فن

«الأستاذ».. فؤاد المهندس.. التهمت النار «ذكرياته» فمات مكتئبا

حين نتكلم عن الكوميديا، يقفز اسمه مباشرة إلى الذاكرة باعتباره واحدا من نجومها الكبار، فى مصر والعالم العربى. كانت له صولات وجولات مع الضحكة والبسمة والكوميديا الجميلة الهادفة فى المسرح والسينما والتليفزيون والإذاعة، لم يتنازل كي يُضحك الجمهور وانما انتزع الضحكات من جماهيره الكبيرة باحترام وصدق وإخلاص للفن الحقيقي الذي كان واحدا من نجومه المضيئة.. إنه الفنان الكبير الراحل فؤاد المهندس الذى تحل ذكرى ميلاده الخامسة والتسعين هذه الأيام.

 في حي العباسية بالقاهرة ولد الفنان فؤاد المهندس في السادس من سبتمبر عام 1924، ليكون ثالث أبناء العائلة بعد أختين هما صفية ودرية، وقبل الشقيق الرابع الذى يصغره سامى المهندس، وكان لدراسته في مدارس العزب التركية فضلً كبير في تكوين شخصيته الصلبة القوية.

مع الريحانى

برع فؤاد المهندس منذ صغر سنه في إتقان اللغة العربية من خلال والده زكي المهندس أستاذ اللغة العربية بكلية دار العلوم، وهو صاحب الفضل الأول في تنمية مواهبه الفنية، فقد ورث عنه خفة الظل، وحضور البديهة، وسرعة الخاطر التى ميزته طوال  مشواره الفني.

بدأت موهبته الحقيقية تظهر في المدرسة، حيث اشتهر في ذلك الوقت بتقليد المدرسين في الحفلات المدرسية السنوية. وقد تأثر المهندس بثلاثة أعلام للكوميديا في ذلك الزمان هم الكوميدي الهولندي «جروشو ماركس» و«شارلي شابلن» وأخيرًا «نجيب الريحاني» الذي منحه الفرصة  لأداء دور صغير في مسرحية «الدنيا على كف عفريت» بعد مطاردة فؤاد المهندس له في حفل زفاف شقيقته «صفية المهندس» على الإذاعى الكبير محمد محمود شعبان (بابا شارو)، حيث لم يهتم المهندس بالفرح وصخبه ولكن وضع كل تركيزه على حضور الأستاذ الريحاني الذى ضمه بعد ذلك لفرقته، إلا أنه لم يساعده كثيرًا حتى توفي الريحاني وترك المهندس العمل بالفرقة.

نجيب الريحاني

و قد كان والده زكى المهندس يشجعه على التمثيل وعلمه قواعد اللغة العربية ومخارج الألفاظ التى أفادته كثيرا فى عمله بالفن، بينما كان العكس تماما بالنسبة لوالدته صاحبة الشخصية القوية التى كانت تعارض عمله بالفن والتمثيل، وقد ذهبت يوما إلى مدرسته، وكان يمثل إحدى المسرحيات، وحين رأته على خشبة مسرح المدرسة صرخت فيه قائلة :إنزل يا ولد فنزل على الفور. لكنه وحينما التحق بكلية التجارة زاد شغفه بالتمثيل فالتحق بفرقة الكلية المسرحية غير مبال باعتراض والدته.

زواجه من شويكار

كانت مسرحية «أنا وهو وهى» نقطة فاصلة في حياة فؤاد المهندس ليس على المستوى الفني فقط بل والشخصي أيضًا، إذ فاجأ الأستاذ النجمة شويكار بعرض الزواج عليها في نهاية العرض على خشبة المسرح وأمام الجمهور قائلًا: «تتجوزيني يا بسكوتة»، فردت عليه قائلة: «بحبك»، دون أن يخطر على بالها أن يعرض المهندس عليها الزواج بهذه الطريقة، وتم الزواج بينهما، وقضيا معا أجمل سنين العمر، وانفصلا بعد 20 عاما من الزواج، أما زوجته الأولى أم ولديه محمد وأحمد فقد كانت جارته فى العباسية رآها المهندس وكانت قريبة الشبه بأم كلثوم فأعجب بها وطلبها للزواج، والمعروف أن فؤاد المهندس كان مفتونا بصوت كوكب الشرق، وعرف عنه أنه كان يستمع إلى أغانيها بشكل دائم، وكان يحلو له أن يرفع صوت كاسيت سيارته  ليسمعها، وكان جيرانه فى حى الزمالك يعرفون بوصوله إلى منزله بسب صوت أم كلثوم العالى جدا المنطلق من سيارة فؤاد المهندس.

مدبولي توأم روحه

ارتبط الفنان فؤاد المهندس بالفنان الكبير الراحل عبد المنعم مدبولى بعلاقة قوية المستوى الفنى والإنسانى، ليشكلا معا  ثنائيا فنيا رائعا في المسرح والسينما، ومنذ بداية عملهما سويًا في فرقة «ساعة لقلبك»، قدم النجمان المهندس و مدبولي أشهر ثنائي كوميدي من خلال عدة أفلام منها؛ «مطاردة غرامية»، «ربع دستة أشرار»، «اقتلني من فضلك»، ومسرحية «السكرتير الفني» وغيرها الكثير من الأعمال المشتركة.

لُقب فؤاد المهندس «بالأستاذ» نظرًا لوقوفه بجانب تلاميذه، وعلى رأسهم الزعيم عادل إمام، الذي اعتبره المهندس بمثابة ابنه البكر.

وقد أثرى «المهندس» السينما المصرية بالعديد من الأعمال السينمائية الباقية في ذاكرة الشاشة الفضية وفي أذهان الجمهور، والتي اشترك في أغلبها مع الفنانة شويكار، ومن أبرز هذه الأعمال: «أخطر رجل فى العالم»، «سفاح النساء»، «فيفا زلاطا»، «أرض النفاق»، «الشموع السوداء»، «العريس يصل غدًا»، «مدرسة المراهقين»، «جريمة إلا ربع»، «شنبو فى المصيدة»، «انت اللى قتلت بابايا»، «صاحب الجلالة»، «زوج تحت الطلب» وغيرها الكثير.

فنان شامل

لكن على الرغم من كثرة أعماله السينمائية التي تخطت السبعين فيلما، إلا أن المسرح ظل معشوق فؤاد المهندس الأول، لإيمانه بضرورة تقديم رسالة مجتمعية من خلال أعماله، وهو ما تجلى في مسرحية «هالة حبيبتي» متناولًا مشكلة ملاجئ الأيتام، كذلك تطرق المهندس إلى مشكلات الأبناء في مسرحيتي «سك على بناتك»، و«إنها حقًا عائلة محترمة»، والتي قدمها وهو مصاب بجلطة في القلب، وأكد له الأطباء أنه شفي منها من خلال عمله على المسرح.

كما اشتهر المهندس بعشقه الشديد للأطفال، حيث قدم «فوازير عمو فؤاد» خلال شهر رمضان، والتي تابعها أطفال مصر والعالم العربي في الثمانينات والتسعينات، -ولهذه الفوازير قصة سيأتي ذكرها لاحقا- كما قدم المهندس أغنيات عديدة للأطفال أشهرها «هنوا أبو الفصاد»، و «رايح أجيب الديب من ديله».

دخل المهندس تجربة الإنتاج السينمائي عندما أنتج فيلم «فيفا زلاطا»، إلا أنه لم يلق نجاحًا قتها. وبخلاف فنون التمثيل والغناء والإنتاج السينمائي، قدم المهندس برنامجه الإذاعي الشهير «كلمتين وبس» منذ عام 1968، وهو برنامج إذاعي اجتماعي يومي، يسلط الضوء على سلبيات المجتمع المصري على لسان سيد أفندي عبر أثير إذاعة البرنامج العام.

اقرأ أيضا:

المهندس وكامب ديفيد

بدأت القصة عقب توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل، حيث عارضت معظم الدول العربية تلك المعاهدة، وكان المهندس رافضا للاتفاقية في بعض بنودها وصرح بذلك علانية، لكنه لم يعارض السادات من خارج مصر كما فعل آخرون ورأى أن معارضة السادات يجب ان تكون من الداخل، واتخذ ت بعض الدول قرارا بمنع عرض أي أفلام أو أعمال للفنان الراحل الذي وجد نفسه محاصرا فنيا.حيث تم حظر توزيع وتسويق أي فيلم يشارك فيه فؤاد المهندس، لكنه تمكن من كسر الحصار فيما بعد بفوازير عمو فؤاد التى لم يكن المهندس راضيا عنها لكنها كانت سببا في إنقاذه من الإفلاس والتسول.

وقد اضطر المهندس لقبول فوازير «عمو فؤاد رايح يصطاد» التي أذيعت في شهر رمضان في الثمانينات رغم رفضه فى البداية عمل هذه الفوازير التى كان يراها عملاً يتسول به الرزق على حساب كرامته وللمفارقة فقد نجحت الفوازير وعوضت الفنان الراحل ماديا كثيرا عما فقده.

اكتئاب ورحيل

في آخر أيامه، عانى فؤاد المهندس من أمراض الشيخوخة، وتعرض لحالة من الاكتئاب الشديد بعد حريق منزله في حي الزمالك الذى أتى على كثير من مقتنياته وجوائزه وصوره وذكرياته، وكان يعانى وقتها من عدم قدرته على الحركة حين حدث ماس كهربائى فى تكييف غرفته فاحترقت الغرفة ونجا فؤاد المهندس بعد أن أنقذته زوجة ابنه محمد، غير أن رحيل أقرب صديقين له فى الوسط الفنى سناء يونس الوحيدة التى كانت قادرة على إضحاكه وكذلك الفنان عبد المنعم مدبولي، كان بمثابة صدمة أخرى إضافية موجعة للمهندس لم يستطع تحملها، حتى فارق الحياة في 16 سبتمبر عام 2006، عن عمر يناهز 82 عامًا.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق