فن

عمدة الدراما إسماعيل عبد الحافظ.. من «دموع» البدايات إلى «شهد» النهايات

ملك الحواديت الدرامية، ومخرج الحكايات الملحمية، يعشق ألف ليلة وليلة والتراجم والسير الشعبية، ويذوب في الأعمال ذات البعد القومي والوطني، ويدرك أن الدراما دواء وعلاج وهي من الناس وللناس. يمجد التاريخ ويطرق على أبواب الفلسفة ويتقافز بين الحارات الشعبية ويستكين حول أسوار الأديرة.

طموح، يعشق الريف والبراح، يغوص بك لحظات بين مغارات وكهوف الجبال ويشوي لك كوز ذرة علي رمال الصحراء، يناصر مطاريد الجبل ضد الباشا والطاغية.يكره الخبث والنميمة والقيود الإنتاجية المعوقة والشهرة الزائفة ودلع النجوم والنجمات، ويخشي طمس الهُوية والاستخفاف بعقلية المشاهد العربي وتخدير المشاهدين وبيع الوهم والزيف لهم، لا يحب تسلط موظفي الرقابة، ولا يطيق القيادات الإعلامية التى لا تعي معني الفن أو الدراما، أو قيمة حرية التفكير والتعبير. يكره الغرف الضيقة ومركزية المدينة ومحدودية ما تطرحه، ولا يطيق أن يرى تجار الشنطة المتمثلين في المنتج المنفذ أو المنتج المشارك.

إنه اسماعيل عبد الحافظ: ابن البلد المجدع وصاحب صاحبه، والذي يظل صاحب أشهر مائدة درامية رمضانية في الثلاثين عاماً الماضية.

قادر على جمع كل الناس، ومصالحة كل المتخاصمين، فى وقت عرض مسلسله تتآلف القلوب كما تتشابك الأيدي داخل الصحون، لا تتوقع ما سيقدمه لك، لكنك من المؤكد – ستري نفسك وحياتك وجهًا لوجه، ربما ترى عفاف شعيب أو عبلة كامل وهما يؤديان دور أمك، أو هدي سلطان وهي تؤدي دور جدتك، أو ليلي علوي وصابرين وهما تؤديان دور زميلتك في الجامعة أو حبيبتك التي ستتركك ذات يوم للزواج من عريس مؤهلاته المادية تفوقك بمراحل.

إسماعيل عبد الحافظ العميد، والعمدة، والمايسترو، وجنرال الدراما العربية، أحد فرسان الجيل الثاني في الدراما العربية – يقف معه في هذا الدرب كل من الراحل يحيى العلمي والقدير محمد فاضل، وعلى يديه حدثت قفزة هائلة في الدراما العربية، وبالطبع كان يصاحبه – ضابط الايقاع والمُعلم الراحل: أسامة انور عكاشىة.

بدايات صعبة

ربما لا يعرف الكثيرون أن إسماعيل عبد الحافظ، في رحلته مع الدراما العربية، كان من القليلين الذين ذاقوا المر والعذاب بين ردهات مبني ماسبيرو الشهير، وأن رحلته مع الدراما لم تكن سهلة، فقد قابل صعوبات كثيرة.

في بدايات التليفزيون المصري، كان عبد الحافظ يريد أن يصبح ممثلا، لكن الظروف أعاقته عن ذلك، فاتجه للإخراج ويدين للاستاذ المخرج الراحل إبراهيم الصحن بتشجيعه ودفعه لطريق الإخراج.

 فى نهاية السبعينيات، أخرج  إسماعيل عبد الحافظ مسلسلا اسمه «الناس والفلوس»، لكن صدر قرار بإيقاف المسلسل و اتهم عبد الحافظ بأنه: مخرج يدعو إلي قلب نظام الحكم.

وكان سبب ذلك فكرة ما يقدمه المسلسل وهي: أنه بدلا من أن نعطي الرجل بعد رحلة الكفاح معاشا، لماذا لا نقدم المعاش لشاب في بداية حياته كي يستطيع أن يشق طريقه، ولم يكن أحد منتبها لذلك، إلا عندما تقدم أحد الممثلين الكبار بمذكرة  بأن اسماعيل عبد الحافظ يريد قلب نظام الحكم.

في ذلك الوقت كانت التهم جاهزة، سواء للكتّاب أو المخرجين، بعض الكتّاب غادر مصر دون رجعة، لكن إسماعيل عبد الحافظ كان يحلم بأن يزرع أرضه هنا وليس في أي مكان خارج المحروسة.

لكن الطريق كما يوجد به أعداء للنجاح يوجد أيضا من يجبر الخاطر ويعي ويفهم، فعندما تولت السيدة «تماضر توفيق» رئاسة التليفزيون، أرسلت في طلب إسماعيل عبد الحافظ، لأنها كانت قد تابعت أعماله فأعجبتها كثيرا، بل وتحمست كي يقوم بإخراج مسلسل «الحب والحقيقة» من تأليف الكاتبة فتحية العسال، لكن يبدو أنه لم يكن قد حان وقت الهناء بعد، لأنه وأثناء عرض المسلسل فوجئ بهجوم ضخم في جميع الصحف ضد المسلسل، ولان قائمة التهم جاهزة، فقد اتهم البعض العمل  بببانه يهاجم الرئيس السادات، ليعود مرة أخري للايقاف، ولمدة خمس سنوات كاملة، من عام 1980حتى 1985. ولم يكتف أعداء النجاح بذلك فقط، بل تمت محاربته بجميع الوسائل وبسد جميع الطرق والمنافذ عليه.

ولانه ابن بلد ومجدع، فإن الله – بجلال قدره – أوقف له أبناء الحلال أيضا، يضاف إلى ذلك صموده كفلاح من كفر الشيخ، وبدأ إسماعيل عبد الحافظ يقدم أعماله للقطاع الخاص، فأخرج مسلسلات مثل: شجرة الحرمان، أيوب البحر، والجزء الأول من الشهد والدموع.

وهنا كان موعده مع الشهد، مع قلب قواعد الدراما الرمضانية في الوطن العربي رأسا على عقب، وكي ينهي بعضا من حياة الدموع ومرارتها التي مر بها، ففور عرض الجزء الأول من «الشهد والدموع»، حدث دوي هائل فى العالم العربى كله، فلأول مرة يجذب مسلسل المشاهدين وقت عرضه بهذا الشكل، ولا أنسي – وكنت طفلا صغيرا حينها- خلو الشارع من المارة، وأصوات المشاهدين – وخاصة النساء وبكائهن – وهم يتكدسون في المنازل أو على المقاهي وهم يتابعون زينب في رحلتها للحفاظ على حقوق أبنائها ضد جشع واستبداد اخو زوجها حافظ.

قلب إسماعيل عبد الحافظ الدراما العربية رأسا على عقب، وجعل ميعاد عرض الشهد والدموع طقسا يوميا يجتمع فيه كل بيت من المحيط للخليج، أتذكر ذلك لأن الشوارع كانت خالية من المارة في ذلك الحين، ولينتبه التليفزيون المصري – بكل وقاره وجبروته – إلى أن احد ابنائه يمكن أن يكون ظهرا له بأعماله، ويقرر التليفزيون المصري إنتاج الجزء الثاني من المسلسل.

كان مسلسل «الشهد والدموع» نقطة الانطلاق للفارس إسماعيل عبد الحافظ، ليبدأ بعدها زراعة شجرته الورافة «ليالي الحلمية»، هذا العمل الملحمى العظيم الذى كان طعم الدراما به مختلفا – فرأينا وشاهدنا تاريخ مصر الحديث والمعاصر من خلال دراما مصرية ،عرفنا تفاصيل أماكن،وحكايات شخصيات مصرية مائة في المائة.

وتصبح الدراما مئات القصص داخل المسلسل، كان عبد الحافظ يغزل القصص والحكايات ويرسم الشخصيات، فيتفاعل معها المشاهد ويعيش مع أبطال الليالى كأنه واحد منهم، أنا شخصيا كنت أعيش مع أبطال الحلمية.. مع سليم وعلى البدرى.. وزينهم وطه السماحى.. وزهرة.. ونازك هانم، وغيرهم من شخصيات المسلسل.

بعدها انتقل عبد الحافظ من الحلمية إلى ريف مصر القديم، ليتناول قصة خليل حسن خليل الشاب الفقير وهو يحب علياء، وما تدبر له الأيام، فقر حقيقي وشخصيات مصرية من واقع ما قبل الثورة، لأكون البطل في ملحمة مسلسله «الوسية»، بأغنية التتر العبقرية.

ولا يتوقف عبد الحافظ عن تقديم كل جديد وكل مبهر، فأقفز أسوار البيت لأنطلق مع ليلي علوي في مسلسل العائلة، ولأصبح الفتي – محمد رياض – الذي يقف من بعيد وهو يحب ليلي علوي ولا يستطيع أن يصرح بحبه لها، بينما هي تلعب بها الأقدار، مرة يغتصبها ابن ثري من أثرياء الانفتاح ويلقي بها في عرض الطريق، لتقع في براثن من هو أشد فتكا وتتزوج من أحد الإرهابين، وتستمر رحلتها المدمرة حتي تنتهي أو تستقر– عند حبيبها محمد رياض، لتكتشف من يحميها ومن يحبها.

ولا يتركني إسماعيل عبد الحافظ أغادر شاشته، فقد قام بنسج الشباك لي، لأقع في شرك صفية المتجبرة وهي تحب حربي، ولأعلم أن للحب أصواتا أخري ودرجات من القسوة والحنان لم أكن أعرفها بقلبي الأخضر الطيب مثل حربي، ليخرج رائعة عمنا بهاء طاهر «خالتي صفية والدير» ولتخرج الكاميرا للمزارع والدير والهواء الطلق، وقصة حب مغموسة بالفلكور، ينسج اسماعيل عبد الحافظ ذلك المسلسل بكل حب وكل فهم للماضي المصري ولطقوسه وللفلكور الصعيدي المصري.

وبعد أن أترك كل ذلك، أعود من جنوب الصعيد تاركا صفية وبعد أن دفنت جثة حربي داخل الدير، لأصبح شابا مستهترا، في مسلسل عفاريت السيالة، قام بالدور الفنان أحمد الفيشاوي، وأجدنى أعيش فى هذا المكان الذي لم أره في حياتي، وهو أحد اقدم الأحياء بالاسكندرية، بكل سكانه وعاداتهم وتفاصيل حياتهم.

 وهكذا عشنا مع عمدة الدراما الواعى الفاهم المدرك أن الدراما يجب أن تكون للأسرة –، فلا تقدم إسفافا أو تكون لقمة عيش والسلام، ولإخلاصه لفنه ولعمله، فقد كان بعض أصدقائه يطلبون منه أن يعمل مسلسلين أو ثلاثة في العام، وهو يستطيع ذلك نظرا لنجاحاته، لكنه بهدوئه كان يقول: مسلسل واحد فقط، الحكاية مش أكل عيش وخلاص، كان يفهم كيف يقدم وجبته الدرامية، وكيف يجعل مسلسله باقيا فى عقل وذاكرة الأمة العربية والمصرية وكيف يترك التأثير المناسب في المشاهدين.

كان رحمه الله يعشق الاحلام ويعشق تحقيقها، وكان يقول الحلم: هو اكسجين الحياة، فقد كان يحلم بتحقيق العدالة الاجتماعية، وبتقديم الأعمال التي تحترم عقلية المشاهدين ووجدانهم، وبأعمال هدفها إعادة صياغة وتشكيل الشخصية المصرية، وكيف تواجه عصر العولمة والمتغيرات الجديدة في الحياة، وكان يحلم بتقديم عمل ملحمى كبير عن حرب أكتوبر لكن ظروف الإنتاج حالت دون تحقيق هذا الحلم.

الأب

إسماعيل عبد الحافظ، الأب، بهيئته التى لا تخطئها عين، وجلبابه المصري، والبشرة السمراء والوجه المكتنز، والشعر الأبيض، صورته في صالة منزله في العمرانية بالقرب من أكاديمية الفنون تظل عالقة في الذهن دائمًا، كنت أراها من الشارع عندما تكون الشرفة مفتوحة في الطابق الأرضي، حيث كنت أسكن قريبا منه.. تلك الشرفة التي رأيت فيها: أسامة أنور عكاشة وشوقي شامخ وسيد عبد الكريم وممدوح عبد العليم، ولم أكن أعرف من هذا الرجل ولماذا يأتي له هؤلاء الممثلون، حتي داهمتني الصدفة بنشوب معركة مع أحد الأطفال أثناء لعبنا بالدراجات، لأكتشف بعد ذلك أن هذا الطفل هو ابنه محمد عبد الحافظ وقد امتدت صداقتنا بعد ذلك.

فى مثل هذه الأيام  منذ ست سنوات رحل عنا إسماعيل عبد الحافظ، بعد أن قدم لنا كنوزا درامية ستظل خالدة وباقية، ورغم رحيله سيظل عميد الدراما العربية يعلمنا ونفهم من أعماله، معني الدراما ومدي قوتها  وحضورها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق