فن

فردوس محمد.. «أم السينما المصرية»

كل معانى الأمومة تتجسد حية ناطقة على ملامح وجهها الطيب البرىء، لا يمكن أن تتصورها إلا أما رؤوما، وهكذا تصورها المخرجون حين حصروها فى دور الأم.. والأم فقط. ورغم أن حصر الفنان فى دور واحد فقط  هو أمر يضر به ويحاصره إلا أن فردوس محمد كسرت تلك القاعدة الفنية المعروفة. فكلما كان دور الأم كانت فردوس.. حاضرة.. متألقة.. مبدعة ومحبوبة.. وربما كانت ظروفها الخاصة سببا مهما فى أن تكون هى أفضل من أدى دور الأم على شاشة  السينما المصرية.

أغرب حالة زواج

ولدت فردوس محمد، في 13 يوليو عام 1906، بحي المغربلين في مدينة القاهرة، وتوفى والداها وهي صغيرة، وكان والداها قريبين من الشيخ علي يوسف مؤسس جريدة «المؤيد» فتولى تربيتها وألحقها بمدرسة إنجليزية بحي الحلمية، حيث تعلمت القراءة والكتابة والتدبير المنزلي وتربية الأطفال.

 بدأت فردوس مشوارها الفني عندما التحقت بفرقة عبد العزيز خليل وقدمت أول عمل مسرحي لها على الإطلاق في عام 1927 وهي مسرحية إحسان بك، لتعمل بعدها في فرقة فوزي منيب الفكاهية، وخلال عملها في هذه الفرقة تزوجت من الممثل والمونولوجست محمد إدريس، وهو زواج غريب جاء بالصدفة البحتة وكان مقررا أن يكون زواجا صوريا. فقد تلقت فرقة فوزى منيب دعوة لتقديم عروضها فى فلسطين، لكن القوانين في مصر وقتها، لم تكن تسمح بسفر الفنانات غير المتزوجات، ووقعت الفرقة في ورطة لأن فردوس كانت تقوم بدور رئيسي في المسرحية، ولا يمكن استبدالها بأخرى متزوجة، واقترح فوزي منيب صاحب الفرقة، أن تتزوج فردوس محمد، من أحد أعضاء الفرقة زواجًا صوريًا ووافقت فرودس محمد على الاقتراح، فتم اختيار المونولوجست «محمد إدريس» لهذه المهمة وسافر الاثنان ضمن الفرقة إلى فلسطين، وقدمت الفرقة عروضها لأيام عديدة. وفي إحدى الليالي، وبعد انتهاء العرض المسرحي قال محمد إدريس لفردوس أنه يحبها ويطلبها للزواج فعلاَ فوافقت واحتفلت الفرقة بزفافهما في الفندق الذي تقيم فيه وتحول الزواج الصوري إلى زواج حقيقي واستمر لمدة خمسة عشر عامًا انتهى بوفاة محمد إدريس. وقد عزفت عن الزواج بعد وفاته حبا ووفاءً له.‏

صداقة وعمل مع النجوم

في عام 1935 اتجهت فردوس محمد للعمل بالسينما، لتقوم بأول أدوارها  في فيلم «دموع الحب» بطولة محمد عبد القدوس والموسيقار الراحل «محمد عبد الوهاب» واخراج المخرج المبدع «محمد كريم» الذي أسند لفردوس دور أم «محمد عبد القدوس» رغم أن عمرها وقتها لم يكن قد تجاوز التاسة والعشرين، وبذلك يكون كريم هو أول من اكتشف ملاءمة فردوس محمد لدور الأم مبكرا جدا.

مثلت فردوس محمد مع كبار الفنانين، فقد كان الفنان الراحل «نجيب الريحاني» يتفاءل بوجودها معه في أي عمل، حتى أنه في فيلم «غزل البنات» لم يجدها ضمن فريق عمل الفيلم فكاد أن يعتذر عن الدور، فما كان من منتجي الفيلم إلا أن بحثوا لها عن دور وبالفعل أسندوا لها دور مربية الفنانة «ليلى مراد».

كما وقفت أمام الفنان «عبد الحليم حافظ» بدورها الرائع  فى فيلم «حكاية حب» حيث جسدت ببراعة دور الأم الكفيفة التي كانت تخشى على ابنها المريض من نهايته المحتومة، فجاء اداؤها طبيعيا فاستحقت عنه بكل جدارة لقب «أم السينما المصرية»،.

ارتبطت فردوس محمد بعلاقة صداقة قوية مع كوكب الشرق أم كلثوم منذ أن قامت بدور والدة أم كلثوم فى فيلم فاطمة رغم أنها كانت تصغرها سنا، كما ارتبطت بصداقة وطيدة مع الفنانة زينب صدقى، ودائما ما كان ثلاثتهن يلتقين فى فيلا أم كلثوم بالزمالك أو بيت زينب صدقى بالأسكندرية.

وصل إجمالي عدد أفلامها إلى 127 فيلما، منها: «بياعة التفاح، سفير جهنم، سيدة القطار، صراع في الميناء، إحنا التلامذة، حكاية حب، الطريق المسدود، سيدة القصر، رُد قلبي، أين عمري، شباب امرأة، ابن النيل، أبو حلموس، سلامة في خير، وعفريتة إسماعيل ياسين، وغزل البنات»، وكان آخرها فيلم  مثلته «عنتر ابن شداد» الذى عرض عام 1961 و قامت فيه بدور أم عنتر «فريد شوقى».

مأساة شخصية

لم تكن فردوس محمد محظوظة مع الإنجاب في الواقع، رغم كونها أشهر أم فى السينما المصرية، حيث توفى 3 أبناء لها بعد ولادة كل منهم مباشرة، حتى نصحتها إحدى صديقاتها بأنه حال إنجابها طفلًا آخر يجب أن تخفي نبأ الولادة منعًا للحسد، وتقول إن المولود توفي كالعادة، ثم تعلن تبنيها طفلًا من أحد الملاجئ.

وبالفعل وفي عام 1941، أنجبت «فردوس» ابنتها «سميرة»، ونفذت ما نصحتها به صديقتها، لتعلن تبنيها لها بعد 3 أسابيع من إخفاء أمر ولادتها، ويصير الأمر هكذا طيلة 17 عامًا، وحين تزوجت سميرة من مدير التصوير السينمائى محسن نصروفى يوم زفافها، انهمرت دموعها «الأم» «فردوس محمد» بشدة، واعترفت بحقيقة ابنتها، معلنة أن العروس ابنتها، بالفعل وليس بالتبنى وهو ما لم يصدقه الحضور وقتها، معتبرين أن ما أفضت به هو لرفع الروح المعنوية لـ «سميرة».

  انقطعت فردوس محمد عن  العمل بسبب مرضها، فقد كانت تكتم آلامها ولا تتعاقد مع أي مخرج أو منتج حتى لا يتعطل العمل لو تمكنت منها آلام المرض وهي تؤدي الدور..

وفي الثاني والعشرين من سبتمبر 1961 رحلت فردوس محمد عن عمر ناهز الـ55 عاما بعد صراع مع مرض السرطان، تاركة خلفها رصيدا هائلا من الأفلام التي اعتبرت من اهم كلاسيكيات السينما المصرية.

اقرأ أيضا:

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق