فن

شيخ الفنانين.. عبد الوارث عسر.. أستاذ التمثيل الذى لا يغيب

للفن آباء عظام، رعوه في النشأة رعاية الوالد الحاني، وأغدقوا عليه من أعمارهم وجهدهم؛ وقدموا في سبيله التضحيات الكبار، حتى صاروا مضرب الأمثال في الإخلاص والتفاني.. ورغم ذلك فقد ضنت عليهم حياة الفن وأموره العجيبة فلم يبلغوا أدوار البطولة؛ بل أسرتهم رؤى مختلة المعايير في أدوار بسيطة؛ فإذا بهم يستنطقون الصمت بأداء يسرق الأضواء من الأبطال، ويَرْسُخُ خالدا في الأذهان، باقيا في الأفئدة على مر الزمان.. هكذا كان عبد الوارث عسر، ومعه كثير من أبناء جيله.. استحقوا عن جدارة أن يوصفوا بأنهم «آباء الفن العظام».

عبد الوارث عسر «شابا»

من الدلنجات بحيرة حضر الوالد «علي عسر» إلى القاهرة لاستكمال دراسته بالأزهر الشريف الذي زامل فيه الشيخ محمد عبده.. ثم استهوته دراسة القانون فالتحق بمدرسة الحقوق، وتخرج فيها محاميا موهوبا سرعان ما افتتح مكتبه الخاص، وكان الزعيم «سعد زغلول» أحد من تدربوا على يديه.. سكن السيد «علي» درب الطبلاوي بحي الجمالية، وكان منزله بجوار قصر المسافر خانة الشهير.. في هذا المنزل ولد «محمد عبد الوارث علي يوسف عسر» في السادس عشر من سبتمبر عام 1894، أتم حفظ القرآن الكريم سريعا في أحد كتاتيب الحي الذي كانت تنتشر فيه المقاهي الشعبية، وكان كثير من هذه المقاهي يستضيف «المِحَدِّتْ» الذي يروي القصص الشعبية والسير، وكانت حكايات هذا الراوي هي أول ما شدَّ الطفل «عسر» إلى فنون الدراما، كما حرص – وهو في هذه السن الصغيرة- على حضور خطب الزعيم مصطفى كامل التي كان يلقيها كل خميس بإحدى المدارس الأهلية بحي الجمالية. وكان الصبي يحرص عند عودته إلى البيت على تقليد أداء الزعيم، فلاحظ والده قدرته على التشخيص إلى جانب موهبته في الإلقاء، ناهيك عن موهبة فائقة في الحفظ لفتت انتباه الجميع.

التحق الصغير بمدرسة خليل أغا وحصل على الشهادة الابتدائية عام1909، ثم التحق بالمدرسة التوفيقية الثانوية وفيها تعرف على معلم اللغة العربية الشيخ «أحمد القوصي» الذي كان شاعرا مجيدا؛ فلمس في الفتى مواهب عديدة؛ فضمه لفريق التمثيل، وكلفه بالاتفاق مع أحد الممثلين الكبار لتدريب الفريق على أداء مسرحية تُقدم في حفل ختام العام الدراسي.

في هذا الوقت كانت شهرة الشيخ «سلامة حجازي» قد بلغت الذروة.. ذهب الفتى إليه؛ فاستقبله الفنان العظيم بالترحاب، وأجابه إلى طلبه، بل وأرسل معه أحد مساعديه لعمل التجهيزات اللازمة قبل بدء البروفات.. حرص «عسر» بعد ذلك على توطيد علاقته بمعاوني الشيخ «سلامة حجازي» وكان دائم التواجد في المسرح.. حتى واتته فرصة التمثيل عندما غاب ممثل؛ فاستعانوا به فبهرهم بحفظه للدور.. والحقيقة أنه كان يحفظ هذه المسرحية كاملة، ليس هي فحسب بل كل المسرحيات التي قدمتها فرقة «سلامة حجازي».

الشيخ سلامة حجازي

فى مدرسة جورج أبيض

كبرت آمال الشاب النابه ونمت أشجار أحلامه حتى طاولت السماء، في أن يصبح ممثلا قديرا تلتهب الأكف بالتصفيق له، وتلاحق الصحف الفنية أخباره.. لكنه استيقظ على فاجعة وفاة والده المفاجئة عام 1914، وهو العام الذي تقدم فيه لامتحان «البكالوريا» وبدلا من الالتحاق بالجامعة اضطر للعودة إلى الدلنجات مع والدته وأخيه «حسين» وأخته «سنية» لرعاية أرضهم التي ورثوها عن والدهم.. ابتعد «عبد الوارث» عن القاهرة موطن فؤاده المتعلق بالفن لثلاث سنوات قضاها في القراءة وكتابة الشعر، كان مولعا بالعربية وعلومها وفنونها؛ فانكب على دراستها دراسة حرة، وعمل على تثقيف نفسه بالقراءة الجادة محاولا قدر جهده تعويض ما فاته من العلم بعدم اتمام دراسته الجامعية.. لكنه لم يحتمل البعد عن الفن أكثر من ذلك؛ فباع قطعة من الأرض التي ورثها وعاد إلى القاهرة، بعد أن تواترت الأنباء عن عودة «جورج أبيض» من أوروبا، وإحداثه ضجة هائلة في عالم المسرح بما استحضره معه من أساليب وتقنيات حديثة وتطويره للأداء المسرحي.. كان عسر قد أتم تأليف مسرحية عن مقتل الخليفة المتوكل؛ فذهب إلى «جورج أبيض» وعرضها عليه؛ فطلب منه أن يؤدي مشهدا تمثيليا أمامه؛ فألقى «عسر» على أسماعه خطبة الحجاج بن يوسف الثقفي يوم وُلي العراق؛ فأعجب به «جورج» على الفور وضمه للفرقة.. وكان أول تواجد له على المسرح في دور قسيس إسباني يقف صامتا خلف رئيس محكمة التفتيش في رواية تحكي مأساة العرب بالأندلس المفقود، ثم تضحك الأقدار له مجددا عندما يُمنح دور أحد الممثلين كان قد مرض فجأة، ليلة عرض إحدى روايات الفرقة بحضور السلطان فؤاد- قبل تحول مصر إلى مملكة- وبحضور ممثلين عن كل الصحف المصرية يؤدي «عبد الوارث» أداء معجزا جعل منه حديث الجميع، حتى وصفته الصحف بالممثل المعجزة.. ثم يسند له «جورج» دور مدير المسرح المُسن في رواية «الممثل كين» تلاه دور الراعي العجوز في مسرحية «أوديب ملكا» وقد عدّل «عسر» أداءه للدور بعد ضحك الجمهور عند سقوط الراعي، بعد استشارة طبيب عن الشيخوخة وهل يمكن أن تكون بلا رعشة ظاهرة؟ أجاب الطبيب أن ذلك يحدث عندما يكون الإنسان مصابا بالتصلب، فوجد الفنان ضالته في هذا الرأي، فذهب إلى المسرح واختار لحية أقصر، وبدا على المسرح في مشية متثاقلة وحركة بطيئة، حتى إذا سقط تحت قبضة الملك؛ وجم الجمهور وجوم المتأسف والتزم الصمت.. يحكي «عسر» عن تلك الليلة أنها كانت من أسعد ليالي حياته، وقد نال استحسان الجميع، وعلى رأسهم أستاذه «جورج أبيض».

 ورغم أن عمر فناننا لم يتجاوز حينذاك الثالثة والعشرين؛ إلا أن أدوار الأب والجد والشيخ المسن لازمته ولم يستطع منها فرارا، وقد أقنعه «عمر وصفي» المدير الفني لفرقة عبد الرحمن رشدي التي التحق بها بعد تركه لفرقة «جورج أبيض» بأن أدوار الرجل المتقدم في السن تتيح له مجالا أوسع للعمل، أما أدوار الشباب فهي قليلة وتعتمد على وسامة الممثل الذي يؤدي أدوار الحب.

نصيحة سيد درويش

فى تلك الأثناء اقترب «عبد الوارث» كثيرا من فنان الشعب «سيد درويش» ومثل معه في عدد من المسرحيات الغنائية، وقد ساعد على نجاحه في أداء تلك الأدوار التزامه بنصيحة الشيخ سيد التي أكدت على الاهتمام بالتعبير الدرامي عن اللحن دون محاولة التطريب.

تأثرت الفرق الفنية كثيرا بالحرب العالمية الأولى حتى بعد انتهائها وأغلقت المسارح أبوابها؛ فاضطر «عسر» للالتحاق بوظيفة بقسم الحسابات بوزارة المالية عام1921، وترقى إلى أن وصل إلى منصب رئيس قلم الصرف بحسابات الديوان الملكي، ثم خرج راغبا في المعاش المبكر عام 1946، بعد ربع قرن في خدمة «الميري» لم ينقطع خلالها عن العمل بالفن.

 وقد ارتبط «عبد الوارث» بعلاقة صداقة قوية مع «سليمان نجيب» وأسس معه جمعية «أنصار التمثيل» وكانا يقومان بترجمة المسرحيات من الإنجليزية والفرنسية، كما كتبا معا أربع مسرحيات والعديد من التمثيليات الإذاعية.

تميمة الحظ لعبد الوهاب

في عام 1938 اشترك «عسر» في بطولة فيلم «يحيا الحب» من إخراج «محمد كريم» الذي أصبح فيما بعد صديقه المقرب.. تم التصوير في باريس وحقق الفيلم نجاحا كبيرا ما جعل بطله «محمد عبد الوهاب» يتمسك  بوجود «عبد الوارث عسر» في كل أفلامه التالية، وقد شارك «عسر» «كريم» في تأليف أفلام «يوم سعيد» و«دموع الحب» و«لست ملاكا» وفي فيلم «رصاصة في القلب» الذي لم يكن فيه دور لـ «عسر» أصر «عبد الوهاب» على تواجده فيه، فاختار دور «شحاذ» يظهر في مشهدين إرضاء لـ «عبد الوهاب».

كتب «عسر» للسيدة أم كلثوم سيناريو فيلميها «سلاَّمة» و«عايدة» ولكنه رأي أن دور «سلاَّمة» يحتاج إلى ممثلة من العيار الثقيل، فاقترح على مؤلف العمل «بيرم التونسي» أن تغني «أم كلثوم» أغاني الفيلم، وأن يُرَكَّب الصوت على صورة الممثلة الأخرى؛ لكن «بيرم» نقل وجهة نظر «عسر» إلى «أحمد حسنين باشا» رئيس الديوان الملكي الذي أسرع بالاتصال بـ «عسر» طالبا منه أداء دوره في الفيلم دون إبداء أي ملاحظات على أداء «أم كلثوم» التي كادت أن تصيب المخرج «توجو مزراحي» بجلطة بسبب مخالفتها لنصائحه أثناء التصوير، ما جعله يصف نفسه بـ «الحمار» لأنه لم يستمع لنصيحة «عسر» من البداية.

اعتز «عبد الوارث» كثيرا بكتابته سيناريو فيلم «زينب» عن قصة الدكتور محمد حسين هيكل الذي أذن له بإجراء ما يراه من تعديلات على القصة الأصلية، فحذف شخصيات، واستحدث شخصيات أخرى، وقد نال السيناريو إعجاب الدكتور هيكل، وكان المخرج محمد كريم قد أنتج الفيلم عام 1928، قبل السينما الناطقة، فلما أراد إنتاجه من جديد عرض الأمر على صديقه «عبد الوارث» فرحب بالفكرة وكان معه يدا بيد في كل مراحل إنتاج الفيلم.

علامات

من أهم العلامات في مشوار «عسر» السينمائي دوره في فيلم «صراع في الوادي» من إخراج يوسف شاهين عام 1954، ودوره المتميز في رائعة صلاح أبو سيف «شباب امرأة» عام 1956، ودوره في فيلم «الأرض» من إخراج  يوسف شاهين أيضا عام1970، ودوره في فيلم «الرسالة» 1977 من إخراج مصطفى العقاد.. وغيرها من الأدوار في أكثر من 300 فيلم.. وعدد كبير من المسرحيات لم تحتفظ ذاكرة «ماسبيرو» منها سوى بمسرحية «السكرتير الفني» إنتاج عام 1968، حين أدى «عسر» دور الشيخ خميس مدرس اللغة العربية بشكل كوميدي أبهر الجمهور.. إلى جانب ذلك شارك  عبد الوارث عسر  في مئات الأعمال الإذاعية على مدى ما يزيد عن نصف قرن، إلى جانب العديد من الأعمال التليفزيونية منها تمثيلية «الدرس الأخير» عام 1977، وهي البطولة المطلقة الوحيدة التي أتيحت له.. ويروي حفيده الفنان «محمد التاجي» أنه سجّل القرآن الكريم كاملا مجودا لحساب أحد المنتجين السوريين؛ لكن هذا التسجيل لم يظهر للنور ولا يدري أحد مصيره إلى الآن بعد أن واجه اعتراضا من الأزهر حال دون طبعه وتداوله.

الفنان «محمد التاجي» حفيد الفنان «عبد الوارث عسر»

كما ترك لنا ذلك الفنان الشامل كتابا في فن الإلقاء ظل لسنوات مرجعا للتدريس في المعهد العالي للسينما الذي درَّس فيه مادة الإلقاء في الفترة من 1959إلى 1976، كما درّس نفس المادة بالمدرسة التوفيقية وجامعة الأزهر وكلية الشرطة.. وقد كتب «عسر» العديد من القصائد أشهرها «على ربا عرفات» التي ألفها أثناء رحلته للحج وهي من 140 بيتا، وقصيدة «إلهي» التي كتبها بعد تعرضه لأزمة قلبية، وقصائد أخرى نشرت في مجلة الهلال، ويذكر أن له ديوان شعر لم يطبع، وديوان بعنوان «أزجال عبد الوارث عسر» يضم تسجيلا لأحداث حرب أكتوبر المجيدة في تقارير شبه يومية بالزجل، وقد وردت ترجمة له في معجم «البابطين» الشهير الخاص بشعراء العربية.

حصل «عبد الوارث عسر» على وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى من الرئيس جمال عبد الناصر، وجائزة الدولة التقديرية، ووسام الفنون في السبعينات، وقد أصدرت الدولة طابع بريد يحمل صورته تكريما له، كما حصل على جائزة عام 1956، عن دوره في فيلم «شباب امرأة» وشهادة جدارة من الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما، وشهادة تقدير من الهيئة العامة للسينما وجمعية الفيلم وعدة جوائز في التأليف السينمائي.

وفي 22 أبريل عام 1982، رحل عن عالمنا الفنان «عبد الوارث عسر» بعد أن أثرى الفن المصري بالعديد من الاعمال العظيمة، كما كانت له أجل الآثار في التأليف والتدريس والتدريب وشتى ميادين الفن.. رحم الله شيخ الفنانين، وشاعر المسرح الذي منح الفن المصري أعظم العطايا مخلصا راضيا ولم يلق من التقدير سوى أقل القليل كما هو الحال دائما مع آباء الفن العظام.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق