ثقافة

مستقبل الصحافة الثقافية في مصر.. بين الواقع والمأمول

كانت الصحافة الثقافية في مصر، بمثابة مشعل النور الذي يشق براثن الظلامية والجهل، بما تحمله من أنوار المعرفة والجمال عبر أكثر من قرن من الزمان. وخلال تلك السنوات الطويلة ظهرت العديد من المجلات والصحف الثقافية التي انشئت للاستنارة، متناولة الموضوعات برشاقة وخفة بعيدًا عن الابتذال والسطحية، ومقدمة رؤى وحلول، غير منفصلة عن واقعها الذي تحياه، بواسطة أسماء وقامات عظيمة من المفكرين والأدباء والمبدعين.. لكن كيف يبدو واقع الصحافة الثقافية اليوم ؟، ولماذا تراجع دورها في الواقع الثقافي والراهن وما هي أسباب ذلك؟.. في هذا التحقيق تحاول «أصوات أونلاين» البحث عن إجابة عن كل تلك الأسئلة.

محنة الصحافة الورقية

في البداية يرى الروائي والقاص الدكتور شريف صالح، أنه لا يمكن فصل أزمة الصحافة الثقافية الورقية وما تشهده من تراجع، عن محنة وتراجع الصحافة الورقية عموما، وهذا واضح من قلة عدد المجلات الثقافية وضعف تأثيرها مقارنة بما كان عليه الحال والاربعينيات والخمسينات والستينات من القرن الماضي.

شريف صالح

 لكن من ناحية أخرى، -يضيف صالح – ثمة انتعاش للصحافة الثقافية الالكترونية، مع انتعاش المدونات والمنتديات ووسائل التواصل الاجتماعي.. ففي السابق كان الكاتب يرسل نصه بالبريد العادي، وينتظر أسابيع كي يحظى بالنشر، أما الآن فهو ينشره فورًا، بل ويتلقى عليه التعليقات وعلامات الإعجاب، وربما يحظى بقراءة  أوسع عبر العالم كله.

ويضيف صالح أنه ليس متشائما من تراجع الصحافة الورقية وغياب الصحافة الثقافية، لأن العصر الالكتروني فتح فضاء أرحب للمنتج الثقافي، وأيضا حرره من الرقابة المعتادة على الورقي. لكن هذا العصر له سلبياته أيضا – كما يقول صالح، فالوفرة الهائلة في وسائط النشر، شجعت كثيرين على الكتابة ونشر الكتب.. فطغى الكم على الكيف.. والصنعة على الموهبة.. وارتبط ذلك أيضًا باللصوصية وانتهاك حقوق الملكية الفكرية، أي أن الوفرة كانت على حساب الجودة والمعايير.

اقرأ أيضا: 

ثورة الصحافة الثقافية

ويؤكد الروائي ناصر عراق، أن ازدهار الصحافة الثقافية لا يمكن أن يتحقق إلا في مناخ سياسي عفي وحر، كما أن الصحافة الثقافية الورقية في العقد الأخير تعرضت لمشكلات كبيرة، بعد أن زاحمتها المواقع الإلكترونية بحيويتها وجرأتها وقدرتها الفائقة على نشر الأخبار في التو واللحظة، الأمر الذي يثير العديد من المشكلات الرئيسة بشأن مستقبل الصحافة الثقافية الورقية.

ناصر عراق

ويضيف «عراق»: «لذا أزعم أن هذه الصحافة في حاجة إلى (ثورة) في إدارتها وتحريرها لتسترد بهاءها القديم»، ويقدم عراق في هذا ا لصدد مجموعة من العوامل التي يراها ضرورية في أي مسؤول ثقافي يتصدى لإصدار مطبوعة ثقافية ورقية، يطمع في أن تكون ناجحة وجذابة ومؤثرة، ومنها أن يتمتع المحرر الثقافي بالحس الصحفي الرفيع قبل أي شيء، وأن يمتلك رؤية فكرية واضحة لدور الصحافة الثقافية وأهميتها في تطوير المجتمع، وأن يتمتع بقدرات لغوية ممتازة، وأن يطّلع باستمرار على أحدث الإصدارات الفكرية والأدبية والفنية في العالم.

اهتمام متراجع

أما الشاعر والكاتب مصطفي الجارحي فيقول إنه ومن واقع تجربته في العمل في عدة مؤسسات صحفية مصرية وعربية؛ فقد وجد أن صفحات الثقافة والإبداع تتذيل اهتمامات مسؤولي الصحف الورقية (جرائد أو مجلات).. فحين يأتي إعلان ما في اللحظات الأخيرة، قبيل الطبع، تأتي التعليمات على الفور بتأجيل صفحة الثقافة.. هذا هو المحك الأهم الذي تقاس عليه وبه أهمية الثقافة لدى أعلى سلطة في المؤسسة الصحفية.. فيما صفحات الحوادث والرياضة والفن، على سبيل المثال، لا يطرأ عليها أي تعديل أو تأجيل.

مصطفى الجارحي

ويلفت  الجارحي إلى أنه مع ظهور الصحافة الإلكترونية كان لابد للثقافة أن تحصل على حيزها الذي يليق بمكانتها المهمة، خاصة في تبويب المواقع منذ تدشينها، فأصبح لها قسم خاص في الموقع الإخباري الشامل، مثلها مثل السياسة والفن والحوادث والشؤون الخارجية، وغيرها

لكن الأهم من ذلك -كما يرى الجارحي، هو تدشين منصات إلكترونية ثقافية بحتة، تتناول كل مناحي الحياة الثقافية وأنواعها، محليًا وعربيًا وإقليميًا وعالميًا. كما نشطت مواقع ثقافية كثيرة لا تكتفي باستعراض الأخبار فقط، وإنما تطرح وتناقش القضايا الثقافية، وتتيح للقراء فرصة التعرف على مبدعين من كل مكان بنشر سير حياتهم، أو على الأقل نبذة عنها، فضلاً عن إتاحة نصوصهم الإبداعية للقراءة عبر الموقع. كما نشطت حركة الترجمة بشكل أسرع، وظهرت أسماء لمترجمين ما كان لها أن تظهر لولا هذا الفضاء الإلكتروني، وهو ما بدق مسمار أخير في نعش الثقافة الورقية.

اقرأ أيضا:

 المحرر الثقافي

 ويشير محمود الدسوقي الكاتب الصحفي بالأهرام، إلى أن المجلات الثقافية في وطننا العربي، نشأت جنبا إلى جنب مع الصحف الأسبوعية واليومية، مثل تجربة المقتطف في القرن التاسع عشر والتي نقلت مكانها من بلاد الشام إلى مصر، وتجربة الهلال في مصر، فالمحرر الثقافي هو في الأساس، يعود لنبعه الأول حين يمارس الصحافة أيا كانت، فلاأساس لصحفي لايكون متسلحا بالثقافة، التي تزيده عمقا، فهل يستطيع الصحفي أن يغطي وزارة الري مثلا، دون أن يتسلح بالثقافة التي تجعله يعرف تاريخ القناطر والنهر؟، وهل يستطيع صحفي أن يغطي وزارة الزراعة، دون أن تكون له ثقافة؟ هل يستطيع صحفي أن يكتب عن التراث والآثار دون معرفة بثقافة ما يتناوله تاريخيا وجغرافيا؟ هل نستطيع القول أن أزمتنا الصحفية في مجملها هي أزمة ثقافة؟

محمود الدسوقي

ويرى الدسوقي أن تراجع الصحافة الثقافية العربية لا يعود لعدم وجود رواد أو مثقفين، وإنما لأن بعض المثقفين ينظرون للصحفي الذي يتناول أعمالهم برؤية مغايرة، كأنه عدو، فأن تكون محررا ثقافيا في عالم تسيطر فيه عقول الطواويس، فعليك أن تطلب من الله الرحمة، وأن تكون محررا ثقافيا في عالم يُذبح فيه الخبر على صفحات الـ«فيس بوك»، فأنت في مهمة صعبة ليس أمامك سوي التجريب وخلق مواد مغايرة يقبل عليها القارىء.

وأضاف «الدسوقي»، كل ما أقوله إن نظرة على أرشيف المجلات الثقافية المصرية في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، كان شعارها الحقيقي أنها تحمل لواء التنوير، ونظرة آخرى عليها بتفحص وتدقيق لوجدتها كانت من المؤسسين للجوائز الثقافية الكبرى، مثل مجلة مجلتي التي كان عميد الأدب العربي أحد المحكمين لجوائزها في الشعر والقصة والراوية، هذه هي البدايات الأولي لكافة الجوائز التي يهلث خلفها المثقفون، وهذا مايجعلنا نؤكد أن غياب المجلات الثقافية من مصر وخاصة الورقية المطبوعة، مؤشر خطر علي سحب ثقل القاهرة الحاضنة العربية العريقة للثقافة، ومن ثم على صناع القرار الدعم للمجلات المطبوعة دون التحجج بمعيار الخسارة والمكسب، لأنها أحد أذرعك المهمة في محيطك الإقليمي، وإن لم يكن الخارجي، وهو الدعم الذي لابد له من تدريب المحرر الثقافي على العمل في مصر، وسط مناخ غاب عنه الراود وتتلتهمه السوشيا الميديا، ربما التدريب الصحفي الجاد للمحرر الثقافي هو الباق لنا، إذا أردنا صنع صحافة شاملة وجادة ستعود بالطبع على كافة الصحفيين والمحررين.

أي تحدي؟

ولفت حسين دعسة ناقد فني ومدير تحرير صحيفة الراي الأردنية، إلى أنه في منتصف عام 2015، قررت صحيفتا «النهار» و«المستقبل» الصادرتان في بيروت، إلغاء إصدار الملحق الثقافي الأسبوعي الذي تصدره كل منهما، فتوقف عطر الملاحق الثقافية في العالم العربي، ذلك أن «الملحق» في النهار كان يعني ثقافة ووعي وفنون محوارات متواصلة.

حسين دعسة

منذ حوالي 10 أعوام وأكثر، برزت أزمات العلاقة الحادة بين السلطة والعمل في الثقافة، وهنا لا أقصد المبدع أو المثقف العضوي، أقصد الكتاب والمحررين ممن انساق أغلبهم من حضن اللغة العربية إلى منابر الإعلام الثقافي، وبالتالي المساهمة في استمرارية مشاريع الملاحق الثقافية والفنية، لكنها في المواجهة -اليوم- وقعت في مصيدة البطالة، فقد ماتت المشاريع دون رجعة بموت نبع كل هذا، وأقصد هنا الصحافة والاعلام والاصدارات الورقية.

ويرى «دعسة»، أن أزمة المواد الثقافية والإبداعية والفنية في الصحف العربية، تندرج من واقع عدة أزمات هي:

أولا: أزمة سياسية أفرزتها طبيعة العلاقة بين السلطة الحاكمة والاعلام، ومن ثم الاعلام الثقافي والفكري.

ثانيا: اختفاء مرحلة الوفرة في الورق، ودعم الاصدارات والملاحق والهدايا التي كانت تخرج الى الناس بموجب قرارات مؤقتة، ومن ثم تتوقف فجأة والأسباب غالبا اقتصادية.

ثالثا: أزمة الكلفة والمردود، فالعمل من أجل «الثقافة» في الاعلام العربي كرس مجموعة من الكتاب والنقاد التي انسلت من مرايا الحقيقة والابداع، إلى مرايا السلطة والتكسب، من الأشكال المختلفة من الملاحق أو هدايا المجلات والهيمنة على مواقع ومساحات وصفحات الثقافة، مع طبيعة المادة الثقافية ووظيفتها.

اقرأ أيضا:

وأكد أن الغياب الورقي، وفر بيئة للتحولات الرقمية التقنية، ما وفر انتقال تلقائي للقارئ الباحث عن الثقافة والفنون إلى العالم الافتراضي، وما أحدثه ذلك من تغييرات على مستوى السرعة والأخبار المختصرة والتنوع الهائل في مصادر الخبر، وتحول مختلف أنواع الكتابة إلى أشكال نمطية متشابهة ومتكررة، وأحيانا مخادعة نتيجة تفشي السرقات الأدبية الرقمية واختلال مفاهيم النشر والحوار.

وأضاف، أن من تحولات المشهد أن القارئ اليوم، هو قارئ مشتت، ولا تهمة الصفحات التي تحمل الأفكار، مؤكدًا أن أزمة الثقافة والفنون في الصحف اليومية، والمجلات، وحتى في الإعلام المرئي والمسموع، أزمة تقاليد صنعها قارئ سنوات السبعينيات والثمانينيات، فقد نهج القراء إلى مكنون فكري اجتماعي وشتان بين قارئ: شخص عقائدي غالبا أو منتسب إلى تيار سياسي ذي طبيعة فكرية.

استفادة الواقع الثقافي العربي من التقنية

ويلفت على البزاز كاتب وفنان تشكيلي عراقي، إلى أن من أكثر الأسئلة عقائدية، تتعلق «راهن الوضع الثقافي ومستقبله، أو راهن التشكيل وأفاقه»، وكأن الفعل الثقافي هو عبارة عن قفلٍ لا غير أو عقيدة جامدة، الفعل الثقافي هو حدث، ولا بدّ لكل حدث من التطوّر والسير إلى الأمام، وإن تظافرت العُصي الكبيرة من أجل إيقافه.

على البزاز

وأضاف، تعبّر الثقافة في جوهرها عن استحالة توقفها، وتحاول تكبير حدودها والتمدّد إلى مناطق أخرى مقارنة بالوضع ما قبل 300 سنة، نحن راهنا إزاء الإمكانات الثقافية التي تتيحها التقنية على صعيد الكتابة، استعمال الكمبيوتر، وإمكانات البحث عوض القلم والورقة، بالتزامن مع الإمكانات الهائلة للنشر في المواقع الإعلامية، المرئية منها (يوتيوب، فيستطيع الشاعر تأسيس قناة خاّصة به، وكذلك المخرج السينمائي) والمكتوبة أيضاً، وتشمل نشر الكتاب ديجيتال وتوزيعه، فاذا كانت هذه المساحة الواسعة للفعل الثقافي الخالص، فعن أية آفاق نتحدث إذاً، بالتأكيد عن آفاق ممتازة وإمكانات هائلة، وهذا ينطبق على الصحافة الثقافية، إن استفاد القائمون عليها من التقنية.

مضيفًا: المشكلة باعتقادي في كل مجالات الفعل الثقافي، هي:

عدم النظر إلى التقنية كمعاون وكنصير مخلص للفعل الثقافي، وأن التواصل مع التقنية كاستعمال فقط (نستعمل الهاتف مثلاً للتكلّم فقط، بينما هو دفتر للكتابة ومترجم وكتاب وجريدة، وصالة سينما) بينما التقنية هي طريقة كتابة وعيش وتفكير، فأين هي استفادة الأدب العربي من التقنيّة باعتبارها ممارسة يومية فكريّة وجماليّة؟

أشار الكاتب الصجفي محمد عبد الخالق إلى ان الحديث عن واقع الثقافة في الصحافة يستدعي بالضرورة الحديث عن واقع الثقافة بشكل عام، وإلى أين وصلت، ووصل مفهومها، ورغم عدم ميلي لإطلاق الأحكام العامة، لا يخفى على أحد التراجع الحاد في المستوى العام قراءة وكتابة وفن وتذوق ونقد واجتماع الذي يمثل في النهاية ما يعرف بـ«الثقافة».

محمد عبد الخالق

وبدلا من مواجهة هذا التراجع بشكل، واضح وخطة ذات خطوط عريضة وأهداف محددة، خاصة في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية، اقتصرت الخطة على ردود أفعال من نوعية (عاوزين حاجات خفيفة الناس تقراها) (مش عاوزين حاجة صعبة).

تجاوز الأمر للأسف في بعض المطبوعات إلى إلغاء صفحة «الثقافة» أو الإبقاء عليها (اسما فقط) ومطالبة المحررين بمادة أقرب للمنوعات منها للثقافة، ولو تمت الموافقة على أعمال ثقافية فكثيرا ما تقابل توجيهات مشددة بضرورة أن تكون في أكثر مستوياتها سطحية، وهذا يعود (في رأيي) لجهل القائمين على الأمر، أكثر من كونه موقفا أو خطة مقصودة.

أنا من المدرسة التي تؤمن بأن الإعلام يجب أن يكون مُوجِها (بكسر الجيم) للقارئ أو المستمع يعلمه ويضيف إليه، وليس مُوجَها (بفتح الجيم) ينشر ما يريد القارئ أن يقرأه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: