن معظم الدماء التي أهرقت طوال حقب التاريخ الإسلامي كان بسبب الإمامة، والصراع على السلطة. لذلك لم يكن مستغربا أن يُحاصَر فكر الأصم ويُحارَب ويعمى عليه، كما لم يكن مستغربا وصف الرجل بكل النعوت المنحطة التي لمّا تزل تلازم اسمه حتى الآن.

    كان أبو بكر الأصم نسيجا وحده، يغرّد منفردًا خارج السرب، فعلى قدر جرأته في ذلك كان مجددا، فلم يكن فوضويا كما يصوّره البعض، بل كان صاحب نظرية وتصور سياسي معين، ومن اللافت للنظر أن تصوره السياسي يتشابه بدرجة أو بأخرى مع نظرية الفيلسوف الأمريكي جون رولز، المعروفة باسم (العدالة كإنصاف justice as Fairness)، إذ يدعو رولز من خلال نظريته تلك إلى إعادة تشكيل المجتمع وقواعده الأساسية على قاعدة قيمية معيارية هي (العدالة) بعيداً عن نظام الدولة الحديثة، أي الاعتماد على مفهوم المجتمع المنظم القائم على أسس أخلاقية ومعيار قِيَمي تمثل العدالة لُحمته وسداه، وهي إن تكن فكرة فلسفية ميتافيزيقية بعض الشيء، لكنها تؤصل لحزمة من القيم التي إن وُجدَت في أي مجتمع كان نموذجا للمجتمع المنظَّم القائم على العدالة، مما يجعل من أفراده أدوات منظمة تنتهج العدالة وتشعر بها، ما ينعكس بالتالي على معاملاتهم داخل مؤسسات الدولة وخارجها على السواء.

الفيلسوف الأمريكي جون رولز

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق