ثقافة

التراث فى مسرح نجيب سرور: حكايات مصر الشعبية ونهرها الدافق

«البحر بيضحك ليه وأنا نازلة أدلع أملا القلل.. البحر غضبان مابيضحكش، أصل الحكاية ماتضحكش.. البحر جرحه مابيدبلش.. وجرحنا ولا عمره دبل.. والبحر بيضحك ليه وأنا نازلة أدلع أملا القلل.. مساكين بنضحك م البلوه، زي الديوك والروح حلوه.. سارقاهم السكين حموه.. ولسة جوه القلب أمل». أغنية من مسرحية «منين أجيب ناس» للشاعر والكاتب المسرحي المبدع نجيب سرور.

نجيب سرور ذلك الفنان متعدد المواهب، فهو الشاعر، المخرج، الممثل، المترجم، الناقد، والأهم من هذا كله أنه الكاتب المسرحي البديع، الذي نهل من نبع التراث الشعبي، ما جعل أعماله المسرحية – على قلتها – نموذج يضرب به المثل عند طرح قضية العلاقة بين التراث الشعبي والمسرح في مصر.

قدم سرور للمسرح المصري عددا من الأعمال المسرحية الشعرية استلهم خلالها العديد من القصص التراثية، الأمر الذى يطرح عددا من التساؤلات عن أهم المصادر التراثية التي استعان بها؟، وكيف تعامل معها؟، وكيف أحسن توظيفها؟.

اقرأ أيضا: 

ياسين وبهية

«كان ياسين أجيرا من بهوت.. جدعا، كان جدع.. شاربا من «بز» أمه.. من عروق الأرض، من أرض بهوت.. كان مثل الخبز الأسمر.. فارع العود كنخلة.. وعريض المنكبين كالجمل»

هكذا قدم سرور شخصية «ياسين» بمسرحيته «ياسين وبهية» المأخوذة عن القصة الشعبية الشهيرة التي تحمل ذات العنوان، أما «بهية» فقدمها كالتالي: «حمامة بيضه داخله ع البنيه.. عروسه حلوه والعيون عسليه.. لها عين غزال.. ولها جيد غزال.. ولها عود كما البان.. ووجه كالقمر.. ليلة الرابع عشر»

استفاد سرور فى تلك المسرحية من التراث الشعبي وبأسلوب الرواية الملحمية المستمد من التراث، حيث يمكن القول أنه وعلى الرغم من عرض المسرحية على خشبة المسرح، إلا أنه يمكن النظر لها بوصفها عملا روائيا غير مألوف.

اعتمد سرور على الراوي الشعبي إلى جانب المشاهد الحوارية، ورغم استخدمه للغة العربية الفصحى التي خص بها شخصية الراوي، والعامية المصرية التي خص بها المشاهد الحوارية، إلا أن هذا لم يسبب أي أزمة تتعلق بإزدواجية اللغة، حيث جاءت الفصحى غير «مقعرة» وكانت العامية غير «مسطحة»، ما نجم عنه الشعور بوحدة الأسلوب.

استعان سرور بالحلم بالطريقة المألوفة في التراث الشعبي، أي جعله يمثل دور النبوءة، مع حمله للمفاهيم الرمزية التي لا تدرك إلا في سياق قراءة القاموس الرمزي الشعبي لتفسير الأحلام.

«أما يامه شفت حلم غريب .. يخوف .. شفتني قال راكبه مركب .. ماشيه يامه في بحر واسع .. زي غيط غله .. وموجه هادي .. هادي .. بحر مش شايفاله بر.. قال وأيه عماله اقدف .. والمراكبي .. ابن عمي .. ماسك الدفة ومتعصب بشال .. شاله أحمر يامه خالص .. لونه من لون الطماطم .. جت حمامه بيضا بيضا .. زي كبشة قطن .. فوق راسه وحطت .. ويدوب البر لاح .. الا والريح جايه قولي .. زي غول مسعور بينفخ .. تقلب المركب والاقي .. نفسي بين الموج باصرخ .. يابن عمي».

إلى جانب الحلم، استخدم سرور الموال الشعبي لإبراز العيوب الاجتماعية والفروق الطبقية مثال: «فيه ناس بتشرب عسل وناس بتشرب خل .. وناس تنام ع الحرير وناس تنام ع التل .. وناس بتلبس حرير وناس بتلبس فل .. وناس بتحكم على الحر الأصيل ينذل».

استعان سرور بالأغنية الشعبية كوسيلة للتعبير عن المواقف المختلفة ببنائه الدرامي فحين أراد التعبير عن أزمة الزواج بالقرية استخدم تلك الأغنية الشعبية: «يا بنات مالكم مالكم .. عاوجين الشعر على ودانكم .. دا مافيش جواز طولوا بالكم .. يابنات يابنات كلو بعضيكم .. دا مافيش جواز السنة ليكم .. لما المأمور يأمر ليكم».

كما استعان بالأمثال والتعبيرات الشعبية الشائعة من أمثلة: «ياما فيك يا حبس مظاليم»، «لينا رب ولك يا ظالم يوم معاه»، «كل زرع وله أوانه».

آه يا ليل يا قمر

تبدأ أحداث مسرحية «آه ياليل يا قمر» بوصفها جزءا ثانيا لمسرحية «ياسين وبهية» بعد مرور عدة أعوام على استشهاد «ياسين» حيث يتمكن أمين زميل ياسين الذي كان قد استشهد بقرية بهوت، من اقناع بهية بالزواج منه وترك القرية والرحيل معه إلى بورسيعد، للعمل في «الكامب» معسكر الإنجليز، ليكتشف أمين أن بورسعيد لا تختلف عن قريته بهوت، فالظلم سيد الموقف. «صدقيني يا بهيه احنا ماسبناش بهوت.. داحنا فيها.. لسه فيها يا بهيه.. واحنا حتى في بورسعيد»

يترك أمين الكامب ويلتحق بأحد المصانع وينضم لصفوف المقاومة الشعبية، لكنه يصطدم بالظلم فى المصنع، فيثور مع العمال، ويأتي زبانية أصحاب المصنع –كما حدث من قبل ببهوت- فيقتلون عشرات العمال، كان من بينهم أمين الذي أنجبت منه بهية ولدها «ياسين» وابنتها «أمينة».

ليؤكد سرور على أن موت «ياسين» بقرية بهوت على يد الإقطاعيين في مسرحيته «ياسين وبهية» لا يختلف عن موت «أمين» في المصنع ببورسعيد على يد الرأسمالية.

يستلهم سرور التراث في مسرحيته «آه يا ليل يا قمر» كما في مسرحية «ياسين وبهية» معتمدا على الحلم ورموزه الشعبية، كما يعتمد على العديد الشعبي، فحين يموت والد بهية ينعيه الكورس: «أريد أبويا منشال في قفه.. والرأي منه والمشورة تكفي» وتنعيه بهية: «وأن لبسوني الخلخال أبو ميه.. اللي بابوها تعيش قويه.. وان لبسوني الجوخ ما أريده.. أريد أبويا وسكتي في أيده.. ياللي بابوكي ماتقعديش جنبي.. لتقولي أبويا تقطعي قلبي».

يتضافر مع العديد الموال الحزين: «وبهية في المحاكم شدت واحد وكيل.. أحكم بالعدل يا قاضي .. قدامك مظاليم» ويكتمل الموال حين يصدر الحكم على أمين بالسجن: «عوج الطربوش على يمه .. وحكم بأربع سنين .. سنتين في السجن العالي .. وأتنين في الزنازين».

لعبت الأغنية الشعبية دورا مميزا بمسرحية «آه يا ليل يا قمر»: «زعق الوابور ع السفر .. عيطت رايحين فين .. رايحين تغيبوا سنة .. ولا تغيبوا سنتين»، وكانت أغاني الأطفال الشعبية هى الأكثر إستخداما بالمسرحية: «يارب ينام يارب ينام .. وأنا أجيب له جوزين حمام».

أما الأمثال الشعبية التي استخدمها  سرور في هذه المسرحية فكان منها: «لو قالوا لك فيه طوفان .. حط والدك .. تحت رجليك غرقه» و«حقه سبحانك يارب .. ياللي تخلق م الشبه أربعيين».

منين أجيب ناس

استلهم سرور لمسرحية «منين أجيب ناس» شخصية «نعيمة» من القصة الشعبية المعروفة «حسن ونعيمة» إذ ترحل نعيمة وهى تحمل رأس «حسن» بحثا عن جسده الذي أُلقي في النيل، بعد قتله على يد أهلها لعدم إعترافهم بقصة حبهما، وكأنها إيزيس ترغب في جمع أشلاء أوزيريس بعد أن مزقه ست.

عبر الرحلة تلتقي نعيمة بالمطحونين من أبناء مصر «فلاحين، رعاة، مراكبية، عمال تراحيل، جنود مصريين حاربوا بالعلمين، عمال مصانع، طلبة حصدهم رصاص الإنجليز بحادثة كوبري عباس» في صورة بانوراما تاريخية لمصر بأربعينيات القرن الماضي وقبيل ثورة 1952.

تلتقي نعيمة خلال رحلتها بالساحرات الشريرات التي يرى بعض النقاد أنها تمثل إشارة لإسرائيل، ونعيمة سرور هى مصر التي تُنهي رحلتها بدفن الرأس، على أمل أن تعود روح حسن ذات يوم لتمنح نعيمة طفلا يحمل رسالة أبيه، كما بأسطورة إيزيس وأوزيريس.

«ماهو لو فيها عدل .. يا نعيمة .. ماكنش يبقى فيها قتل .. ولا سرقة .. ولا غدر .. ولا خطف .. كان زمانك يا حسن بتغني لسه .. كان زمانكو دخلتو وف شهر العسل»

اعتمد سرور بمسرحية «منين أجيب ناس» على المشاهد شبه المستقلة، والتعبير عبر غناء المجموعات والنبوءة المستمدة من القصة التراثية، إلى جانب الأمثال الشعبية: «أصل اللسان ده حصان .. تصونه ماتتهان .. وتهينه ماتتصان» و«أردب ماهولك .. طيب ليه تشوف كيله .. دقنك هاتتعفر .. ويكلفوك شيله»

من ناحية أخرى اعتمد نجيب على التراث الديني في تعميق العديد من شخصيات أعماله المسرحية، حيث استعان ببعض آيات القرآن والإنجيل والتوراه على حد سواء.

 بصفة عامة: اتسم مسرح نجيب سرور بالملحمية المعتمدة على التوظيف الجيد للحكايات والأساطير الشعيية، ولشخصية الراوي والكورس الغنائي، إضافة للإستعانة بالأمثال والتعبيرات الشعبية، وفن الموال والعديد وغيرها من فنون القول التراثي الشفاهي .

المصادر:

  • أحمد صقر، قراءة نقدية تحليلية في مسرح نجيب سرور المؤثرات الذاتية والفنية، الحوار المتمدن، العدد 3296 – 5/3/2011.
  • محمد السيد عيد، التراث في مسرح نجيب سرور الشعري، الهيئة المصرية العامة للكتاب، عام 1999.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق