منوعات

فرويد.. مُفسّر الأحلام.. وصانع الجدل

بعد مرور ثمانين عاما على وفاته، لا يزال سيجموند فرويد محل خلاف وجدل بين الكثيرين من المتخصصين في مجال علم النفس، غير أن هذا الخلاف الكبير حول منهج فرويد لم يقلل من شأن إبداعه المتنوع شيئاً، فله ما يزيد عن عشرين كتاباً، وما يزيد عن ثلاثمائة مقال، إلى جانب العديد من المذكرات والمسودات والأجندات وما يقرب من عشرين ألف رسالة.

ترجمت مؤلفات فرويد إلى قرابة خمسين لغة، وبات أرشيفه في متناول اليد «بمكتبة الكونجرس» الأمريكي في واشنطن، كما كُتبت عن حياته عشرات السير، أولها السيرة التي صدرت وهو على قيد الحياة عام 1934، والتي كتبها تلميذه فريتز ويتلز، وآخرها السيرة التي صدرت عام 1988 بقلم بيتر غاي.

كتاب تفسير الأحلام

الحلم بوصفه عالما مجهولا منح المنجمين والسحرة وبعض رجال الدين على مر العصور سلطة كبيرة فوق سلطتهم، يفرضون عبر تحكمهم في رموز ذلك العالم الخفي رؤيتهم لما يجب أن يكون عليه العالم.

من هنا تأتي أهمية كتاب «تفسير الأحلام» لفرويد، فرغم مرور أكثر من مائة عام على تأليفه، وأكثر من نصف قرن على ترجمته للعربية، مازال يحتل مكانة خاصة في حقل علم النفس، حيث تمكن فرويد بهذا الكتاب من نقل عالم الحلم كعالم غيبي إلى عالم الإختبار والبحث والدراسة. وهو ما فتح أبواب المعرفة النفسية، سواء في مجال التحليل والعلاج أو الإختبار.

صدرت الطبعة الأولى من كتاب «تفسير الأحلام» عام 1900 وها هو ذا فرويد عام 1931 بعد أن كان قد نشر عشرات الرسائل والكتب يسجل رأيه في كتابه هذا قائلا: «إنه حتى فيما أرى اليوم يحوي أثمن الكشوف التي شاء حسن الطالع أن تكون من نصيبي، فمثل هذا الحدس لا يأتي في العمر مرتين».

اتفق فرويد مع مختلف علماء النفس على أن وظيفة الحلم الفسيولوجية تتمثل في حماية النوم والحفاظ على استمراريته، إلا أنهم اختلفوا حول عمل الحلم وأهدافه. إذ يرى فرويد أن عمل الحلم يتمثل في نهاية الأمر فى تحقيق رغبة ما، مهما كانت نتائجها «مفرحة، محزنة، مفزعة»، وتعود تلك الرغبة في الأصل إلى المكبوت بالسنين الأولى من مرحلة الطفولة. كما يرى فرويد أن الحلم لا يقتصر على تحقيق رغبة مكبوتة وحسب وإنما يعد جزءا مهما من الواقع النفسي لصاحب الحلم. فالحلم يعد في مجمل سيناريوهاته تجسيدا للواقع النفسي، حيث تبدو الأنا مفتتة موزعة على أدوار عديدة.

كما اعتبر فرويد أن الحلم كناية عن نص نقرؤه في شكله الظاهر، ونستأصل منه عن طريق التأويل النص الباطن.. الحلم كناية عن نص مكتوب، والمحلل النفسي هو القارىء والسامع لمعرفة يستخرجها كانت تجهل نفسها لدى صاحبها.

وقد اشتمل كتاب «تفسير الأحلام» على مجمل الأسس التي قامت عليها دراسات فرويد اللاحقة في شتّى نواحي الحياة الإنسانية، مثل كتابه «علم النفس المرضي في الحياة اليومية»، ثم كتابه «الطوطم والتابو» الذي أرسى فيه قواعد علم الأنثربولوجيا الإجتماعية الحديثة، ثم كتابه «ثلاثة مقالات في النظرية الجنسية» الذي عالج فيه العلاقة بين اضطرابات النمو النفسي والجنسي أثناء الطفولة وبين ما يُلم بالراشد من أمراض وانحرافات نفسية… وغير ذلك من دراسات أرست أساسيات علم التحليل النفسي.

الأحلام بين الماضى والمستقبل

في مقدمة كتابه «تفسير الأحلام» يقول فرويد إنه كان حائرا بين أن يختار العمل على أحلامه هو شخصيا، أو العمل على أحلام مرضاه الذين يعالجهم، لكنه في النهاية  اختار أن يجمع بين أحلامه وأحلام مرضاه، إلى جانب أحلام عدد من الأصحاء في محيطه.

هنا يشير فرويد إلى أن الحلم يستمد مادته من الواقع ومن الحياة الذهنية التي تدور حول هذا الواقع.. أما عن تفسير الحلم عند فرويد فهو أمر يقوم على التفسير الرمزي، والنجاح فى تلك العملية يظل مرهونا بالتخمين والحدس المباشر.

ويختتم فرويد دراسته عن «تفسير الأحلام» بطرح تساؤل عن قيمة الحلم في إطلاعنا على الغيب؟ ويجيب عن ذلك بالقول : «إن الأحلام تحيطنا علما بالماضي، فالحلم فرع من الماضي بكل معنى من المعاني. ومع هذا فاعتقاد القدامى أن الأحلام تنبىء بالمستقبل لا يخلو كل أحيانا من الصدق. فالحلم مهما يكن من أمر يسلك بنا جهة المستقبل إذ يصور رغباتنا محققة».

حياة فرويد

ولد فرويد في 6 مايو 1856 في بمدينة «فرايبرج»، «ميهرن» التابعة لتشيكوسلوفاكيا حاليا، كان والده تاجر صوف هاجر عام 1844 إلى الاتحاد السوفيتي، وفي عام 1860 هاجرت الأسرة مرة ثانية إلى فيينا.

درس فرويد بفيينا الطب وتخرج عام 1881، ومن ثم أصبح محاضراً جامعياً في الأمراض العصبية عام 1885، عمل خلال أعوام (1893 – 1895) مع بروير على كتابهما «دراسات حول الهيستريا»، ذلك الكتاب الذي أصبح بداية التحليل النفسي كعلم نظري.

عندما تخلى فرويد عام 1897 عن التنويم المغناطيسي وأحل محله استخدامه لطريقة «التداعي الطليق» تحول علم النفس من علم نظري ليصبح علما تطبيقيا، من ثم أسس عام 1910 «الرابطة الدولية للتحليل النفسي».

كان فرويد إلى جانب ذلك ذا موهبة أدبية كبيرة، حتى أنه حاز عام 1930 على جائزة «جوته» في الأدب، على مقال أدبي جاء تحت عنوان «الزوال» كتبه عام 1916.

عام 1938 بعد احتلال النازيين للنمسا، هاجر فرويد إلى لندن، وهناك توفي في 23 سبتمبر 1939، تاركا خلفه ميراثا علميا مازال يشغل العديد من الباحثين بمختلف أنحاء العالم حتى اللحظة الراهنة، مازال فرويد يثير الجدل بأساطيره وولوجه إلى عالم الأحلام وحكاياته عن الجماعات البدائية وتلاميذه والنساء اللاتي مررن بحياته ومرضاه المختلفين.

المصادر:

  • سيغموند فرويد، مصطفى صفوان (مترجما)، تفسير الأحلام، المركز العربي للأبحاث النفسية والتحليلية، بيروت، دار الفارابي، 2003.
  • سيغموند فرويد، بوعلي ياسين (مترجما)، الطوطم والتابو، سوريا، دار الحوار، 1983.
  • اليزابيث رودينسكو، سلمان حرفوش، (مترجما)، سغيموند فرويد في زمانه وفي زماننا، القاهرة، دار التنوير، 2018.

صورة الغلاف

تصميم: عبد الله محمد

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق