مدونة أصوات

عن معنى الوطن

«وطن المرء ليس مكان ولادته ولكنه المكان الذي تنتهي فيه كل محاولاته للهروب».. نجيب محفوظ.

بقت هذه الجملة راسخة في ذهني، وقد حاولت أن أراها من مختلف الزوايا، فالوطن ليس الشعار ولا النشيد و لا رئيسا نعلق صوره في المكاتب و قاعات الدروس، قد تكون جملة من التقاليد و العادات التي نتيقن بحبها حينما نبتعد عنها، «حومة» ترعرعنا فيها و شعرنا بالحنين لها، نحن قوم نعيش في أوطان نيقن حبها حينما نرحل عنها.

ليس مقالي هذا رسالة تشجيع للهجرة ولا تحفيزا للشباب على المغادرة، بل بحثا عن ماهية الوطن وسط كل هذا الزحام في العالم العربي. هل يعيش العربي في وطنه أم هو في وهم الوطن؟

وسط حشد ثقافة القطيع، ثقافة ذكورية تبيح الإغتصاب و إحتقار النساء، ثقافة القيل والقال، ثقافة النبذ و رفض الإختلاف، ثقافة النقد بدون الأفعال، ثقافة الأقنعة و تقبيل أيادي أصحاب الجاه، ثقافة الترحيب بالذل، ثقافة جعلت البعض يشعرون بالإغتراب وسط وطنهم و أهلهم، باللإنتماء الذي يسلبهم راحة البال، باللإحتواء وسط ضوضاء من الناس.

يهرب العديد، يركضون منذ سن الشباب فارين بجلودهم من عقلية قد تلتهمهم وهم أحياء، يغادرون طفولة وأهلا و تقاليد و لغة و أرضا راحلين نحو وطن لربما يكون خير مأوى، ربما سيتخلصون من سلاسل تفكير سطحي تمييزي نمطي، نحو عقول قد تفهمهم و تتفهمهم، عقلية أخرى و نظرة مغايرة للنظرة التي لسوء الحظ نسبت للعالم العربي.: نظرة جهل.

يجد الكثيرون الرحيل نحو وطن أخر خير سبيل لحياة هنيئة، على الأقل لن يضطروا لتعليل إختياراتهم و أن يقدموا جملة من الحجج لتفسير توجهاتهم، معتقداتهم و ميوليهم، على الأقل سيعطي الراحل هذا لنفسه فرصة توسيع زوايا نظره وأن يشعر بالإنتماء في عالم مغاير لعالمه.

البحث عن الوطن هو رحلة البحث عن الذات وعن أسرار الوجود، مضن و متعب، قد يستنزف كل قوانا والفشل كالنجاح محتمل. لكن

العقلية في العالم العربي متعبة، فالكل يحاسب الكل، الكل يحلم بوطن أفضل لكننا ماكثون ننتظر مصباح علاء الدين ليحقق أمالنا، نمجد اليابان و أوروبا ،لكننا نلقي بالفضلات في الشارع، بينما حاوية القمامة تبعد عنا نصف متر.. نقف مذهولين لإنجازات الغير و ندير ظهرنا لإنجازات شبابنا.. نعاني من فقر مدقع، لكننا ننجب المزيد من الأطفال ونطعمهم الحرمان والنقمة ونلقي بهم في الشوارع تربيهم.. نحيي الغرب على تطوره ونحن لا نزال عبيده، عبيد رأسمالية وعولمة متوحشة.. نصفق للشعوب الغربية ونحن لا نزال نزوج القاصرات و نمنع الأطفال من مزاولة تعليمهم ونغلق الأبواب في وجه الحالمين..،نتكلم كثيرا ونفعل قليلا، لأننا نشعر بالخمول ونخشى أن يحسدنا الغرب على إنجازاتنا العظيمة.

كان العرب قديما سادة العالم، أسياد العلوم والفنون، المدارس الأولى التي نافست أوروبا زمن كانت الكنيسة الكاثوليكية تبتر أرجل من يقف و يتصدى لها، ولكن حين تصدى الأوروبيون للنكسة،فُتن العرب بملذات الدنيا.

نحن نرحل عن الوطن الذي نحمل القليل منه، نرحل لأن الوضع مترد للغاية، فلا وضعا إجتماعيا و لا إقتصاديا يبعث فينا الأمل، سياسيا إما الدكتاتورية التي تلزم كل من يفتح فمه قعر السجن، أو أشباه مثقفين يرتدون جلابيب الديموقراطية. فنرحل، بكل حسرة نجمع ما تبقى لنا من ذكريات ونعلقها على جدران ليست بجدراننا و لا ننفض عنها الغبار كي لا نشعر بحنين قاس، نركض و نهرول نحو مستقبل مجهول، وفي اللاوعي يقين بحياة كريمة افضل. هل تنتظرنا حقا حياة كريمة، هل البحث عن الوطن سيكلفنا الكثير و يفقدنا الكثير أم هو تحرر من القيود؟ هل نحن نسكن الوطن أم الوطن يسكننا؟

في الأخير نستشعر تلك الراحة و السلام حينما نتوقف عن الهرب، حينما تقل محاولات الهرولة، حينما تداعبنا نسمات الهدوء بعد سباق طويل و مضن مع الزمن، حينها نكون قد وجدنا الوطن.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق