رؤى

مبادرات سجناء الإخوان.. تقية للخروج أم عودة إلى جادة الصواب؟

تحظى التجربة السياسية المصرية بخبرة مهمة على المستوى الدولي فيما يتعلق بالمراجعات الفكرية لجماعات العنف السياسي الإسلامي، ففي عام 1997 قرر كرم زهدي رئيس مجلس شورى الجماعة الإسلامية إجراء مراجعات شاملة لفكر واحدة من أخطر الجماعات الإرهابية التي شهدتها مصر على مر تاريخها، والتي تسببت في عمليات قتل كبرى كان أهمها المشاركة في اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات، ومحاولة السيطرة على محافظة أسيوط حيث تم ارتكاب مجزرة كبرى في مديرية الأمن عام 1981 عرفت باسم «مذبحة أسيوط» راح ضحيتها  181 شخصا، هذا بخلاف عمليات استهداف السياح في مصر والتي كان أشهرها مذبحة الأقصر عام 1997 التي راح ضحيتها 58 سائحا.

حديث يتكرر

وقد أسفرت تلك المراجعات عن إعلان الجماعة الإسلامية نبذ العنف والعمل المسلح، وبالتالي بدأت الدولة في سلسلة إفراجات عن قادتها بداية من عام 2001 واستمرت حتى أٌفرج عن آخر قياداتها بعد ثورة 25 يناير عام 2011، عندما خرج عبود الزمر وطارق الزمر ابنا العم المشتركان في عملية اغتيال الرئيس السادت.

وبعد أكثر من 20 عاما من مبادرات التسعينيات ومن وقت لآخر وبعد ما مرت به مصر من أحداث سياسية شابها العنف خاصة بعد ثورة 30 يونيو 2013 يطفو حاليا حديث المبادرات والمراجعات من آن لآخر من داخل السجون، سواء من قِبَل بعض شباب جماعة الإخوان المسلمين، أو من قبل إسلاميين ينتمون لجماعات أخرى أو متعاطفين مع التيار الإسلامي عموماً، لكن أيا من هذه المبادرات لم تكتمل أو تتبلور حتى الآن على خلاف مبادرات التسعينيات.

تقية لا عودة

يرى الشيخ عوض الحطاب، القيادي المنشق عن الجماعة الإسلامية وأحد المشاركين في مبادرة وقف العنف عام 1997 أن المبادرات الأخيرة هى مجرد نوع من التقية تستهدف الخروج من السجن بالأساس، وأن من يعتقدون بضرورة إعادة النظر في رؤاهم الفكرية بالفعل لا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة.

   ويستدل الحطاب على صدق اعتقاده بمبادرة الجماعة الإسلامية عام 1997 ذاتها حيث وافقت كل القيادات آنذاك على نبذ العنف إلا أن مواقفهم بعد ثورة 30 يونيو كشفت عدم صدق نواياهم وتأكد استمرار مفهوم العنف عند معظمهم أمثال عاصم عبد الماجد وطارق الزمر وغيرهم ممن تورطوا في حرق الكنائس وغيرهم ممن سافروا  للعراق وسوريا كي يكونوا جزءا من التنظيمات الإرهابية كداعش والقاعدة.

   ويؤيد هذا الرأى مجدي عبد الرسول، الباحث في شئون الإسلام السياسي، الذي يؤكد أن الإخوان لهم منهج في السجون، وهو فعل أي شيء للخروج من السجن حتى لو كان بالتقية، وهو ما حدث من عدد من سجناء الإخوان في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عندما قاموا بتوقيع طلبات لعبد الناصر كي يعفو عنهم على غرار إقرارات التوبة الحالية، وكان من بين هؤلاء صلاح أبو إسماعيل القيادي الإخواني البارز، الذي اعترف في جلسات تنظيمية بعد خروجه من السجن أن توقيعه على تلك الإقرارات كان مجرد تقية اتفق عليها مع قيادات الجماعة في تلك الفترة.

المبادرة الأولى: إقرارات التوبة

في عام 2015 وبالتحديد في شهر فبراير أكد المحامي والقيادي الإخواني المنشق مختار نوح حصوله على توكيل مما يقرب من 300 سجين من سجناء الإخوان وقعوا إقرارات توبة لإعلان الانشقاق عن الإخوان، إلا أن جهود هذه المبادرة توقفت سريعا دون أسباب واضحة.

المبادرة الثانية: سجن جمصة

وهى مبادرة فردية أعلن عنها هاني عامر أحد المؤيدين السابقين للإخوان في سجن جمصة أثناء إعداده لكتاب نقدي لأفكارهم، إلا أن المبادرة سرعان ما توقفت في أعقاب هجوم قيادات الإخوان علي محاولته.

المبادرة الثالثة: شباب الإخوان بسجن الفيوم

  أطلقها عدد من شباب الإخوان بسجن الفيوم بقيادة عمرو عبد الحافظ القيادي الإخواني الشاب أوائل عام 2016 في أعقاب مراجعات فكرية ونقاشات فيما بينهم أسفرت عن انشقاقهم عن التنظيم دون أن يطلبوا من الدولة الخروج من السجن.

   وكان عماد علي، القيادي الإخواني المنشق وأحد قادة مبادرة سجن الفيوم قد علق على مبادرات شباب الإخوان قبل خروجه من سجنه، واصفا إياها بأنها تعبر عن حجم الفشل الذي وصلت إليه الجماعة، إذ أصبح لدى الكثيرين من أفراد الجماعة حالة من فقدان الثقة فيها، وأوضح أن هذه الحالة تتخذ عدة صور، فهناك بعض من لايزالون مقتنعين بأفكار الجماعة الرئيسية ومشروعها لكنهم فقدوا الثقة في قيادات الجماعة وفي صلاحيتها لتحقيق أهدافها، وهناك آخرون يرون أن الجماعة دخلت في صراع لم يكن حتميا منذ البداية ويعيبون عليها بعض ممارساتها، وبالتالي يرون ضرورة إنهاء الصراع القائم مع النظام.

عماد علي القيادي الإخواني المنشق

وهناك شريحة ثالثة – يضيف عماد علي – فقدت الثقة في مشروع الجماعة نفسه وفي منطلقاتها الفكرية وأهدافها الرئيسية، فخرجت من دائرة الجماعة الفكرية بشكل كلي، «ومن وجهة نظري أن هذا الصنف الأخير هو الأهم والذي يجب التعويل عليه».

ليست حلا عمليا

وعن المبادرات التي ترفع شعار المصالحة الوطنية مع الجماعة، يقول عماد علي: «مثل هذه المبادرات بخلاف أنها تمثل قراءة غير دقيقة للواقع، حيث أن النظام لن يقبل بفكرة المصالحة مع جماعة الاخوان، فهي أيضا لا تمثل حلا عمليا للأزمة، فالجماعة لديها عيوب تأسيسية تتمثل في أفكارها الرئيسية وأهدافها وطبيعة التنظيم الذي تعمل من خلاله، وبالتالي ففكرة المصالحة مع الجماعة على وضعها الحالي، دون إجراء مراجعات فكرية عميقة وحقيقية من جانبها – وهذا من الصعب حدوثه – لن تكون ذات جدوى حالياً وسوف تمثل حالة من الدوران في حلقة مفرغة.

   ويرى عماد علي أن الحل هو تفعيل المراجعات الفكرية الفردية ووضع برنامج عمل من جانب الدولة للتعامل مع أفراد الجماعة ومساعدتهم في عمل مراجعات لقناعاتهم».

المبادرة الرابعة: الشباب الإسلامي المستقل

 تم الإعلان عن هذه المبادرة من سجن طرة مع بداية عام 2016، قبل أن يتم إحياؤها مع نهايات عام 2018 وبدايات عام 2019.

   ويقول محمد مصطفى محامي مبادرة «الشباب المستقل بالسجون المصرية» إن المبادرة الأخيرة تختلف عن مبادرة سجناء الفيوم من شباب الإخوان، حيث أنها لم تقتصر على عناصر الإخوان فحسب، بل شملت سجناء سياسيين شبان من الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد وسلفيين وسجناء إسلاميين متعاطفين مع التيار الإسلامي عموما ولا ينتمون لأي جماعة، وهؤلاء أغلبهم لا يعتنقون أفكار الإخوان، وهم الأغلبية داخل السجون و تصل نسبتهم الي ٨٠% من السجناء السياسيين.

   ويشير مصطفى إلى أنه بينما ينطلق أصحاب مبادرة سجن الفيوم لشباب الإخوان من المراجعات الفكرية، فإن مبادرة الشباب الإسلامي المستقل الأخيرة لا تركز على المراجعات، حيث أن نسبة كبيرة ممن يطرحونها من المتعاطفين العاديين مع التيار الإسلامي وغير المنضوين في جماعة كالإخوان أو غيرها، وبالتالي فهم غير مؤهلين أساسا للخوض في إشكالات فقهية أو شرعية أو حتى سياسية، بل إنهم يحتاجون لمن يصحح لهم أفكارهم العامة ويرد عليهم شبهاتهم، وهذا هو دور المؤسسة الدينية وأهل العلم المعترف بعلمهم وأصحاب الخبرات السابقة.

ويضيف مصطفى: «رفضنا في مبادرة الشباب المستقل عمل مراجعات شرعية كمبادرة سجن الفيوم، لأننا رأينا أن شباب الإخوان القائمين على مراجعات سجن الفيوم يفتقدون إلى أدوات الفهم والنظر في الأدلة، وفاقد الشيء لا يعطيه، وإذا قام الشباب بهذه المراجعات فقد يشوبها التقية أو الضعف العلمى وعدم وجود السند المتصل بأهل العلم، ولذلك نحن نؤكد علي أننا راجعنا ما نستطيع مراجعته من فشل التجربة وكارثية النتائج ووضوح الرؤية بعد مرور سنوات، فهناك أخطاء أدت لتلك النتائج».

  ويضيف محامي المبادرة قائلا: «إن مبادرتنا تدعو للمراجعات الفردية وترفض المراجعات الجماعية، لأنها تمثل اعترافاً بالجماعات المحظورة وهذا ما يتنافي مع القانون، كما أن تلك المراجعات تصنع من قادة تلك الجماعات أبطالا وقادة تاريخيين ويتم تصديرهم للقواعد داخل السجون على أنهم علماء مجتهدون، وأنهم اجتهدوا وحتى إن أخطأوا فلهم أجر، وهذا ما يتنافي مع الحقيقة، فهم لم يكونوا ولن يكونوا في يوم ما علماء مجتهدين، بل إنهم يتحملون كل المفاسد من دماء سُفكت وأعمار شباب أهدرت في السجون، وآلاف من الأسر عانت لسنوات من الفقد والحرمان والاستنزاف الأخلاقي والتربوي والمادى.

 

الوسوم

أحمد الجدي

باحث في شئون الإسلام السياسي

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: