منوعات

إدوارد سعيد.. صوت فلسطين الذى غرَّبته المدن ولم يغادره الوطن

«نيويورك،، إدوارد يصحو على كسل الفجر,, يعزف لحناً لموزارت..يركض في ملعب التنس الجامعي ..يفكر في رحلة الفكر عبر الحدود،، يقرأ نيويورك تايمز،، يكتب تعليقه المتوتر،، يلعن مستشرقاً يرشد الجنرال إلى نقطة الضعف في قلب شرقية، يستحم ويختار بدلته بأناقة ديك،، ويشرب قهوته بالحليب ويصرخ بالفجر لا تتلكأ» هذا ما قاله محمود درويش في وصف رفيقه إدوارد وديع سعيد المفكر والناقد والموسيقي والأستاذ الجامعي الذي حمل صوت القضية الفلسطينية وحمل بلاده لأي مكان كان يقصده.

غربة الأمكنة

ولد إدوارد في ظل تناقضات لم تُشعره بالانتماء فقد جاء للحياة في القدس في حي الطالبية عام 1935 وانتقلت عائلته بعدها لمصر حيث اعتاد أبوه الذي كان يعمل تاجرا في القرطاسية التنقل بين القدس ومصر لذا غادر مع أسرته القدس التي كانت تخضع للانتداب البريطاني في 1947 وكان أبوه يحمل الجنسية الامريكية فلم يتح له هذا التنقل الانتماء للأمكنة، كان أبوه صارماً في تربيته لذا كان يقضي وقته بين الكتب بالإضافة إلى اهتمام والدته التي كانت تقرأ له روايات جرجي زيدان. وتعلم عزف البيانو وهو طفل وكان شغفه بالموسيقى يحمله على الهرب من القواعد الصارمة في البيت

وفي المدرسة، تمازجت حياته الدراسية بين القدس وبعدها في مصر ثم في أمريكا التي بعثه والده إليها وحده بعد إشارة من صديق له أنه لا بد أن يذهب إلى أمريكا للدراسة وحتى يستحق بذلك الجنسية قبل بلوغه الثامنة عشر، وأكسبه هذا قوة في الشعور بعدم الانتماء والغربة في المكان خاصة أنه سافر في عمر الخامسة عشر ثم تخرج من جامعة هارفارد حيث حصل منها على شهادة الفلسفة فى الأدب الإنجليزي وعمل لاحقاً مدرساً في جامعة كولومبيا لكن لم يقم إدوارد بتدريس السياسة ولا الشرق الأوسط في الجامعة كما كتب فيهما بل عمد الى تدريس الأدب وخاصة الكلاسيكي والموسيقى وقام بتأليف عدة كتب أشهرها كتاب «الاستشراق» الذي نشره في 87 وكان يظن أن هذا الكتاب سيكون مهما في حقل النقد وذلك أنه في الحقيقة كتاب نقد.

اقرأ أيضا:

حديث فى الإستشراق

ما يطرحه الاستشراق هو كيفية التمكن من فهم الناس الغرباء الذين يبدون مختلفين عنا لاختلاف لون بشرتهم, وإن المحور الرئيسي في الاستشراق هو أن الطريقة التي نحصل من خلالها على المعرفة ليست موضوعية كما أنها ليست بريئة، لكنها النتيجة النهائية لعملية تعكس توجهات معينة ومنحازة جدا، وقد تحدث عن المستشرقين الذي لم يكونوا في الحقيقة أصحاب التجارب بل كانوا يكتبون عنها، فيبين إدوارد سعيد تحديداً أن الطريقة التي ينظر بها الغرب إلى دول وشعوب الشرق الأوسط  هي النظر عبر عدسة تشوه الواقع الفعلي لتلك الأماكن ولأولئك الناس, ويسمي إدوارد هذه العدسة التي يُنظر من خلالها لذلك الجزء من العالم «الاستشراق» حيث بدأ اهتمامه بموضوع الاستشراق عام 1973 مع حرب أكتوبر وذلك عندما شهد نجاحاً عسكرياً عربياً وما سبق ذلك من أحداث النكسة 1967 بالإضافة لبعده عن العالم العربي حيث كان يسكن في أمريكا  التى كان يشيع فيها الكلام ضد العرب الموسومين بالهزيمة والخضوع والذل، ثم كان الأمر المشوق والذي تحدث عنه إدوارد وشكل له أهمية هو ما حققه العرب من انتصارات والعبور المصرى لقناة السويس والتوغل السوري المؤقت في الجولان حيث بدأ برؤية هذه المعارك كصور تمثيلية خُلعت على العرب وهذا ما كان مثيراً لاهتمامه وخاصة أنها صور تمثيلية لم يكن لها علاقة بالتجارب المعاشة داخل الوطن العربي، وهذا كان موضوعه الرئيسي فبدأ بتتبع الفكرة إلى العصور الوسطى فوجد مكتبة كبيرة في ظل الاستشراق معظمها تميل للأفكار الدينية مثل كتاب دانتي الذي صنف الرسول محمد صلى الله عليه وسلم على أنه مدَّع للنبوة، وقرر إدوارد كتابة كتاب قصير حول الأمر إلا أن الناشرين لم يعيروه اهتماما، ثم قام ببيعه لصحيفة أكاديمية حسنة السمعة في 1975ب 250 دولار.

كما تحدث عن مسألة انقسام العالم ما بين المشرق والمغرب حيث كان يرى أن هذا الانقسام تاريخي ومع نهاية القرن التاسع أصبحت هوية الشرق مرتبطة بالإسلام وكان يعتقد أنه فى القرون الأولى لظهور الإسلام كانت الكتابة عن الشرق وأهله في أوروبا هجومية، ثم مع نهاية القرن الثامن عشر ودخول نابليون بونابرت إلى مصر 1798 أصبح هناك منهج علمي لدراسة الشرق فلم يعد نوعا من الصور والخيالات، فجاء كتاب «وصف مصر» بعد الحملة الفرنسية على مصر حيث جلب نابليون معه عددا من العلماء واستبقاهم في مصر ليظهر هذا الكتاب ويبدأ الاستشراق طريقه خطوة فخطوة.

استعادة العوالم القديمة

شعر إدوارد بعد وفاة والدته بأن الخيط الذي يربطه بعالمه القديم قد قُطع، لذلك قرر كتابة مذكراته فقد عاش في مصر أيام الملك فاروق ثم غادرها في 1951 وقد تغيرت كثيراً، ولبنان التي كان يقضي الصيف فيها لأن نصف عائلة أمه من هناك، وقد كانت مستنزفة بالحرب الأهلية وفلسطين التي تركها منذ زمن، فأحب استعادة عوالمه القديمة وخاصة بعد معرفته بمرضه في خريف 1991 وتشخيصه باللوكيميا سرطان الدم، فجاء كتابه «خارج المكان» لعالمه المفقود الذي تجلى خارج المكان الذي يرمز لفلسطين فيه، وليوثق تجربته في المنفى بالإضافة لتجربة الشعب الفلسطيني حيث روى قصته بصفته جزءا من هذا الشعب فيقول إدوارد: «أنا الشاهد الذي لم يشاهد شيئاً في العام 1948 وبفضل عمتي نبيهة اختبرت فلسطين أول الأمر تاريخاً وقضية وهي أيضاً أول من نقل إلي مشقات أن يكون المرء بلا وطن أو مكان يعود إليه».

عاد الى فلسطين أول مرة بعد مغادرتها في 1992 ورفض أن يدخل بيته بعد أن بحث عنه في القدس وذلك لوجود عائلة يهودية فيه لم يرض أن يسألهم مجرد السؤال للدخول، وحتى لو سمحوا له, هي مشاعر معقدة تملكته حين وقف أمام بيته ورأى الأعداء يسكنونه يقول درويش في هذا الشأن: «هل أطلب الإذن من غرباء ينامون فوق سريري»، وقد فتحت له هذه الزيارة الباب على فلسطين فصار يلقي عدة محاضرات باللغة العربية وعاد ليكتب بالعربية ومن الملفت في تلك الرحلة أن إدوارد سعيد أدرك أنه لم يكن معروفا فى الشرق الأوسط بعد.

و قد قام إدوارد بعمل عدة أفلام وثائقية مع المصور جان مور خلال الثمانينات وكانت متعلقة بالقضية الفلسطينية حيث أن جان كان يجمع صور الفلسطينيين منذ عام 1948 وذلك عندما عمل في غزة مع جمعية الهلال الأحمر ولديه آلاف الصور، فخطر لهما إدوارد وجان فكرة عمل كتاب فاختار إدوارد 500 صورة وقسمها لمجموعات فرعية وكانت جميعها مختارة بعشوائية حيث لم يكن يعرف إدوارد الشخوص في الصور إلا بعض الاستثناءات منها فجاء كتاب after the last sky.

وكان إدوارد سعيد أقوى صوت لفلسطين خارج حدودها  وكان شديد الحماس للقضية وقد وصف اتفاقية أوسلو بالأمر المخزي  فلم يكن في الاتفاقية شيء عن إيقاف المستوطنات ولا عن القدس ولا عن قضية اللاجئين ولا عن حق السيادة، ويشير إدوارد سعيد لذلك «كل ما عليك هو النظر للوثيقتين المتبادلتين بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية فقد احتوت الرسالة الإسرائيلية لمنظمة التحرير على سطر ونصف (تعترف الحكومة الاسرائيلية بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني.. توقيع إسحاق رابين) بينما كانت الوثيقة الفلسطينية صفحة ونصفا»

عاش إدوارد لمدة عشرة سنوات في صراع مع اللوكيميا، ويقول بشأن ذلك «أنا الذي عشت حياتي كلها بناء على فكرة أنك إذا ما امتلكت العزيمة والإرادة وكرست نفسك لذلك فسوف تستطيع تخطي الأمر» وانتقل للسماء في 25 من سبتمبر 2003 حيث أوصى بدفنه في لبنان وهذا ما كان، وقال درويش في وداعه: «وقال إذا مت قبلك أوصيك بالمستحيل،، سألت وإن مت قبلك،، قال أعزي جبال الجليل وأكتب ليس الجمالي إلا بلوغ الملائم».

صورة الغلاف

تصميم: عبد الله محمد

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: