ثقافة

خيري شلبي.. كاتب المهمشين.. وشيخ الحكائين

حين سئل نجيب محفوظ فى حوار صحفى بجريدة الجمهورية القاهرية عقب فوزه بجائزة نوبل: لماذا لم تكتب يوما فى رواياتك عن الريف؟ أجاب أديب نوبل: كيف أكتب عن الريف وخيرى شلبى موجود؟.. كانت هذه الإجابة  بمثابة شهادة عظيمة من كاتب كبير بقامة نجيب محفوظ فى حق الروائى الكبير المبدع خيرى شلبى.. شهادة بالجدارة والامتياز والمكانة العالية فى عالم الرواية من عميدها، إلى كبير من كبرائها، وعمدة من عمدها..

عشرة

عاشرت أنا كاتب هذه السطور عمنا وتاج راسنا خيري شلبي وعايشته كثيرا من خلال زمالتنا بمجلة الإذاعة والتليفزيون التي كان يعمل نائبا لرئيس تحريرها وكاتبا صحفيا بها، وكان من حسن حظىي انني استمتعت بصحبة هذا العملاق وزمالته سنوات طويلة منها أكثر من خمس سنوات كنت أراه وزملائى شباب المجلة آنذاك يومين على الأقل اسبوعيا نتحلق حوله ونسمع منه حكاياته الكثيرة الساحرة الآسرة التى تشبه رواياته فى جمالها وعبقريتها وسحرها. فلما خرج على المعاش كنت أتواصل معه اسبوعيا لمتابعة ذلك الفن الصحفى الفريد الذى تميز به وأبدع فيه وكان يحرره أسبوعيا على صفحات المجلة واستمر يكتبه بعد المعاش بحكم عملي سكرتيرا للتحرير وقتها، وأقصد البورتريه حيث كتب على صفحات المجلة ورسم بكلماته الرشيقة، مئات البورتريهات عن مشاهير في الفن والأدب والصحافة والسياسة والاجتماع.، وكما كان خيري شلبي متفردا في عالمه الروائي تفرّد أيضا بشكل لافت في فن البورتريه الذي كان يلم ويحيط من خلاله بجوانب الشخصية في مظهرها وجوهرها إحاطة تامة وإلماما كبيرا فتبدو الشخصية للقارىء وكأنها كتاب مفتوح سهل بسيط يعرف قارئه كل ما فيه بسهولة ويسر.

أبوة «عم خيرى»

تميز خيري شلبي بمشاعر أبوة حقيقية تجاه الناس جميعا كانت معاني الأبوة تتجسد في ملامح وجهه وفي نظرات عينيه، وفي نبرات صوته. ولم يكن أحد يشعر بالاندهاش أو الاستغراب ممن عرفوا خيرى شلبى حين يسمع كل من يتعامل معه صغيرا كان أو حتى لو كان يكبره فى السن، يناديه بـ«عم خيرى». وقد قال يوما واحد من مبدعي مصر الكبار، لعله أحمد عبد المعطي حجازي،: ظللت أخاطب خيري شلبي وأناديه بـ: يا عم خيري حتى اكتشفت أنني أكبره سنا.. لكنه وغيره ظلوا ينادونه النداء الأثير إلى قلبه عم خيري. نعم كان خيري شلبي يطرب جدا لسماع هذه الكلمة، ولعلها روح المحبة التيى شملت قلب عم خيري تجاه الناس جميعا هى التي جعلته يطرب لهذا النداء، وهى روح عاشت فيه طوال حياته وألهمته  إبداعه الجميل ولعلها تجذرت فيه بحكم نشأته وتكوينه.

نار التجربة

أثّرت نشأة خيري شلبي وأيامه الأولى تأثيرا هائلا في تشكيل بنائه الإنساني والإبداعي على وجه التحديد، كان أبوه حاصلا على دبلوم مدرسة الصنايع قسم ميكانيكا ويعمل بورشة إصلاح السفن بالاسكندرية، ينتمى إلى عائلة غنية اسمها العكايشة بقرية شباس عمير التابعة لمركز قلين بمحافظة كفر الشيخ.. تزوج أبوه بالأسكندرية وأنجب ابنا اسماه خيرى توفى سريعا فعاد الأب إلى قريته بكفر الشيخ وتزوج ثانية وأنجب 12 ابنا وابنة وأسمى أحد أبنائه خيرى على اسم شقيقه الأكبر المتوفى.

اقرأ أيضا:

كيف أنقذ مرسي جميل عزيز خيري شلبي من الانتحار؟، سؤال يعيد طرحه الأستاذ حمدي عبدالرحيم في ذكرى رحيل الأديب الكبير«خيري…

Posted by ‎أصوات – Aswat‎ on Sunday, September 8, 2019

 كان الوالد يمتلك مكتبة زاخرة تحوى أمهات الكتب فتربى عم خيرى منذ طفولته على القراءة، كما تربى على سماع الموسيقى الشرقية، فقد كان والده يمتلك أيضا عددا هائلا من الاسطوانات الموسيقية وجهاز جرامافون. غير أن هذه الأسرة الميسورة المستورة أناخ عليها الزمن فجأة ورحل عائلها وأصبح ثراؤها ماضيا جميلا، ليجد خيري نفسه صبيا صغيرا يغالب الحياة وتقلباتها، فعمل صبي نجار ثم صبى حداد ثم مكوجيا ثم ترزيا وقد تنقل بين هذه الحرف سريعا باستثناء مهنة الترزى التى قضى في امتهانها شطرا كبيرا من صباه، ثم عمل بائعا متجولا ثم بائعا فى أحد محلات الملابس ثم بائعا قمسيونجيا للملابس والخردوات أي أنه كان يبيع هذه الأشياء لحسابه. وفي أثناء كل ذلك كان يدرس بمعهد المعلمين بكفر الشيخ، كل هذه التقلبات الطارئة العاصفة صقلت عم خيرى وشكلت شخصيته الفنية والإنسانية ولانه كان موهوبا بالفطرة فقد اتسعت حصيرة موهبته بتلك التجارب الصعبة الاليمة التى أُلقى فى نارها فى مرحلة مبكرة من حياته.

موهبة عفية

متسلحا بموهبته العفية وبتجاربه الانسانية الحية جاء خيري شلبي إلى القاهرة باحثا عن شاطىء ترسو عليه حياته المتقلبة المرتبكة، جاء خيري شلبي من الدلتا إلى القاهرة مع أواخر الخمسينات لا يملك إلا قلما وموهبة متدفقة، ولأنه كاتب متعدد المواهب فقد وجد ضالته فى البداية فى كتابة السيناريو وكما قال هو «كنت فى البداية أكتب القصة القصيرة ثم التحقت بمعهد السيناريو الذى أسسه صلاح أبو سيف وتخرجت منه بتقدير متميز وعملت فى كتابة السيناريو لسنوات وشاركت فى الكتابة الدرامية لبرنامج حياتى وبرنامج الأدب وكتبت قصصا ومسلسلات وأعددت ما يقرب من ألف تمثيلية لصوت العرب والبرنامج العام وإذاعة الشرق الأوسط ولى أعمال كثيرة جدا مع إسلام فارس وأمين بسيونى وعادل جلال وزكريا شمس الدين وكمال سرحان، لكنى أدركت بعد ذلك أن السيناريو ليس طريقى، فالسيناريو يشاركنى فيه شركاء كثيرون مثل المخرج الذى لا ينفذ أكثر من نصف ما أحلم به للعمل ومثل الممثل الذى يريد تغيير الكلام ليناسب ذوقه الردىء وقد كنت اخطط لأن أكون كاتبا مسرحيا إلى أن ضُرب المسرح فى عصر السادات فأحبط حلمى المسرحى، ولكنى على أية حال أدركت أن الرواية هى التى تناسبنى تماما ففيها أعيد بناء العالم من جديد، لكنى  اعترف أن السيناريو ساعدنى تماما فى رسم الشخصيات الدرامية فى رواياتى»

عوالم خيري شلبي الروائية

يحلق خيري شلبي فى عوالمه الروائية بحرية كطائر يتنقل بين الأغصان والأشجار بلا قيود، كتب أكثر من ستين عملا تنوعت بين الرواية والقصة القصيرة وإن كانت أغلب أعماله روايات. تميز عم خيرى بذاكرته القوية القادرة على اختزان آلاف الحكايات التى عاصرها أو تلك التى سمع عنها ولعله معروف للجميع أن رواية الوتد، التى تحولت إلى مسلسل تليفزيونى قامت ببطولته الراحلة هدى سلطان مع يوسف شعبان وكتب له السيناريو عم خيري وحقق نجاحا مدويا وقت عرضه، هى رواية حقيقية بأحداثها وتفاصيلها بطلتها هى الحاجة فاطمة تعلبة زوجة عمه فى قريته «شباس عمير»، وكانت معروفة بشخصيتها القوية القيادية، وقد تأثر عم خيرى بها كثيرا وكتب حكايتها فى الوتد الذى تناول حياة الريف فى دلتا مصر بكل بساطتها. الوتد تناولت الوجه الجميل المضىء للريف المصرى فى أربعينات وخمسينات وستينات القرن الماضى, وقد نجح العم خيرى فى تجسيد تلك الصورة على أروع ما يكون.. أما فى رواية السنيورة مثلا فالأمر مختلف، ففيها أجواء أسطورية وطابع خيالى لكنها أيضا تتناول جانبا مختلفا ووجها آخر من وجوه الحياة فى الريف المصرى حيث تصور تلك المعاناة الرهيبة التى كان يعانيها الأنفار وعمال التراحيل، أما رواية وكالة عطية – احدى أهم روايات خيرى شلبى-  فتتناول العالم السرى لطبقة المهمشين والفقراء والكادحين فى قاع مدينة من مدن الوجه البحرى هى دمنهور، وفيها نعاين ونكتشف حكايات فيها كثير من الخيال وكثير من الحقيقة تلك الحقيقة الفنية والإنسانية التى لطالما بحث عنها خيرى شلبى وحلم بوصولها لقرائه.

 ولئن كان خيرى شلبى قد كتب شطرا كبيرا جدا من رواياته عن الريف الذى نشأ به وأحبه وقضى به طفولته وصباه وشبابه الباكر، فإنه كتب أيضا عن عالم المدينة خاصة فى أخريات حياته، ولعل روايته «صالح هيصة» خير دليل على ذلك، فقد تناول فيها عوالم مثقفى وأدباء وسط البلد، وغاص فى ذلك العالم الذى يبدو مجهولا للكثيرين.  

وكثيرة هى أعمال خيرى شلبى التى تحلق فى عوالم مختلفة وربما متناقضة، فهو أحيانا يلجأ إلى الفانتازيا كما حدث فى رواية الشطار التى جعل بطلها كلبا يرى ويسمع ويعايش أعاجيب البشر، فينقلها ويتكلم عنها ويعرى هؤلاء البشر تماما،   وقد وُصفت كثير من رواياته بالفانتازيا، كما وصف هو بكاتب المهمشين وشيخ الحكائين، وقد كانت قدرته على الحكى وتذكر المواقف والأحداث بتفاصيلها قدرة عجيبة حقا لا تماثلها إلا موهبته المتدفقة فى الكتابة. ومن المؤكد أن تلك القدرةعلى اختزان الحكايات ساعدته كثيرا على خلق عالمه الروائى الخاص والمتفرد، ويكفي أن أقول أنه كان يحكي بالساعات ونحن تلاميذه بمجلة الإذاعة والتليفزيون نتحلق حوله مشدوهين بتلك الحكايات نطلب منه المزيد والمزيد.

 ورغم محبته للناس ورغم أنه كان اجتماعيا بطبعه إلا أنه كان يحب أيضا العزلة والإنعزال عن الناس طلبا للإبداع وللإلهام، ولذلك استأجر عم خيري حوشا بمقابر الدراسة كان يذهب إليه كثيرا وكتب فيه عددا من رواياته، ولم يعرف أحد بمكان هذا الحوش إلا قليل من المقربين منه مثل الفنان محمود حميدة والفنان أحمد عبد العزيز، وإن كان فى أواخر حياته قد فضل أن يكتب فى شقته بالمعادى بعد أن تهالكت سيارته القديمة ولم يعد قادرا على الذهاب إلى المقابر بسهولة.

ومن المؤكد أن الصفحات مهما امتلات فلن تكفى للكتابة عن خيري شلبي وأعماله الكثيرة التي نذكر منها هنا موال البيات والنوم وفرعان من الصبار وبغلة العرش وثلاثية الأمالى وصهاريج اللؤلؤ وإسطاسية وغيرها من الروايات بالإضافة إلى المجموعات القصصية مثل صاحب السعادة اللص وسارق الفرح فضلا عن الدراسات المهمة مثل كتابه عن محاكمة طه حسين بالإضافة إلى عدة كتب ضمت ما كتبه على صفحات مجلة الإذاعة والتليفزيون من بورتريهات لمشاهير مصريين وعرب وأجانب

جوائز متأخرة

لم يفكر خيري شلبي في الجوائز وقد قال يوما «لقد نفيت نفسى من الجوائز ففى الغالب يفوز بالسباق غير الفرسان» ومع ذلك أتته الجوائز طائعة وإن كان أغلبها وأهمها قد جاءه متأخرا فقد فاز عم خيرى بجائزة الدولة التشجيعية عام 81 وفاز بجائزة نجيب محفوظ عن روايته وكالة عطية عام 2003 وفاز  بجائزة الدولة الثقديرية عام 2006  ورشحته إحدى المؤسسات الكندية لجائزة نوبل وهكذا نال عم خيرى التكريم الذى يستحقه متأخرا.. تماما كما سعت إليه الدراما التليفزيونية  والسينما متأخر تين فصنعت له الوتد والكومى كدراما تليفزيونية وسارق الفرح والشطار كفيلمين سينمائئين وقد نجح الوتد وسارق الفرح تماما وحظيا برضا عم خيري بينما فشل الكومي والشطار وحظيا بسخطه.. وفي فجر الجمعة التاسع من سبتمبر عام 2011 – وبعد ثورة يناير التي شارك وأولاده فيها وأبدى قلقه مما كان يخطط لها – بحوالى ثمانية أشهر فقط كان عم خيرى يتحدث مع زوجته وفجأة سكت وصمت لتكتشف أم أولاده ورفيقته التى كانت أول من يهديه أعماله المختلفة، أنه مات.. وربما مات عم خيرى -عن عمر ناهز الرابعة والسبعين- كما تمنى دون أن يرقد مريضا ولو ليوم واحد وهو الذى أعلن فى أكثر من مناسبة أنه يدعو الله ألا يبتليه بالمرض، لأنه كما كان يقول «يذل الإنسان».. رحم الله عم خيرى….

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق