منوعات

تفسير علمي.. هل الرجال «قتلة» بطبعهم؟

منذ  بداية الخليقة وحتى اليوم يمتلىء العالم بجرائم عنف بأنواعها.. من القتل الفردي وحتى العمليات الإرهابية والحروب.. اختلفت دوافع المجرمين وجنسياتهم وحتى دياناتهم، لكن العامل المشترك الوحيد أنهم غالبًا ما يكونون ذكورا، حيث يرتكب الرجال 90 في المائة من جرائم القتل على مستوى العالم أجمع، وفي نسبة كبيرة من تلك الجرائم يكون الضحايا رجالا أيضًا، فما سبب هذا العنف الذكوري وكيف يمكن مقاومته؟

 هل هى الهرمونات؟

 في عام 1927 أجرى أستاذ الكيمياء «فريد سي كوك» تجربة بجامعة شيكاغو لمعرفة تأثير الهرمونات على السلوك، حيث جمع عددًا كبيرًا من الديوك المعقمة – أي التي أزيلت أعضاؤها التناسلية – وحقنهم بهرمون الذكورة «التستوستيرون»، فأصبح سلوكهم أكثر عنفًا،- وهو السبب الذي يتم تعقيمهم لأجله في الأساس-، فبالإضافة لمنعهم من مهاجمة أقفاص الدجاج، يجعلهم ذلك أيضًا هادئين وبالتالي أقل احتمالية لمهاجمة بعضهم البعض.

الأمر الذى يبدو معه أن هناك ارتباطا وثيقًا ما بين هرمون الذكورة والعنف، ورغم أن هرمون التستوستيرون موجود أيضًا في أجسام النساء لكنه بكميات أقل بكثير، حيث يمكن أن يوجد لدى الرجل ما يصل إلى 20 ضعفا مما لدى المرأة من هذا الهرمون، وهو ما يشكل الفارق الجوهري.

وقد أثبتت دراسة كندية أن معدلات الإستعداد للقتل وارتكاب الجرائم متساوية تقريبًا ما بين النوعين حتى سن 14 عامًا، وهو سن البلوغ، حيث تحدث طفرة مفاجئة في معدلات الإستعداد للقتل لدى الفتيان فقط، بينما تظل نسبة الإستعداد للقتل لدى الفتيات تقريبًا كما هي، وتعتبر هذه ظاهرة عالمية.

نظرية الذكر المحارب

لكن الدراسات الحديثة أثبتت أن فوز الذكور في الرياضات التنافسية- حتى وإن اعتمدت على التفكير والتركيز فقط – مثل الشطرنج، يزيد من معدلات التستوستيرون، في حين أن الخسارة تخفض هذه المعدلات، وبالتالي ففي الحالتين يعتمد معدل التستوستيرون على السلوكيات التي ينخرط فيها الرجال بالفعل، لكنه لا يسبب السلوكيات نفسها، تمامًا كما يفرز لدينا جميعًا الأدرينالين في مواقف الخطر، يفرز لدى الرجال هذا الهرمون في المواقف التي تستدعي الغضب.لذا فإن ميل الرجال للعنف يعود لأسباب أخرى بالإضافة إلى هرموناتهم. وقد وضع عالم النفس التطوري الهولندي «مارك فان فوغت» ما يسمي بـ«نظرية الذكر المحارب» لتفسير أسباب حاجة الذكور لتطوير صفات العنف بشكل أكثر من الجنس االناعم على مر العصور، وافترض «فوغت» أن البشر كانوا يعيشون في مجموعات منذ بدء الخليقة، وكان الذكور من المجموعات المختلفة في صراع دائم ما بين بعضهم البعض على الأرض ومصادر الغذاء، حيث  كان الرجال الأقوى والأكثر عنفًا يستولون على مصادر الغذاء مما يعطي لنسلهم فرصة أعلى في البقاء وبالتالي تمرير جيناتهم لأجيال أكثر وبعد تكرار تلك العملية لآلاف المرات تترسخ تلك الجينات بطبيعة الحال في الذكور، لذا عبر التاريخ وحتى الآن يرتبط العنف والرخاء ارتباطًا وثيقًا، حيث أن الدول الأقوى والتي تمتلك أسلحة أكثر تعيش شعوبها في رخاء وتستحوذ على معظم مصادر القوة في العالم، وهذا ما يجعل الرجال يخوضون حروبًا للحصول على المزيد من الأراضي ومصادر الغذاء والقوة.

مفاهيم مغلوطة

ولكن هل يعني هذا أن العنف صفة أصيلة في كل الذكور لا يمكن الفكاك منها؟ في الواقع يبدو أن هذا العنف الذكوري هو نتاج ثقافتنا بقدر ما هو نتاج الهرمونات، حيث تتم تنشئة الأطفال الذكور على العنف منذ نعومة أظفارهم، بتشجيعهم على صفات القوة والعنف باعتبارها خاصة بالرجولة، في حين يتم تربيتهم على عدم إبداء الضعف أو التعاطف أو الاهتمام بمشاعر الآخرين باعتبارها صفات خاصة بالنساء، حتى أن ألعابهم تعتمد على العنف والضرب مثل البنادق والدبابات والقنابل.
ويمكننا فى هذا السياق تفسير سبب شيوع مسلسلات وأفلام العنف والبلطجة، حيث يحب الرجال شخصية البطل الذي يقتل ويسب طوال العمل الفني، كما تحبه النساء أيضًا للأسباب نفسها، لأن هذا هو مفهوم الرجولة في مجتمعنا وعلى مستوى العالم أيضًا، حيث البقاء للأقوى، ومن يبدي عنفًا أكثر يحصل على مكانة أكبر وينجح على نطاق أوسع.
على الجانب الآخرو في مواقف معينة تبدي النساء مستوى العنف ذاته الموجود عند الرجال، كما تظهر النساء الرياضيات مستوى القوة والتنافسية نفسه، وإذا كانت مجندة في الجيش مثلا  فإنها تقتل العدو بنفس الحماس، وهو ما يعني أن كلا الجنسين يمكن أن يصبح عنيفًا أو قاتلًا، ولكن لاختلاف النشأة ونظرة المجتمع يتحفز الرجال لممارسة العنف بمعدلات أكثر بكثير، خاصة أنهم يمتلكون الهرمونات المغذية للعنف بالفعل.

إن الرجولة الحقيقية مفهوم له جوانب إيجابية كثيرة، حيث تعني القوامة والحماية والرعاية، أما اختزالها  في العنف والقسوة وسحق الآخرين، فهو ما يؤدى إلى ظهور أجيال تصبح فريسة سهلة للتطرف والإرهاب والقتل.. ولا يحتاج الأمر آلاف السنين ليتغير هذا المفهوم الخاطى، بل بتغيير تلك الاعتقادات السائدة المغلوطة عن معنى الرجولة. فالرجولة لا تساوي العنف، والمجتمعات التي يتربى فيها الأطفال على العنف تعانى قنبلة موقوتة داخلها تجعل هناك ضحية جديدة كل دقيقة.

المصدر:

Why Are Violent Killers Almost Always Men?

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: