ثقافة

قضية مهمة.. لماذا يتخلف العرب فى مضمار الترجمة؟

*حسن الوزاني – كاتب مغربي

*عرض وترجمة: أحمد بركات

تشير البيانات الصادرة عن «اتحاد الناشرين الفرنسيين» إلى أن عدد الكتب العربية التي تُرجمت ونُشرت في فرنسا في عام 2018 لم يتجاوز 90 كتابا، بينما بلغ عدد الكتب الفرنسية التي تم بَيْعُ حقوق نشرها إلى دور نشر عربية قد بلغ 220 كتابا. يعني هذا أن الدول العربية تحتل مكانا رائدا بين دول العالم المختلفة في الحصول على حقوق الترجمة.

مشروعات لا تكتمل

من نافلة القول أن نؤكد أن ترجمة نصوص غير عربية إلى العربية يمثل نشاطا ثقافيا محمودا بكل المقاييس، ويُسهم بقوة في فتح نافذة  وسيعة يطل منها العالم العربي على العالم الخارجي وما ينطوي عليه من ثقافات وأفكار. لكن هذا النشاط لن يكون عادلا إلا إذا واكبه اهتمام مكافيء وجهد مواز لترجمة الفكر والأدب العربي إلى لغات أخرى.

رغم ذلك، يبدو أن أغلب مشروعات الترجمة العربية الكبرى – برغم أهميتها – تتمحور فقط حول ترجمة الفكر والإبداع العالمي إلى العربية. ففي خمسينات القرن الماضي، دشنت الإدارة الثقافية في وزارة التربية والتعليم المصرية مشروع «الألف كتاب». وفي الثمانينات، ظهرت نسخة جديدة من هذا المشروع من خلال «الهيئة المصرية العامة للكتاب». أعقب ذلك تدشين المجلس الأعلى للثقافة مشروعا وطنيا للترجمة، تبعه عدد من المشروعات المشابهة التي كان تأثيرها الإعلامي أعمق بكثير من تأثيرها الثقافي. لكن المثير للدهشة هو عدم اهتمام أي هيئة من هذه الهيئات، أو غيرها، بتدشين مشروعات موازية لترجمة المنتج الثقافي والأدبي العربي إلى لغات أخرى.

كانت أغلب مشروعات الترجمة – برغم أهميتها – مليئة بأوجه القصور. فقبل سنوات، قدم وزير الثقافة المصري الأسبق، د. عماد أبو غازي، دراسة مهمة عن النشر الحكومي في مصر، أكد فيها وجود تضخم غير مُبَرر في المطبوعات الصادرة عن العديد من القطاعات بوزارة الثقافة المصرية. كما أكد غازي أن الهيئة المصرية العامة للكتاب لم تكن الناشر الوحيد لوزارة الثقافة، وحدد 13 هيئة أخرى تابعة للوزارة كانت تشارك في النشر. وقد أدى عدم التنسيق الجيد بين هذه الهيئات إلى ترجمة الكتاب الواحد من قِبَل أكثر من هيئة.

د. عماد أبو غازي

لكن الهيئات الرسمية لم تكن – في حقيقة الأمر – المسئول الوحيد في هذا الشأن، ولا يجب استخدامها ككبش فداء لجميع المشكلات التي تواجه الجماعة الثقافية العربية؛ إذ يتحمل القطاع الخاص في مجال النشر جزءا كبيرا من مسئولية قصور مشروعات الترجمة في العالم العربي باعتباره كيانا مهما وفاعلا في مجال صناعة الكتاب. يدل على ذلك  الحضور المحدود للناشرين العرب في المحافل الدولية الكبرى لبيع حقوق الترجمة، وعلى رأسها «معرض فرانكفورت للكتاب»، الذي يعتبر الحدث الأبرز على مستوى العالم في هذا المجال.

هوة سحيقة

وقد نتج عن ذلك الغياب تلك الهوة السحيقة التي تفصل بين ما آلت إليه أوضاع الترجمة في العالم العربي اليوم وما كانت عليه في عصرها الذهبي قبل عدة قرون. إن ما يتم ترجمته في العالم العربي في الوقت الراهن لا يتجاوز 1% من إجمالي حجم المواد المترجمة في العالم، وهو ما لا يتناسب بحال مع الثقل النسبى للغة العربية باعتبارها لسان مئات الملايين من سكان هذا العالم.

وإذا كان كثيرون من العرب يؤمنون ويروجون لأكذوبة غزو الأدبيات العربية للعالم من خلال ترجمتين منشورتين هنا أو هناك، أو استنادا إلى المهرجانات الدولية والأسابيع الثقافية القليلة، فإن الحقيقة في واقع الأمر تقبع على الجانب الآخر من النهر. إن أَعداد ترجمات الأعمال العربية لا يتجاوز العشرات، كما أنها لا تُتَداول إلا على نطاق محدود في أسواق نشر محلية صغيرة، ومن ثًم لا تجد سبيلها للوصول إلى القارئ الأجنبي.

وبالمثل، فإن دعوة بعض المشاهير العرب إلى هذا المهرجان أو ذاك لا تكفي لتقديم صورة واضحة عن ديناميات الإبداع الفكري في العالم العربي، خاصة إذا لم يكن هناك ما يدعو الجمهور الأجنبي إلى التنقيب عن العرب وسط هذا التنافس المحموم بين الجغرافيات الثقافية التقليدية والجديدة.

ومن خلال حوارات أجريتها مع أكثر من 30 شاعرا أجنبيا ينتمون إلى ثقافات مختلفة من جميع أنحاء العالم، تبين لي جهل كثيرين منهم بالمفكرين العرب. وفي أكثر من مناسبة، لم يذكر هؤلاء سوى كتاب «ألف ليلة وليلة» في معرض إجاباتهم عن استفساراتي حول معرفتهم المفترضة بالثقافة العربية.

ولا تزال الصورة الذهنية لدى هؤلاء عن العالم العربي تتمحور حول ’الشرق‘ كما لو كان هذا العالم لم يبرح مكانه في الأسطورة التي عرض لها كتاب «ألف ليلة وليلة» منذ قرون من الزمان. لكن ما يثير الدهشة حقا هو أن عدد ترجمات هذا الكتاب إلى لغات أخرى يتجاوز بكثير عدد ترجمات أعمال نجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل.  

*هذه المادة مترجمة؛ يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا 👉

    

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق