منوعات

«حسين بيكار».. عاشق النوبة وصاحب «العجيبة الثامنة»

 بين عامي ١٩٦٤و ١٩٦٥، كانت هناك مرحلة مُميزة من سنوات الوطن، تُماثلها في الأمل والتفاؤل سنوات الصبا والشباب عندي وعند الغالبية الساحقة من أبناء جيلي. كانت معركة بناء السد العالي، الذى بدأت الخطوة الأولى في وضع لبناته يوم ٩ يناير ١٩٦٠، بالضغط على زر لتفجير صخور جبال من الجرانيت جنوب أسوان.

كان هناك ثلاث أيدى ضغطت على الزر وفجرّت هذه الجبال، ليبدأ العمل في بناء أكبر وأهم مشروعات القرن العشرين.. اليد الأولى هي يد الرئيس «جمال عبدالناصر» والثانية يد الرئيس السوري «شكري القواتلي» الذي أصبح اسمه «المواطن العربي الأول» إثر قيام دولة الوحدة المصرية السورية، والتي عُرفت باسم «الجمهورية العربية المتحدة» في ٢٢ فبراير من العام ١٩٥٨، أما اليد الثالثة فكانت يد المغفور له، الملك «محمد الخامس» ملك المغرب الراحل، ورمز الاستقلال الوطني لهذه البلاد العزيزة على القلب.

عقبة حضارية

مرت أربع سنوات من العمل في هذا المشروع الأسطوري الذي شارك فيه عشرات الآلاف من المهندسين والعمال المصريين والخبراء القادمين من الاتحاد السوفيتي، وجاءت اللحظة الحاسمة أو الخطيرة من مشروع السد، وهي مرحلة تحويل مجرى نهر النيل العظيم.. كانت هناك مُشكلة هندسية وحضارية كبيرة، فالمسار الجديد للنهر، كان يتوسطه «معبد أبوسنبل» أهم المعابد وأعظمها في تاريخ الحضارة الفرعونية، كان هذا المعبد أهم أثر تركته الحضارة المصرية القديمة للحضارة الحديثة عبر ثلاثة آلاف وخمسمائة عام.

 وفي مواجهة هذه العقبة، وقبل تحويل مجرى النهر الخالد، والذي تم فعلياً في ١٤ مايو ١٩٦٤، قام الدكتور «ثروت عكاشة» وزير الثقافة الأهم في تاريخ مصر الحديثة، بإبرام اتفاق تاريخي مع منظمة «اليونسكو» لنقل المعبد الهائل، ورفعه أربعين متراً على قمة الجبل المجاور للمسار الجديد لنهر النيل، في أضخم وأهم عمل ثقافي وحضاري في تاريخ القرن العشرين.

ولأن هذا العمل هو عّمل حضاري وانساني بالدرجة الأولى، فكان من المهم توثيق كل مراحله. ولذلك قامت الدولة بتكليف المخرج الكندي العالمي «جون فيني» بإعداد فيلم تسجيلي عن عملية نقل المعبد، غير أن نسخته الأولى كانت تنقصها معلومات جوهرية، تتعلق بتاريخ إنشاء هذه التحفة الهندسية التي تصل الى حد الإعجاز، والتي بناها «رمسيس الثاني» لتكون رسالة الى الأجيال والعصور القادمة من بعده. كان هذا المعبد الذي يحمل مهاما وطقوسا دينية، يُمثّلُ إعجازاً آخر يتعلق بمواعيد بدء التقويم الفرعوني، ومواسم الحصاد، ومواعيد فيضان نهر النيل.

وهنا جاء دور الفنان الكبير «حسين بيكار» الذي يُخلّدهُ التاريخ، فقد كُلّف من الدكتور «ثروت عكاشة» باستكمال الجوانب العلمية والموضوعية لفيلم المخرج الكندي. وتحول هذا التكليف العام إلى خطة تفصيلية بعد جلسات عمل مُكثفة مع فنان عظيم آخر من أبناء مصر الكبار، هو الفنان «حسن فؤاد» وكان يرأس قطاع السينما التسجيلية في وزارة الثقافة المصرية في تلك الفترة الذهبية من تاريخ مصر.

 الفنان حسن فؤاد

العجيبة الثامنة

قام حسين بيكار، برسم ٨٠ لوحة من القطع الكبير، يزيد طول خمسين منها عن أربعة أمتار، وجميعها رُسمت بألوان الجواش. جاءت هذه اللوحات لتُجسّد حدث بناء المعبد، في لحظة وقوعه منذ آلاف السنين، وذلك برسم لوحات تفصيلية لبدء عرض كبار المهندسين تصميماتهم على «رمسيس الثاني وزوجته نفرتاري»، وكيفية تعامد الشمس على وجه رمسيس في يوم ميلاده ويوم تتويجه، وكيفية البناء وأي نوع من أحجار الجرانيت سيتم استخدامها، فضلاً عن الجوانب الهندسية المُتعلقة بالطرق المؤدية الى المعبد، وأماكن العبادة وساحة قُدس الأقداس، ومخارج ومداخل المعبد سواء للزيارة والسلام على الملك أو المشاركة في الاحتفالات والمناسبات الدينية والقومية التي كان يشارك فيها الشعب وبأمر من الفرعون.

أحسن الفنان «حسين بيكار» صُنْعا عندما أطلقّ اسم «العجيبة الثامنة» على هذا العمل الفني الفذ، وبذلك أصبح الفيلم التسجيلي الذي وضع خطوطه العامة الفنان الايطالي «جون فيني» ذا قيمة. فإبداع «بيكار» وتلك المعلومات الموثقة التي صاحبت الفيلم، وهذه الموسيقى التي وضعها «بيكار» مُستلهماً فيها الترانيم الفرعونية التي كان يشدو بها الكهنة في المعابد، جعلت منه وثيقة عابرة للأجيال، خالدة خلود الزمن.

ومازلت أتذكر ذلك العدد الخاص والرائع من مجلة «آخر ساعة» الأسبوعية والتي كانت ولا زالت تصدر عن «أخبار اليوم»، والذي ضم بين دفتيه صور هذه اللوحات الثمانين التي جسدت عبقرية هذا الفنان النادر والاستثنائي والمُجدد في فن البورتريه.

وقد ظل هذا العدد النادر من «مجلة آخر ساعة» في مكتبتي يتنقل معي حيث أكون، رغم مرور أكثر من نصف قرن على صدوره. وتمنيت وقتها أن أعرف الاستاذ «حسين بيكار» عن قُرْب، حتى جاءت الفرصة في سبعينيات القرن الماضي، وتحديداً عام 1974 وكُنت وقتها أقيم في حي الزمالك، وتحديداً في شارع حسن صبري مع عدد من الأصدقاء، وجاءنا صديق من الاسكندرية، اسمه «أسامة» يحمل رسالة من والده، وكان صديقاً للأستاذ «بيكار» منذ كانا طالبين في كلية الفنون الجميلة، والتي كان اسمها في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي «مدرسة الفنون الجميلة العليا». ولإنّ صديقي ليس من أهل القاهرة، فقد كنت دليله لمعرفة منزل بيكار القريب من مكان سكنى، فقد كان يسكن في حي الزمالك أيضا.

احدى لوحات فيلم العجيبة الثامنة

كان الوقت ظُهُراً، وما إن طرقنا باب منزله، وفتحت لنا احدى العاملات في المنزل، ودخلنا غرفة الاستقبال، حتى دخل علينا رجل فى الستين من العمر أو يتجاوزها بقليل، كان ممشوق القوام، ويبدو أصغر سناً عمن هُم في مثل عمره. كان هو الأستاذ «بيكار» بشحمه ولحمه. رجلا دمث الخُلق، صاحب صوت خفيض، تبدو كلماته مُنتقاة بعناية، تمزج بين العامية والفصحى على نحو شديد الجمال.

في هذا اليوم الذي لا أنساه، وجدت حديثي عن «العجيبة الثامنة» والتي تتحدث عن معبد «أبوسنبل» مُدخلاً للحديث مع الأستاذ «بيكار». كانت سنوات عشر تفصل بين صدور ذلك العدد الخاص والتاريخي لمجلة «آخر ساعة» والذي جمع لوحات هذا الفنان العبقري عن نقل معبد «أبو سنبل» وبين لقائى به، عرفت يومها أن «بيكار» من مواليد حي الأنفوشي بالاسكندرية، وبالقرب من قصر «رأس التين» الملكي، والذي كان يقيم فيه ملوك مصر من أبناء وأحفاد محمد علي باشا، في شهور الصيف. تحدث بيكار يومها في حالة من الهدوء الشديد والسلام النفسي ، كما لو أنه قد وجد في هذه الجٍلسة فرصة لنقل رسالته الحضارية لبعض شباب هذا الجيل.

احدى لوحات فيلم العجيبة الثامنة

الأم الملهمة

 وُلد «حسين بيكار» في ٢ يناير عام ١٩١٣، في أسرة شديدة الفقر، لأب من أصول قبرصية، وأم من أصول تركية، تزوجا وعاشا  في الأسكندرية تلك المدينة «الكوزموبوليتانية» التي كانت تستضيف في ذلك الزمان غالبية الجنسيات وكل الأديان والمذاهب واللغات واللهجات والطوائف على نحو مدهش من التعايش الرائع. كان والده يعمل أمينا في مخازن تابعة للدولة التركية، تُعرفْ بمخازن «السلطان عبدالحميد»، فيما كانت أمه تعمل في فن «التطريز» وحياكة ورسم «المّفارش» التي تقوم برسمها بنفسها، مما أثار دهشته، واعتبر ما تفعله أنامل أمه، نوعاً من السحر. غير أن ذلك السحر ترك في نفس الفتى فنون الدقة والرسم بصورة أقرب الى الخطوط الهندسية، التي جعلت من أعماله الفنية فيما بعد مدرسة قائمة بذاتها، ووضعته على رأس قائمة الفنانين المصريين من أبناء الجيل الثاني.

كان من حسن حظ «بيكار» أن تتلمذ على يد عملاقين من عمالقة الفنون التشكيلية في ذلك الزمان، هما «يوسف كامل وزميله أحمد صبري» وذلك عند التحاقه في السادسة عشرة من عمره بمدرسة الفنون الجميلة العليا.

الفنان التشكيلي يوسف كامل                          الفنان التشكيلي أحمد صبري

خلال سنوات الثلاثينات من القرن الماضي بات الفنان الشاب، في حالة من الشغف، وصلت الى حد العشق بعالم آخر، هو عالم الموسيقى، وخاصة آلة العود، وأصبح واحداً من فريق من الشباب يضم أسماء كبيرة عُرفت بعد ذلك بإجادة الطرب والغناء والعزف على أكثر من آلة موسيقية، مثل الدكتور «ابراهيم زكي خورشيد» وعبد الرحيم محمد، والد الدكتور «جمال عبد الرحيم» عميد معهد «الكونسرفاتوار» فيما بعد.

محطات فنية

تعددت المراحل والمحطات الفنية والإنسانية للفنان «بيكار»، فعرفنا منه أنه عمل بالتدريس لفترة ليست قليلة من عمره في مصر وغيرها، كان من بينها ثلاث سنوات في مدينة «تطوان» المغربية، وقت أن كان المغرب تحت سلطة الاحتلال الإسباني، وخلال فترة الحرب الأهلية الاسبانية بين أعوام ٩٣٩ وعام ١٩٤٠. ثم عاد بعد ذلك الى مصر، حيث عمل معيداً ومساعداً لأستاذه «أحمد صبري» في كلية الفنون الجميلة، حتى جذبته الصحافة فانغمس في عالمها، وظل بها حتى رحيله في ١٦نوفمبر ٢٠٠٢.

 وفي بداية عمله بالصحافة عمل بيكار مع الأستاذ «محمد سعيد العريان» رئيس مجلس إدارة دار المعارف في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، حيث أسس معه أول مجلة مصرية مُتخصصة للأطفال ـ وهي مجلة «سندباد» التي اختار  لها اسمها مع الاستاذ «العريان» الذي كان يكتب قصصها وحكاياتها. كان «سعيد العريان» كأديب يكتب المادة التحريرية لكل عدد، ثم يقوم «بيكار» برسم المجلة كلها، من الغلاف الى الغلاف.

كان هذا المشروع الرائد مُدخلاً لعالم جديد من تلك العوالم التي عاشها «بيكار»، فمع تأسيس الأستاذ «كامل الكيلاني» لأدب الأطفال في مصر و العالم العربي، كان «بيكار» هو السند والداعم لهذا النوع الجديد من الأدب العربي الخالص. قبلهما كان هذا الفن القصصي والفني، يقوم على ترجمة القصص والمجلات الانجليزية والفرنسية الخاصة بالطفل والتي كانت تصدر في كل من لندن أو باريس، وبصرف النظر عّما تحمله من عادات أو ثقافات غير عربية، وتتصادم بطبيعة الحال مع الكثير من القيم والأفكار الوطنية والقومية.

كامل الكيلاني

 مع دار «أخبار اليوم» وبجهود ناجحة وحثيثة استطاع الأَخَوَان «مصطفى وعلي أمين» أن يضما «بيكار» الى صفوف مؤسستهما، التي كانت ذات شهرة هائلة في ذلك الزمان، زمن الأربعينيات ومطلع الخمسينيات، ليُصبح الفنان بيكار زميلاً لأساتذة كبار، مثل صاروخان، رسام الكاريكاتير الأشهر ذى الأصول الأرمينية، وكُتاب كُبار مثل «عباس محمود العقاد» و«توفيق الحكيم» و«كامل الشناوي» و«محمد التابعي» واسم واعد جديد، كان رغم صغر سنه، مديراً لتحرير تلك الجريدة العريقة، وهو «محمد حسنين هيكل».

وبقدر ما كان «حسين بيكار» عّلما من أعلام الفن التشكيلي، فقد كان مُبدعاً أيضا في عالم الموسيقى والكتابة النثرية والزجل والرباعيات، التي كان يُزين بها الصفحة الاخيرة من جريدة «الأخبار» صباح كل يوم جمعة، مصحوبة برسم جميل أو لوحة بديعة من ريشته الخالدة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق