فن

حسين الشربينى.. المتصالح مع فنه

«ابنتي العزيزة نهى.. تمنياتي لك بالسعادة والنجاح دائما وأن تكوني الأولى دائما على المدرسة وفي البيت وفي العمل لما تكبري إن شاء الله وأشوفك عروسة جميلة متعلمة ومثقفة.. وأهم حاجة في الدنيا كلها الأخلاق، فهي أغلى من العلم وأجمل من الجمال وربنا يوفقك في دراستك وفي حياتك».. كانت تلك الكلمات  الرقيقة هي ما كتبه الفنان الراحل حسين الشربيني لابنته نهى وهي طفلة صغيرة، والتي نشرتها علي حسابها الخاص على موقع «فيسبوك» منذ عامين بمناسبة ذكرى رحيله، وحظيت بتعليقات كثيرة وباهتمام خاص من رواد مواقع التواصل الاجتماعي.

هذه الكلمات البسيطة من أب محب لطفلته الصغيرة، كانت في حقيقة الأمر تعكس جانبا مهما من شخصية الفنان حسين الشربيني، وهي شخصية الانسان البسيط المتدين الذي يطلب من ابنته أن تتحلى بالأخلاق، التي هي أغلى من العلم وأجمل من الجمال.

ولد حسين الشربيني في السادس عشر من نوفمبر عام 1935 بالقاهرة لأسرة تنتمي إلي مدينة شربين بمحافظة الدقهلية، وحين التحق بالمدرسة الابتدائية اكتشف معلم اللغة العربية قدرته على النطق السليم وتفوقه في اللغة العربية في سنه المبكرة تلك، فنصحه بأن يجتهد ليصبح ممثلا أو صحفيا، وهكذا غرس الأستاذ في نفس تلميذه حب التمثيل وتوقع له أن يكون ممثلا نابها، وكان لكلمات المعلم وقع السحر في نفس الطفل حسين، فكبر الحلم داخله ومعه كبرت موهبة التمثيل التي نماها أثناء دراسته الثانوية بحرصه على أن يكون ضمن فريق التمثيل بالمدرسة. التحق بعدها حسين الشربيني بقسم علم النفس والاجتماع بكلية آداب القاهرة، وفي الكلية التقي حسين أستاذا آخر اكتشف موهبة التمثيل الفطرية عنده وهو الدكتور رشاد رشدي الذي كان مشرفا على فريق التمثيل بالكلية والذي نصحه أن يلتحق بمعهد الفنون المسرحية، وبالفعل التحق حسين الشربيني بمعهد الفنون المسرحية وحصل على البكالوريوس من المعهد عام 1960.

البحث عن الحلم

عقب تخرجه من كلية الاداب عُين حسين الشربيني بالسكة الحديد باسيوط وتسلم عمله لمدة 11 يوما فقط قرر بعدها الاستقالة والعودة للقاهرة، واتجه للعمل بالصحافة فعمل بجريدة الجمهورية لبضعة أيام قبل أن يكتشف أنه خلق للتمثيل فقط. وبعدها بفترة قصيرة التحق الشربيني بمسرح التليفزيون لتجيئه الفرصة التي طالما حلم بها بأن يصبح ممثلا. عمل الشربيني في البداية في مسرحيتي شقة للإيجار ومن أجل ولدي ضمن العروض التي كان يقدمها التلفزيون، وبعدها بفترة قصيرة فتحت السينما أبوابها لحسين الشربيني الذي كان في اواخر العشرينات من عمره، ليشارك في فيلم المارد بطولة فريد شوقي وشويكار عام 1964، وهو أول أعماله السينمائية وبعدها بعام واحد شارك الشربيني في فيلم الجزاء مع شمس البارودي وأبو بكر عزت، وهو الفيلم الذي تناول كفاح المصريين ضد الإحتلال غير أن الفيلم فشل فشلا ذريعا، وتحمل الشربيني جزءا كبيرا من مسئولية فشل الفيلم رغم أنه لم يقم بدور البطولة. ولسنوات حصر المخرجون والمنتجون حسين الشربيني في أدوار نمطية بليدة لا تقدم ولا تؤخر، وكأنهم كانوا يعتقلون موهبته الكوميدية الجبارة بلا مبرر حقيقي سوى أنه شارك في فيلم لم يحقق نجاحا. وانتظر الشربيني ثلاث عشرة سنة كاملة كي تجيء له الفرصة التي تفرج عن موهبته الكوميدية ليشارك الشربيني بدور رئيسي في مسلسل حكاية ميزو مع سمير غانم وفردوس عبد الحميد من إخراج محمد أباظة، حيث قام في المسلسل بدور المحامي النصاب الذي تأتمنه بطلة المسلسل نفيسة أو فردوس عبد الحميد علي مصالحها واملاكها لكنه يخون الامانة. وقد استطاع حسين الشربيني أن يمسك بخيوط الشخصية وأن يقدمها بالشكل الذي يلائمها تماما شخصية النصاب خفيف الظل مدعي الطيبة والنقاء هذه القدرة على الإمساك بتلابيب شخصية محورية كان من المنتظر أن تمنح الشربيني صك الإنطلاق إلي براح الكوميديا التي يعشقها لكن مرة اخري ينتظر حسين الشربيني وقتا ليس قصيرا للحصول على فرصة جديرة بموهبته. وقد كان الشربيني ضد عمل الممثل خارج بلده وكان يرفض تماما السفر للعمل في استوديوهات خارج مصر لكن لانه فنان يعشق الفن ولانه لم يكن يطيق المكوث في منزله كثيرا فقد تخلي الشربيني عن قناعاته ليقبل العمل خارج مصر في مسلسلات دينية وتاريخية وساعدته إجادته للغة العربية علىي أن يكون متواجدا بشكل لائق في هذه الاعمال.

مع حسن سبانخ

ومرة أخرى تجيء الفرصة للشربيني ليبرز ويطلق مواهبه الكوميدية حين اختاره المبدع رافت الميهي ليقوم بدور مهم في فيلم الأفوكاتو أمام عادل إمام ويسرا حيث قام بدور حسونة رجل الأعمال الفاسد الذي يرافق الأفوكاتو حسن سبانخ في السجن فيتلاعب به سبانخ ويستمر سجينا هنا تظهر موهبة حسين الشربيني وقدرته الكوميدية الفذة فنحن امام حسونة الفاسد الظريف أيضا الذي ينادي سبانخ بطريقة تنتزع ضحكاتنا، وقد أدرك حسين الشربيني ما كان يريده رأفت الميهي بالضبط من شخصية حسونة وطريقة تعاملها مع حسن سبانخ، فكانت كل جملة وكل كلمة تخرج مرسومة بحرفية كوميديان قدير.. هنا يقف حسين الشربيني في منطقة وسطي بين الشرير الخالص كعادل أدهم والشرير الظريف كـ «ستيفان روستي»، لكن السينما للأسف كأنها لم تكن تريد أن تعطي حسين الشربيني ما يستحقه، أو أن تستغل موهبته كما ينبغي، وهنا نجد الشربيني وكأنه يريد أن يرد هو الآخر  فيمثل عددا غير قليل من أفلام المقاولات في حقبة الثمانينات كما عمل أيضا في مسرحيات أطلق هو عليها مسارح المقاولات لكنه أيضا لا ينسى المسرح الهادف، فيشارك في مسرحية خشب الورد مع محمود عبد العزيز ومسرحية عطية الإرهابية مع سهير البابلي.

جري الوحوش

ومرة أخرى تصالح السينما حسين الشربيني فتمنحه دورا من أهم أدواره السينمائية، وهو دوره في فيلم جري الوحوش مع نور الشريف ومحمود عبد العزيز وحسين فهمي، هو دور المحامي الطيب الامين المتصالح مع نفسه ومع العالم. لم يكن الدور كوميديا على الإطلاق لكنه دور جاد ومؤثر في الاحداث، فنرى حسين الشربيني وهو يقدم النصيحة الصادقة المخلصة لنور الشريف الباحث عن انجاب ولد يرث ثروته، والتي بدت وكأنها نصائح يقدمها الشربيني لنا جميعا، فمثلا يقول له في محاولة لكبح رغبته المتوحشة في الإنجاب بأي ثمن وبأي طريقة حتى لو تعارضت مع شرع الله: الرزق واحد محدش رزقه بيزيد ولا بينقص عن المكتوب له ونعم ربنا متوزعة علينا كلنا وكلها أرزاق متقسمة علينا بعدل وحكمة. هنا يصبح المحامي أو الشربيني صوتا للحكمة وللتصالح وللمحبة.

وبعد سنوات طويلة علي عرض الفيلم فإن كثيرين من النشطاء علي مواقع التواصل الإجتماعي لايزالون يعرضون المشاهد التي حوت نصائح الشربيني لنور الشريف علي صفحاتهم، لأنها بالفعل مشاهد مؤثرة وتحمل مضامين دينية وانسانية عظيمة، وقد حصل الشربيني على جائزة أحسن ممثل ثاني عن دوره في هذا الفيلم من مهرجان القاهرة السينمائي، وهي نفس الجائزة التي حصل عليها أيضا عن دوره في فيلم الرغبة. ويمكننا القول إن السينما التي ظلمت الشربيني أحيانا أنصفته في كثير من الأحيان، وهو الذي شارك في أكثر من 90 فيلما.

 ولأن الشربيني كان يرى أن الممثل مثل لاعب الكرة لا يجب أن يكف عن السعي للعمل والتواجد في الملعب وأنه حين يجلس في بيته فإن ذلك يكون بمثابة إعلان الإعتزال، فقد كان الرجل حاضرا وموجودا أيضا في المسرح وفي التليفزيون إلى جانب السينما فاستمر يعمل للمسرح بشكل متواصل، فشارك مع فيفي عبده في مسرحية قشطة وعسل، كما شارك في مسرحية الملك هو الملك لمسرح الدولة الذي منح الشربيني لقب ممثل قدير.

وفي الدراما التلفزيونية شارك الشربيني في عدد كبير من المسلسلات التليفزيونية يقدر ب 21 مسلسلا، نذكر منها حكاية ميزو و أبناء ولكن وأيام المنيرة والحفار وغيرها من الأعمال التليفزيونية المهمة، كما شارك بالتمثيل أيضا في برنامجي حياتي وبين الناس.

وفي عام 2003 وبينما كان حسين الشربيني يتوضأ في مسجد التليفزيون انزلقت قدمه وكسر مفصل ساقه اليسري واجريت له جراحة تركيب مفصل صناعي، وأخبر ابنتيه سهى ونهى وقتها أن ما حدث له سيجعله يخلد للراحة والعبادة وقراءة القرآن الكريم، وهو ما حدث بالفعل. وفي 14 سبتمبر  عام 2007 الموافق 13 من شهر رمضان المبارك، وبينما كان حسين الشربيني يستعد للإفطار فاضت روحه إلى بارئها صائما بعد حياة فنية وإنسانية حافلة يمكن تلخيصها كلها في جملة واحدة ،هي أن صاحبها كان إنسانا متصالحا مع نفسه ومع فنه ومع العالم.. رحمه الله.

«حسين الشربيني» مع ابنتيه «سهى، ونهى»

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق