منوعات

ما بين البغدادي وتروتسكي.. «داعش» يتمدد فى مستنقعات الفوضى

ستيفن والت – أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد

عرض وترجمة: أحمد بركات

تزخر صفحات التاريخ بنماذج لحركات راديكالية سياسية ودينية لاقت رواجا لفترة قصيرة، ثم عانت من انكسارات لسبب أو لآخر، لكنها ظلت موجودة لعقود من الزمان. من بين هذه النماذج تبرز – على سبيل المثال جماعة «الشيكرز» (Shakers)- المعروفة رسميا باسم «الجمعية المتحدة للمؤمنين بالظهور الثاني للمسيح»، وهي طائفة تنتمي إلى المسيحية الألفية.

أسباب للبقاء

تعد جماعة «الشيكرز» النقيض الأيديولوجي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من وجوه عدة؛ فقد كان أعضاؤها يؤمنون بالمساواة الجندرية والسلام، لكنهم كانوا يعتنقون أفكارا متطرفة في عدد من القضايا. في القرن التاسع عشر كان هناك آلاف من «الشيكرز» يعيشون في عشرات المجتمعات المنفصلة في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية. لكن هذا الرقم تقلص إلى عشرات فقط في عشرينيات القرن الماضي بسبب قواعدهم الصارمة بشأن العزوبية، التي جعلت من الصعب استمرار وجود الجماعة، فضلا عن نموها وانتشارها. رغم ذلك، وبعد مرور أكثر من قرنين على تأسيسها، لا يزال يوجد مجتمع «شيكرز» واحد يمارس معتقداته في ولاية مين في شمال شرق الولايات المتحدة.

ولنضرب مثالا آخر أكثر اتساقا مع الموضوع. كان ليون تروتسكي لاعبا محوريا في الثورة البلشفية، لكنه خسر في نهاية المطاف صراعا على السلطة أمام جوزيف ستالين، وهرب بعدها إلى المنفى، حيث تم اغتياله. كانت حياة تروتسكي في المنفى خالية من الإنجازات السياسية المهمة، لكنه احتفظ بولاء الآلاف من الماركسيين الذي آثروا نسخته الشيوعية على النسخة الستالينية. مات تروتسكي، ولكن ظلت التروتسكية حية لسنوات عديدة بعد موته.

على الأرجح سيتكرر الأمر نفسه مع تنظيم الدولة الإسلامية. فبرغم الهلع والغضب الذي أثاره هذا التنظيم في نفوس الملايين في جميع أنحاء العالم، وبرغم فشله في هزيمة أعدائه، أو إثارة عاصفة من الحماس الثوري في ربوع العالم الإسلامي، لا يزال داعش يحتفظ بولاء آلاف الأفراد، ولا يزال قادرا على تجديد دمائه عبر تجنيد عناصر جديدة واستمالة أتباع جدد. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في هذا السياق هو «لماذا؟»، أو بعبارة أدق «ما الذي يمكن أن يفسر استمرار قوته وقدرته على البقاء برغم وحشيته وإخفاقه الذريع في تنفيذ أي من وعوده؟»

أحد أبرز الأسباب هو أن تنظيم الدولة الإسلامية يمثل ’فكرة‘ بقدر ما يمثل حركة مادية ملموسة، ناهيك عن ’دولة خلافة‘ قوية. يستطيع خصومه – بلا شك – أن يستردوا الأراضي التي كان يسيطر عليها، وأن يقتلوا بعض قادته وجنوده، ويلقوا القبض على البعض الآخر. كما يستطيعون أن يقوضوا جهوده على الإنترنت من أجل تجنيد عناصر جديدة، على غرار ما يحدث الآن. لكن، ما دامت أفكاره تستطيع أن تداعب خيال أنصار جدد، وتستأثر بإخلاصهم وولائهم، فإن التنظيم سيبقى على نحو ما.

إيمان بالبقاء

وعلى غرار أغلب الأيديولوجيات الثورية، تقوم الرؤية الكونية لتنظيم الدولة على تحصين الحركة من الإخفاقات والانتكاسات المحتملة. وكما هو الحال في اللينينية والماوية واليعقوبية، وغيرها من الأفكار الثورية، تقر أيديولوجيا تنظيم الدولة بأن كوادرها في الوقت الحالي أكثر عددا، وتقبل بأن خصومها، في الوقت الحالي أيضا، أكثر قوة، وتحذر من الانتكاسات المؤقتة المحتملة، وتحث أعضاءها على أن يكونوا مهيئين دوما للبذل والتضحية فيما يمكن أن يكون صراعا طويل الأمد. ولكن، مثلما توقع كارل ماركس وفلاديمير لينين وأتباعهما أن النصر في نهاية المطاف سيكون للشيوعية لا محالة، يعتقد قادة تنظيم الدولة اعتقادا جازما بحتمية النصر على المدى الطويل شريطة ألا يفتر إيمان أتباعهم أو تثبط عزيمتهم.

وعلى سبيل المفارقة، فإن الميول الانشقاقية داخل تنظيم الدولة قد تساعد العناصر المتبقية على البقاء. فعندما تواجه طائفة راديكالية أو جماعة سياسية انكسارات، فإن احتمالات حدوث انشقاقات داخل الصف تتزايد. وبشكل إجمالي، تعتمد هذه الحركات عامة على دعوى القائد باكتشاف «المعتقد الوحيد الصحيح» (سواء كان دينيا أو علمانيا)، وهو ما يجعل هذه الحركات غير متسامحة مع فكرة الانشقاق (ومن ثم تجنح إلى وسم المعارضين الداخليين بالهرطقة أو الخيانة). كما يجعلها أيضا عرضة للانقسامات عندما لا تتحقق نبوءاتها الكبرى.  

الخبر السار هو أن هذه الانقسامات الداخلية تقوض وحدة هذه الحركات، مما يؤدي إلى تبديد مواردها في محاولة لدرء هذه التحديات والتغلب عليها، وهو ما يجعلها أقل فعالية في التعامل مع أعدائها الخارجيين. أما الخبر السيئ فهو أن هذا الميل إلى الانقسام إلى جماعات وفرق قد يساعد في الحفاظ على الأفكار الكبرى المؤسِسة لأن هزيمة جماعة أو فرقة لن يكون كافيا لأن تفقد الحركة بأكملها مصداقيتها. هذا التوجه نفسه ربما يمنح أملا جديدا لهؤلاء الذين أصيبوا بخيبة أمل بسبب النتائج التي تحققت، لكنهم يمكن أن يقتنعوا بسهولة بالاستمرار تحت راية قائد جديد أو اسم جماعة جديدة. 

إضافة إلى ذلك، سيكون من الصعب اختفاء تنظيم الدولة الإسلامية – ببساطة – لأن الأوضاع والمظالم التي أدت إلى ظهوره لا تزال قائمة. فالحركات الإسلامية بوجه عام تستمد جزءا من دعمها من الرفض الصريح من قبل المجتمعات الإسلامية للتدخل الأجنبي (الغربي تحديدا). ينطبق ذلك على «طالبان» مثلما ينطبق على «القاعدة» وتنظيم الدولة الإسلامية (برغم وجود فروق جوهرية بينهم). رغم ذلك، لا يزال تدخل القوى الأجنبية في المنطقة يجري على قدم وساق، ولا يزال القادة الغربيون – بمن فيهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – يؤكدون بالقول والفعل تلك السردية التي يروج لها داعش عن الغرب وحربه ضد الإسلام، برغم أن تنظيم الدولة نفسه يخوض حربا ضد الجميع تقريبا، بمن فيهم ملايين المسلمين الذين يعدهم هراطقة. وطالما استمر هذا التدخل بهذا المستوى من السفور والإلحاح، فإن تنظيم الدولة الإسلامية سيظل قادرا على اجتذاب عناصر جديدة.

وعلى غرار جميع العمليات الإجرامية (أي حركة تقطع بزهو رؤوس الأبرياء وتمول نفسها عبر ممارسات غير شرعية تستحق هذا التصنيف تماما) يتمدد تنظيم الدولة وينتفش في المناطق التي لا تسيطر فيها الحكومات المركزية. فقد ظهر تنظيم الدولة أول ما ظهر في أعقاب تدمير الدولة البعثية في العراق، وانهيار مؤسساتها المحلية. ثم انتقل الآن إلى مناطق الفوضى في دول أخرى، مثل أفغانستان. ويستمر، وربما حقق عودة جزئية، لأن السلطات المحلية لا تزال ضعيفة وفاسدة وعاجزة. ويكمن الحل الوحيد لهذه الإشكالية في بناء سلطات محلية أكثر فعالية وشرعية، لكن هذه المهمة تحتاج إلى وقت طويل، كما أن القوى الخارجية لا تستطيع إنفاذها بمفردها. 

لهذه الأسباب جميعا يصبح إعلان النصر على حركة مثل تنظيم الدولة الإسلامية أشبه بإعلان هزيمة الشتاء بمجرد أن ينتهي آخر تساقط للثلوج. إن هكذا إعلانات تقوم على التجارة برغباتنا الطبيعية في وضع مشكلاتنا الكبرى في المرايا الخلفية، كما أن سياسيين من شاكلة ترمب يجدونها مغرية لكسب الثقة والتأييد. لكن، تبقى هذه الدعاوى مضللة من ناحيتين؛ أولهما أنها تضخم الخطر الذي كان مفروضا من قبل تنظيم الدولة الإسلامية، وثانيهما أنها تبالغ في الحدود التي وصل إليها انتهاء هذا الخطر. يبقى الأفضل لنا جميعا أن نقبع في منزلة وسط بين المنزلتين؛ فتنظيم الدولة لم يُهزم بشكل كامل حتى الآن، ولن يختفي بشكل كامل قبل وقت طويل. وبين هذا وذاك، فإنه لا يشكل تهديدا وجوديا. 

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي للمقال باللغة الإنجليزية من هنا 👉

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق