فن

مدرسة موسيقية: رياض السنباطي.. أمير النغم

حين سألت أحد الملحنين الشباب ماذا لو لم يستطع عبد الوهاب الغناء، فمن كان سيشدو برائعة «كل دا كان ليه، باتت تناجيني، وسيدي القمر، في الليل لما خلي» وغيرها من الأغنيات التي أمتعنا بها؟، فكانت إجابته «كان سيعطي هذه الأغنيات لأم كلثوم». فهذا ما فعله القصبجي ورياض السنباطي، لكن على عكس القصبجي، كان السنباطي في صباه صاحب صوتٍ جميلٍ وقادر، حتى أن سيّد درويش حين سمعه في المنصورة طلب من والده أن يسمح له بأخذه إلى الاسكندرية ليتولى تدريبه ويجعل منه نجمًا. لكن السنباطي كان آخر العنقود بعد أخواته الفتيات، وكان عليه أن يبقى ليساعد والده في كسب قوت العائلة عن طريق الغناء معه في الأفراح.و لم تكن تلك المرة الأخيرة التي ضاعت فيها على السنباطي فرصة لتحقيق النجومية.

حلم قديم

السنباطي الذي ولد في 30 نوفمبر عام  1906 ذاع صيته في الأفراح داخل مدينة المنصورة حتى أنه لُقب بـ «بلبل المنصورة» إلى أن ظهر اسم أم كلثوم. حينها أدرك السنباطي أن «بلبل المنصورة» قد ضاع وأصبح ماضيا.. كان هذا قبل أن يُصاب  السنباطى بالتيفود ويضعف صوته، ويُخبر أهله بأنه استغنى عن حلمه بأن يصبح مطربًا.

 بعد سنوات، راود السنباطى حلمه القديم فغادر المنصورة إلى القاهرة ليصبح مغنيًا، وفاز في مسابقة في معهد الموسيقى العربيّة كانت جائزتها فرصة دراسة الغناء على نفقة المعهد. بالإضافة إلى ذلك، تم تعيينه أستاذًا للعود.

تعرّف السنباطي في المعهد على المؤلف الموسيقي مدحت عاصم و جمعهما لقاء في شقة السنباطي حيث غنى حينها من ألحانه وألحان غيره حتى الصباح، فلاقى دهشة واستحسان «عاصم»، وعلِقَ لحنه لقصيدة «يا مشرق البسمات» في ذاكرة مدحت عاصم الذي قرر أن يتصل بـ ليتو باروخ، المصري اليهودي صاحب شركة إنتاج أسطوانات أوديون، حيث قدّم اليه السنباطي كملحن فقط، ولم يذكر غناءه. وربما لم تكن هذه المرة الأولى التي أُنكرت فيها أهمية صوت السنباطي بعد إصابته بالتيفود، لكنها كانت المرة الأولى التي حصل فيها ذلك بشكل مباشر. أُعجب باروخ بما سمعه، وتعاقد مع السنباطي على التلحين لمطربي الشركة، وبذلك  أُجبر السنباطي على التخلي مرة أخرى عن حلمه بالغناء.

منافسة مع القصبجى

بدأ السنباطي التلحين في عام 1929 وحينها كان محمد القصبجي قد غّير معالم المشهد الموسيقي العربي إلى الأبد بمونولوجاته وسار الجميع بمن فيهم زكريا أحمد وعبد الوهاب على طريقه، وكان أهم صوتين غنائيين على الساحة في ذلك الوقت هما «أم كلثوم» التي صعدت بألحان القصبجي و «عبد الوهاب» الذي لا يغني من ألحان غيره، وبالتالي هما قمتان صعبتا المنال بالنسبة للسنباطي الوافد الجديد.

ظل السنباطي في سباق مستمر مع القصبجي الذي يكبره عمرا وخبرة وعلما، إلى جانب ميزته الرئيسية وهى أنه الملحن الرئيسي  لأم كلثوم. ولم يجد السنباطي غير أن يتقمص شخصية القصبجي في ألحانه، وكان بارعا في ذلك، سواء كان ملحنًا أو مطربًا، فنجده قصبجيًا لدرجة حيّرت المؤرخين في معرفة هوية ملحن أغنيات مثل  “بعثت لك في الليل روحي”، “أعبد جمالك واتألم” ” مع نادرة الشاميّة،

منافسة القصبجي كانت السبب الرئيسي لتطور السنباطي في ألحانه فقد برع  بعد ذلك في ألحان  شرقية مثل «ليه يا بنفسج» مع صالح عبد الحي، أخرى شعبية مثل أغنية «شفت حبيبي وفرحت معاه» التي لحنها لـ محمد عبد المطلب،  وبدا خبيرا بالأغنية السينمائيّة في «مين يشتري الورد مني» مع ليلى مراد، وكان مخضرما في اللحن المسرحي في أوبريت مجنون ليلى مع عادل مأمون وكارم محمود وسعاد محمد، ورائد الخفّة في «بشويش على عقلك بشويش» مع صباح.

بعد افتتاح الإذاعة المصرية الرسمية في عام 1934 كلف القائمون عليها «السنباطي» بالتلحين لمطربيها، في وقت كان السنباطي غير معروف إلا بين المشتغلين في الوسط، فلحن حينها «يا آسرة قلبي» لـ عبد الغني السيّد، في محاولة منه للوصول للجماهير بالدمج بين أسلوب القصبجي من تماسك ومهابة الجمل اللحنية وأسلوب عبد الوهاب في ألعابه الإيقاعية.

أدرك السنباطي أن هذا المزيج لن يجدي نفعا مع الجمهور الوهابي وأنه لن يحقق النجاح الجماهيري المتوقع فلحن «غاب بدري» لـ عبد الغني السيد، في عام 1935 ومعها بدأت الشخصية السنباطية تظهر للجمهور. وبعد مرور ثلاث سنوات أصبح اسم السنباطي معروفا لدى الجمهور واسما منتظرا في برنامج الإذاعة الأسبوعي، كما أصبح واحدا من كبار ملحني أم كلثوم ومن هنا بدأ الإبداع يتدفق على مسامع عشاق كوكب الشرق، فحملت ألحانه صوت أم كلثوم في أغنيات مثل «سلوا كئوس الطلا، على بلد المحبوب وديني، يا طول عذابي، فاكر لما كنت جنبي، أتعجل العمر، قضيت حياتي، النوم يداعب عيون حبيبي، وافرح يا قلبي» ونجح السنباطي في أن يصل إلى قمة هرم الغناء كما كان يحلم.،

وفي عام 1946 ظهرت ثلاث قصائد لـ أحمد شوقي بصوت أم كلثوم وألحان السنباطي منها قصيدة «نهج البردة»، التي يعتبرها بعض المهتمين بالشأن الموسيقي أهم علامات الموسيقى الصوفية في الغناء العربي، وأعتبرتها صحيفة الجارديان الحدث الذي صعد بأم كلثوم إلى قمتها.

في عام 1952 غامر السنباطي الخجول بدخول تجربة التمثيل على مضض، فجاءت تجربته السينمائية الأولى والوحيدة في فيلم «حبيب قلبي» الذي لحن أغانيه وتشارك بطولته مع هدى سلطان. وجاء الفيلم متزامنا مع ثورة يوليو فلم يجد جمهورًا واسعًا، وإن نجحت أغانيه وخاصةً «على عودي». ربما طَمِع «السنباطي» في أن يمنحه التمثيل الشعبيّة التي يحتاجها لتقديم الألحان التي لا يأمن غيره عليها، لكنه وجد أن الثمن باهظ، خاصةً بعد تنازله عن عزلته ومنحه الناس فرصة محاكمة مدى امتلاكه لموهبة التمثيل التي لا تعنيه، فتوقف بشكل شبه نهائي عن الغناء بعد هذه التجربة، وأصدر وقتها  اللحنين الدينيّين ربّي سبحانك وإله الكون فقط ، وبذلك خسرنا وجها آخر للسنباطي.

توهج ونجومية

شكلت فترة الستينات مرحلة توهج عند السنباطي، -كما كانت في كثير من المجالات- فبعد نجاح «أنت عمري» التي لحنها موسيقار الأجيال لكوكب الشرق في لقاء وُصِفَ بـ «لقاء السحاب»، كان السنباطي على موعد مع نجاح آخر أكثر تألقا وهو لحن «الأطلال» ليبدأ الصحفيون بالبحث عن الملحن، حيث أصبح السنباطي فجأة نجمًا كما حلم طويلًا. ولم يتوقف نجاحه عند اللحن الكلثومي حيث لحن العديد من الأغنيات التي شكلت علامات هامة في تاريخ مطربيها مثل « لا تقل لي ضاع حبي من يدي لوردة، التقينا وما بين همسك يا هوايا مع عزيزة جلال، ساعة زمن مع ميادة الحناوي، لا يا روح قلبي مع فايزة أحمد، وأمشي إليك وآه لو تدري بحالي وبيني وبينك خمرة» وغيرها الكثير.

وفي العاشر من سبتمبر 1981 رحل «رياض السنباطي» أحد أهم عمالقة الموسيقى وكبارها، تاركا وراءه ما يزيد عن خمسمائة أغنية بأصوات أكثر من 65 مطربٍا ومطربة.

فيديو «رياضي السنباطي أمير النغم» 

نص ومونتاج وتعليق صوتي: حمدي شعبان

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق