منوعات

عندما كسر المتطوعون العرب أنف نابليون بونابرت

كنت أقرأ في تاريخ الجبرتي فلفت نظري ذكره لوقائع تثبت وتؤكد أن مصر لم تكن قط مصرية فقط، الجبرتي، رحمه الله، أورد في تاريخه أثناء تدوينه لأحداث الغزو الفرنسي لمصر قصة عن تدفق آلاف المتطوعين من عرب الجزيرة لمساندة جهاد المصريين لنابليون بونابرت وجنوده. وضعت كتاب الجبرتي بجواري وتذكرت مناهج التاريخ المدرسي فلم أجد في رأسي كلمة واحدة من قصص الجبرتي. فلماذا هذا التعتيم على نقطة مضيئة بل باهرة في تاريخنا؟.

لكن تاريخ الجبرتي -على عظمته – لم يذكر تفاصيل مدققة كعادته، بل هي وقائع متفرقة، بل مبتورة، فمن هم هؤلاء العرب، وكيف نزلوا لأرض مصر قبل مائتي عام، ومن هو قائدهم السيد محمد الجيلاني، وكيف كانت مساهمتهم في الثورة المصرية ضد قوات الاحتلال الفرنسي؟.. هذه الأسئلة وغيرها راحت تطرق رأسي دون أن أجد لها إجابة شافية.

براءة الجبرتي

يعد الشيخ الإمام عبد الرحمن الجبرتي من شيوخ المؤرخين المصريين على مر العصور، لكن الرجل كان قاهريًا، وكانت وسائل المواصلات وطرق الاتصالات غاية في التخلف، ثم إن الرجل كان أمينًا، يدون ما تطمئن نفسه إلى صدقه، فلم يكن مولعاً كغيره بحشد الأخبار وتدوينها دون تحقيق أو تدقيق.

لهذا، لم يتعمد الجبرتي، كغيره، التعتيم على لقطة مضيئة، وذلك لأن أحداث المواجهات العربية مع المحتل الفرنسي جرت في أقاصي الصعيد، ولأمانة الجبرتي فقد دوّن ما وصله، على قلته وفقر مادته.

مظاهر التقديس في زوال دولة الفرنسيس «الجبرتي»

النبيل مصطفى نبيل

سألت غير واحد من دارسي ومدرسي التاريخ المعاصر عن وقائع تَطوُّع عرب الجزيرة لمساندة مصر، فردوا بتلك الرطانة التي أعرفها، حتى أن أحدهم قال لي: الأمر لن يتجاوز تلك الحالات الفردية التي قام بها طلاب الأزهر من العرب، مثل ما فعله الإرهابي سليمان الحلبي!

قاطعته مندهشًا: هل الحلبي إرهابي؟

فرد بدهشة فاقت دهشتي: وهل هناك تسمية أخرى لمن يقوم بالاغتيال؟!

عرفت أن لا خير عند هؤلاء لأنهم لا يرون مصر بل والإنسانية كلها إلا وفق المسطرة الأوربية، فكففت عن التحاور معهم وإن ظلت الأسئلة التي فجرها تاريخ الجبرتي قائمة في رأسي.

كان الأستاذ الراحل مصطفى نبيل رئيس تحرير مجلة الهلال الأسبق نبيلًا وشهمًا لا يرد يد طالب مساعدة، هكذا عرفته في حياته، وقد أبت عليه شهامته إلا أن يساعدني وهو في قبره. فقد نشرت دار الشروق للأستاذ مصطفي نبيل، كتابًا تحت عنوان «حكايات من الزمن العربي» وعندما طالعته وجدت فيه أدق الإجابات وأنصعها عن الأسئلة التي شغلتني زمنًا طويلًا.

يقول مصطفى نبيل في كتابه: «إن الأستاذ الدكتور مصطفى سالم، وهو من خيرة العارفين بالشأن اليمني، وكان يعمل في مركز الدراسات اليمنية قد عثر على مخطوط في مكتبة مسجد صنعاء الكبير، وذلك المخطوط يقوم على تسجيل تفاصيل وقائع التطوع العربي لمساندة مصر في صد الغزوة الفرنسية».

المخطوط كتبه المؤرخ اليمني لطف الله جحاف تحت عنوان «درر نحور العين في سيرة الإمام المنصور وأعلامه الميامين». وقد قام الدكتور مصطفى سالم بتحقيق المخطوط ونشره وتقديمه.

ساعة الزلزلة

لتقديم صورة متكاملة سأنقل عن المخطوط، ولكن بصياغة معاصرة لأن لغة المخطوط قديمة جدًا، كما سأنقل عن غيره من المصادر التي اهتمت بكتائب العرب التي نزلت أرض مصر لمساعدتها في التصدي لغزوة بونابرت.

لطف الله جحاف كتب كتابه لحاكم عصره الإمام المنصور لكي يضع تحت عينيه حقيقة يجب ألا تغيب، وهى: إن غابت مصر فقل على العرب السلام، وإن غاب العرب عن مصر فستصبح كرة معلقة في الفراغ، وهذا ما لا يليق ببلد يحترف صناعة التاريخ والحضارة..

يقول المؤرخ لطف الله جحاف ما ملخصه: إن مبعوثًا من بريطانيا جاء إلى اليمن لمقابلة إمامها لكي يحصل منه على موافقة  بإقامة قاعدة بحرية بريطانية عند مدخل باب المندب في البحر الأحمر، رفض الإمام الطلب وثار الرأي العام اليمني، والتهب  سخطه على هذا الرسول الذي جاء ليقتطع جزءًا من الأراضي اليمنية، ووصل هذا السخط إلى الحد الذي دفع الإمام إلى إحاطة هذا الرسول بقوة من الجند للمحافظة على حياته أثناء سفره.

في تلك الفترة تحديدًا دخل الفرنسيون مصر، وسأترك لطف الله يتحدث بلغته: «ثم دخلت سنة 1213هـ وفيها وردت الأخبار بدخول الفرانسة، جعل الله ديارهم دارسة، وغيرهم من الأفرنج الأبالسة، ديار مصر طهرها الله من الدنس فاستولوا عليها، ومدوا أيدي الكفر إليها، وأظهروا بها الفساد، وعانوا وتسلطوا علي من بها من المسلمين».

الاحتلال ملة واحدة

وعن تلك الأحداث يقول الكاتب اليمني محمد زكريا: في الرابع من يوليو سنة 1798 مادت الأرض من تحت أقدام مصر المحروسة، وزلزل المصريون زلزالاً شديداً، وبلغت القلوب الحناجر، وقامت الدنيا ولم تقعد، فقد غزا الفرنسيس الديار المصرية، فاحتلوا الإسكندرية ثم القاهرة بقيادة بونابرت. وكان صدى الحملة الفرنسية على مصر عظيماً، فقد وصلت أخبارها الحزينة والمفزعة إلى الشرق العربي والإسلامي ومنها اليمن. ولقد ذكر أحد المعاصرين لأحداث الحملة الفرنسية أنّ الأزهر الشريف قلب القاهرة النابض، بات ساحة للقتال والجهاد. فقد كان يموج بطلاب العلم من شتى بلدان الوطن العربي والإسلامي الذين تقدموا الصفوف لمحاربة الفرنسيس الغزاة، وكان من بينهم طلاب كثر من اليمنيين. وذكر أحد المعاصرين لأحداث تلك الحملة الفرنسية على مصر، أنّ الطلاب اليمنيين الأزهريين، أدوا دوراً كبيراً مع إخوانهم المصريين في المعارك التي خاضوها ضد الفرنسيين وخصوصاً في معارك بولاق الشهيرة حيث امتزجت دماؤهم بدماء إخوانهم المصريين. ولقد أحدثت الحملة الفرنسية على مصر المحروسة، دوياً هائلاً في اليمن، وردود أفعال قوية وسخطا عارماً بين اليمنيين. و كانت أخبار الحملة الفرنسية تترامى وتتوارد إلى مسامع اليمنيين بصورة شبه مستمرة، وكان اليمنيون يهرعون إلى المساجد, ويتضرعون إلى الله العلي القدير أنّ يُخرج هؤلاء الفرنسيين من ديار مصر الطاهرة. ولم يكتف اليمنيون بالدعاء والتضرع في المساجد فحسب بل اتجه الشباب والكهول، والقادرون على حمل السلاح إلى بلاد الحجاز، جماعات، وزرافات لينضموا إلى إخوانهم المتطوعين الحجازيين وغيرهم من بلاد الشام، والمغرب لتخليص مصر من مخالب الفرنسيس، ومواجهة قائدهم المغرور بونابرت».

مظاهر التقديس في زوال دولة الفرنسيس المورخ الجبرتي

شهادة سالم

 في زمن المواجهات يصبح الحياد عملًا لا أخلاقيًا، فلا حياد بين الضحية والجلاد، وقد أدرك العرب تلك الحقيقة منطلقين من تفهمهم لدور مصر وأهميتها، وعلى ذلك – وكما شهد الدكتور مصطفى سالم – فإن المتطوعين الحجازيين أو بالأحرى الذين قدموا من الحجاز وكانوا ينتمون  لمختلف البلدان العربية قد أزعجوا الفرنسيين إزعاجا كبيراً مما دفع بقائد الحملة الفرنسية بونابرت أنّ يقول أنه من الأسباب الرئيسية التي أدت لانسحابه من عكا هو سماعه بأخبار المتطوعين الحجازيين الذين سببوا الكثير والكثير جداً من المشاكل والمتاعب للجند الفرنسيس بالقاهرة.

الشهادات السابقة تؤكد أن قولنا بأن مصر ليست مصرية فقط، ليس نتيجة إصابتنا بهلوسة سمعية أو بصرية، فما الذي جعل قوافل المتطوعين تتدفق لمناصرة مصر؟.. الإجابة هى مصر، نفسها ودورها وقيادتها وزعامتها.

آل الجيلاني يتقدمون

 نعود إلى قائد المتطوعين العرب الذين جاؤوا  لنصرة المصريين في مواجهة الاحتلال الفرنسي. اسمه السيد محمد الجيلاني المغربي الهاشمي، والهاشمي لا تعني سوى أن نسب الرجل يمتد لآل البيت الكرام .كان الجيلاني خطيبًا مفوهًا، ويعرف خطر الاحتلال ومضاره، ولذا فقد وقف في ساحة المسجد الحرام وراح يؤلب المسلمين على فرنسا التي غزت مصر، ألهبت خطبته حماس الحاضرين فتدفقت التبرعات عليه، حتى أن النساء قدمن إليه حليهن الذهبية، وقام غير واحد من الأثرياء بتقديم السلاح والمال لقافلة المتطوعين.

ومن مكة المكرمة انطلق الجيلاني إلى المدينة المنورة، حيث خطب في المسجد النبوي خطبة كتلك التي خطبها في المسجد الحرام، فقدم إليه أهل المدينة المال والسلاح والرجال.

كان للسيد محمد الجيلاني، ابن أخت يدعى حسن الجيلاني، وكان له شقيق يدعى طاهر الجيلاني. وقد قام السيد حسن بالاتفاق مع خاله السيد طاهر على تكوين كتيبة تسبق كتيبة السيد محمد، وبالفعل شكلا كتيبة من المتطوعين، ونزلا أرض قنا بصعيد مصر، وقاتَلا الفرنسيين، حتى أن «ديزيه» قائد الاحتلال الفرنسي بالصعيد كتب إلى القائد العام نابليون بونابرت: «نخوض معارك متصلة مع الفلاحين والمتطوعين المكيين، وكأننا على حافة العالم، إننا نفتقر لكل شيء، ونوع المعارك التي نخوضها عسيرة».

وقد خاض حسن الجيلاني مواجهة مع الفرنسيين في عرض البحر الأحمر، حيث قاد قرابة الألفين من المتطوعين كانوا فوق ظهور «صنادل» بحرية صغيرة وبسيطة بمهاجمة السفينة الفرنسية الحديثة «موراندي» وكانوا من الجرأة حتى أنهم صعدوا فوق ظهر السفينة وقاتلوا الفرنسيين رجلًا لرجل، فما كان من قبطان السفينة الفرنسية إلا أن امر بإحراقها لكي لا تقع في يد المتطوعين، الذين أسروا الجنود الفرنسيين وعادوا بهم إلى البر.

وفي مدينة قوص بصعيد مصر كانت هناك مواجهة دامية بين المتطوعين المكيين وقوات الاحتلال الفرنسي، وجرت المواجهة عندما تحصن المتطوعون بداخل بيت من بيوت المدينة، فقام الفرنسيون بمحاولة انتحارية للقبض عليهم.

إحدى الرسومات التي تبين المعركة في قنا

ويقول «بليار» قائد قوات الاحتلال في قوص في رسالة بعث بها على رئيسه ديزيه: «أصدرت الأمر باقتحام البيت وشق الطريق إلى باحته، وإشعال النار في البناء، فهبط المكيون من البيت عدوًا وهم عراة، يمسك كل منهم سيفًا بيد، وباليد الأخرى يمسك بندقية، ويطلقون النار على جنودنا ويحاولون إطفاء النار بأقدامهم». بعد تلك المواجهات العظيمة وقعت المواجهة الحاسمة بين كتيبة السيدين حسن وطاهر وبين قوات الاحتلال بمحافظة قنا، وقد تمكن الاحتلال من هزيمة الكتيبة المكية، ونال السيدان حسن وطاهر شرف الشهادة على أرض مصرنا العظيمة.

بالعودة  إلى السيد محمد الجيلاني نجده قد أعد جيشًا من أربعة آلاف مجاهد، عبر بهم البحر الأحمر بقوارب صغيرة بسيطة ونزل مدينة القصير بمحافظة البحر الأحمر.

ألهب ذيوع خبرالجيش الجديد حماس المصريين الذين كانوا يقاتلون الاحتلال في شوارع وأزقة القاهرة، وأخبار انتصارات القاهريين على الجيش الفرنسي أشعلت حماس جيش الجيلاني الذي قاتل قتال الأبطال دفاعًا عن مصر وأرضها. لكن أسلحة العرب مصريين وغيرهم كانت بدائية مقارنة بالسلاح الفرنسي، فبعد مواجهات عظيمة، تمكنت الجيوش الفرنسية من تشتيت شمل جيش المتطوعين الذين تركوا أقصى الصعيد، وهبطوا إلى القاهرة ومدن الدلتا، وواصلوا القتال حتى أجبروا قوات الاحتلال على الانسحاب الذليل.

يقول الكاتب والمؤرخ الراحل الأستاذ صلاح عيسى: «كل المحتلين أولاد عمومة»، والحق أنهم أشقاء لأب وأم، وإن تنوعت طرق احتلالهم للأمم ونهب ثرواتها وإهانة مقدساتها. ففي الوقت الذي كانت فرنسا تسعي فيه لاحتلال مصر، كانت بريطانيا تسعى لاحتلال اليمن.

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق