فن

الواد مزيكا.. كوميديان الشعب

أداؤه المتفرد وضعه في مكانة متميزة بين كبار المضحكين، ولم يكن ذلك بسبب موهبته النادرة التي تجلت في بساطة وعفوية طريقته فحسب؛ بل صدقه وإحساسه المرهف الذي جعله يعيش تحت جلد شخصياته، مكابدا آلامها وأحزانها، مستخلصا رؤية عميقة، يبديها على مهل من خلال إعادة اكتشاف النص المكتوب؛ ليتحول بالنظرة والإيماءة والحركة قبل نبرة الصوت إلى حضور كامل للشخصية لا يمكن للمتلقي تجاوزه؛ رغم وعيه التام أن هذا المتغول على مساحة الإبداع تلك، بكل هذه السطوة والجبروت هو «نجاح الموجي» بكل تفاصيل تألقه الفني الذي يتكئ على ذكاء شديد ودراية تراكمت ببصيرة نافذة وروح ملهمة؛ لتصنع لنا فنانا بحجم «الهرم» الذي أبهرنا في «الكيت كات».

قرية «ميت الكرماء» مركز طلخا محافظة الدقهلية، هي مسقط رأس «الموجي» وهذه القرية – على صغرها – لها تاريخ يفخر به أبناؤها؛ فلقد كانت ملاذا آمنا لخطيب الثورة العرابية «عبد الله النديم» الذي كان مطلوبا من قوات الاحتلال البريطاني؛ لكن الشيخ القصبي أحد أبناء القرية أخفاه في داره لمدة تسع سنوات؛ ولم يغادر «النديم» القرية إلا بعد وفاة الشيخ.. موقف آخر لأبناء هذه القرية يدل على الأصل الطيب والأخلاق الكريمة، وهو حسن استقبالهم للمُهَجَّرين من أبناء مدن القناة أثناء العدوان الثلاثي.. وقيل أن الرئيس عبد الناصر، هو من أطلق عليها هذا الاسم، بعد أن كانت تُعرف بـ «ميت الغرقاء».

عبد الله النديم

قرقر

انتقلت أسرة «عبد المعطي محمد الموجي» وهذا هو اسمه الحقيقي إلى القاهرة وسكنت حي «حدائق القبة» وما لبث الصبي أن تأقلم مع الحياة الجديدة، وصار له أصحاب تعلقوا به لخفة ظله وطيبته وشهامته؛ ولنحافته البادية أطلقوا عليه لقب «قُرْقُر» كما اشتهر «نجاح» ببراعته في كرة القدم؛ وابتكاره طرقا في المراوغة، جعلت له شعبية كبيرة بين أبناء الحي الشهير والأحياء المجاورة، وكان من الممكن أن نرى «الموجي» أحد نجوم نادي الزمالك الذي كان يعشقه ويحرص على حضور مبارياته.

في بداية عقد الستينيات ينهي «نجاح» دراسته الثانوية التي تفتحت فيها موهبته الفنية، ويلتحق بالمعهد العالي للخدمة الاجتماعية، وأثناء دراسته بالمعهد يقنعه أحد الأصدقاء بالذهاب إلى فرقة ثلاثي أضواء المسرح بعد أن تقدم بأوراقه أكثر من مرة للالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، لكنه كان يرسب في اختبار القبول في كل مرة!

ظهر نجاح «كومبارس» صامتا في مسرحية «حواديت» مع ثلاثي أضواء المسرح.. لكنه سرعان ما أصابه الملل؛ فقرر التركيز في دراسته للحصول على البكالوريوس كخطوة على الطريق لاقتناص وظيفة مضمونة.. وفور تخرجه عُيِّن مسئولا عن الوحدة الاجتماعية بمركز «زفتى» بمحافظة الغربية.. لكن حنينه للفن أرَّقه فعاد إلى الفرقة؛ ليعمل كمدير فني لخشبة المسرح، ثم كان ظهوره في دور «فرَّاج» المنتج السينمائي في مسرحية «فندق الأشغال الشاقة» عام 1969، إيذانا بميلاد نجم كبير في عالم الكوميديا.. ظل «الموجي» مع فرقة الثلاثي لفترة، يعمل كمدير للخشبة، ويشارك أحيانا كممثل كما في مسرحية «جوليو ورومييت» بعدها اتجه للإذاعة ليقدم برنامجا بعنوان «مسرح الكاريكاتير» حقق نجاحا لابأس به.

ونظرا لأن دخله من الفن لم يكن كبيرا؛ فقد تمسَّك «نجاح الموجي» بوظيفته ولم يستقل؛ حتى أنه وصل إلى منصب وكيل وزارة الشئون الاجتماعية وهو في منتصف الأربعينات.. وكان مبدعنا قد عرف طريقه إلى السينما عام 1977، بالمشاركة في فيلم «الزوج المحترم» من إخراج حسن الصيفي.

الواد مزيكا.. والحريف

حمل عام1981، لنجمنا دورا من أدوار العمر، وهو دور «الواد مزيكا» في مسرحية «المتزوجون» وقد بدأ الدور صغيرا (14 جملة فقط) ومع تألق «الموجي» وتجاوب الجمهور معه؛ تمدد الدور تدريجيا حتى احتل مساحة لا بأس بها من العمل.

بعد النجاح الكبير الذي حققه في دور «الواد مزيكا» قرر «نجاح» ترك فرقة ثلاثي أضواء المسرح، مع الاعتراف بالفضل للثنائي «جورج  سيدهم وسمير غانم» وكانت تجربة بطولة مسرحية «عيل وغلط» تجربة قاسية؛ إذ فشلت المسرحية ولم تحقق أي نجاح يذكر؛ لكن «الموجي» وعى التجربة جيدا، وقرر عدم قبول أي دور إلا بعد دراسته بشكل جيد.

في عام 1984، وأثناء الإعداد لفيلم «الحرِّيف» يقرر المخرج محمد خان إسناد دور «عبد الله» جار البطل «فارس» في السطوح إلى «نجاح الموجي» الذي أعجب بالدور، وقرر أن يجعله علامة في تاريخه الفني، رغم أن الشخصية صعبة ومعقدة وتخلو من أي ملمح كوميدي؛ إلا أن «نجاح» استطاع باقتدار التعبير عن معاناة الشخصية المعذبة التي سحقها الفقر، وحولها إلى الإجرام بارتكاب جريمة قتل.. ومن خلال ظهور الانفعالات على ملامح وجه «عبد الله» الممزق بين الخوف والندم يقدم لنا «الموجي» عدة مشاهد رائعة، ما جعلنا نقف متسائلين عند انتهاء حياة «عبد الله» منتحرا هل كان هو القاتل أم كان الضحية؟!

أدوار لا تُنسى

بعد ذلك بعامين يقدم كوميديان الشعب مع عاطف الطيب دور «أحمد السباك» في «الحب فوق هضبة الهرم» وكعادته يسير «نجاح» بالشخصية على حبل الإبداع المشدود بحذر بالغ.. فالشخصية إحدى تجليات عصر الانفتاح الاستهلاكي الذي سحق الطبقة المتوسطة، ما جعل الطبقة الطفيلية تطفو على سطح المجتمع بكل ما تحمله من عقد النقص محاولة الارتقاء في السلم الاجتماعي وفق شروطها الخاصة، ويتزوج «أحمد» من أخت البطل «علي عبد الستار» الموظف الذي يعاني الفاقة؛ لنرى المفارقة جلية حد الوجع بين السفه في الإنفاق الذي يمارسه «السبَّاك» والحاجة مع قلة الحيلة اللتين يعاني منهما «علي» لكن «الموجي» يمسك بميزان الذهب الذي يقف بالمتلقي على حدود التساؤل عن المتسبب في تلك المهزلة.. دون إلصاق التهمة بالطبقة التي منحها الظرف التاريخي تلك الفرصة الذهبية فلم تفلتها.

ومن إخراج علي عبد الخالق يقدم نجاح عام 1987، دور «أحمد السريع» في فيلم «أربعة في مهمة رسمية» وهي شخصية سائق نقل يلجأ إليه البطل لتوصيل حيوانات هي بمثابة عهدة إلى مصلحة بيت المال.. ومن خلال الأحداث تظهر جوانب شخصية السائق التي تتحول من الجشع إلى التعاطف ثم إلى المساندة الكاملة وإنقاذ البطل من الموت ضربا وركلا في مشهد من أظرف مشاهد السينما المصرية وأخفها ظلا.

قدم الموجى مع الفنان نور الشريف عدة أعمال، واعتبرا ثنائيا ناجحا، وكان فيلم «أيام الغضب» درة هذا التعاون عام 1989، من إخراج «منير راضي» وقد نال الفنان «نجاح الموجي» عن دوره في هذا الفيلم جائزة مهرجان دمشق الدولي، والشخصية لشاب يدعى «مصطفى» يدخل مستشفى الأمراض العقلية هربا من السجن الذي دخله مظلوما.. وفي المستشفى يحاول «مصطفى» المحافظة على قواه العقلية بشتى السبل، بعد أن اكتشف أن أكثر نزلاء المستشفى فقدوا عقولهم بداخلها بسبب سوء المعاملة.. لكن ظهور «إبراهيم القمحاوي» يقلب الأمور رأسا على عقب، فيتحول «مصطفى» إلى شخص آخر يواجه الفساد داخل المستشفى متمثلا في الريس «ضياء» وتتصاعد الاحداث وتضطرب الإدارة الفاسدة في مواجهة غضب النزلاء الذي يقوده «إبراهيم» و«مصطفى» بعد فشل محاولتهما للهرب.. ويبلغ «نجاح» ذروة الأداء الفني في المشهد الذي يطلب منه الريس «ضياء» التخلي عن صديقه وإلا تعرض لجلسات الكهرباء، فيبدو ممزقا من الداخل بين خوفه من التعذيب ووفائه لصديقه؛ حتى يشارف الانهيار. قدم «نجاح» مع «الشريف» أيضا «131 أشغال» من إخراج نادر جلال عام1993، في دور «مشمش علام» وهو شخص شارك البطل في حرب أكتوبر، لكنه فقد روح أكتوبر أمام طوفان الماديات الذي اجتاح عصر ما بعد الحرب؛ لكنه يستعيد تلك الروح عندما يجد صديقه في محنة بعد اتهامه بقتل صديقهما الثالث، فيقف بجانبه إلى أن تظهر براءته.

ثم يمتعنا هذا الفنان العظيم بحق بأداء شديد الروعة في دور «الهرم» في «الكيت كات» لداود عبد السيد.. لنشاهد شكلا جديدا علينا لتاجر المخدرات الذي اتخذ صورة نمطية في كل الأعمال؛ لكن «نجاح» خلق للشخصية أبعادا أخرى، تعتمد على الذكاء والحيلة وحسن التصرف وخفة الظل، إلى جانب السمات الأساسية للشخصية كالطمع والاستغلال والانحطاط الأخلاقي.. ثم يفاجئنا بجانب إنساني للشخصية حين يرد الجميل للشيخ «حسني» ويقرضه ما طلب من المال.

ومع فيلسوف السينما  رضوان الكاشف الذي غاب عن عالمنا بعد ثلاثة أعمال روائية طويلة فقط، يقدم «الموجي» في «ليه يا بنفسج» دور «عباس» الصديق الثالث لـ «أحمد» و«سيد» لكنه الأكثر معاناة واحتياجا فهو لا يملك شيئا؛ لكنه يقع دائما أسيرا لرغباته التي لا تهدأ فلا يتورع عن سرقة أصدقائه، والاحتيال على الجميع.. لكنه يكتشف في النهاية أن كل ذلك بلا قيمة في مقابل ما توفره رابطة الصداقة له من إحساس بالطمأنينة رغم الفاقة الشديدة.. وقد استطاع «رضوان الكاشف» في هذا الفيلم استفزاز موهبة «نجاح» ليخرج أروع ما لديه في هذا العمل الخالد.

 ومع «محمد كامل القليوبي» يقدم «نجاح» في «البحر بيضحك ليه» أحد أهم أدواره «سيد البُص» «البورمجي» الذي تلقيه الأقدار في طريق البطل «حسين» ليكون له ملاكا حارسا ومرشدا في الحياة الجديدة التي اختارها لنفسه بعد أن قتلت روحه الحياة الروتينية.

ولكن «الموجي» لا يكف عن إبهارنا، وبعيدا عن الكوميديا أيضا في فيلم «التحويلة» لـ «أمالي بهنسي» بأداء ملحمي لشخصية «حلمي أمين عبد السيد» عامل التحويلة البسيط الذي يقول الزجل بموهبة فطرية، ويوقعه حظه العاثر في يد من لا يرحم؛ فيلقى في المعتقل بدلا من آخر استطاع الهرب، ويتحفنا الموجى في هذا العمل في أكثر من مشهد باكتمال فني لافت  للأنظار.

الخروج عن النص

لا يتسع المجال للحديث عن جميع أعمال الفنان الراحل التي قاربت المئة وخمسين عملا في المسرح والسينما والإذاعة والتليفزيون؛ لكننا لابد أن نشير إلى بعض الأعمال المسرحية التي تسببت في الصدام مع الرقابة؛ بعد أن اتهم «الموجي» بالخروج عن النص، وقد دافع «نجاح» عن وجهة نظره بأنه يعتبر الخروج عن النص للممثل المسرحي كالارتجال والتجلي الطربي للمغني؛ لأنه ليس من الممكن أن يكون الدور المكتوب مكتملا بنسبة 100% لأن المؤلف يكتب ما يقارب الـ 14 شخصية ولديه إطار عام يحكمه، و«مورال» يسعى لتوصيله، ناهيك عن عناصر العمل المسرحي الأخرى التي يضعها المؤلف في حسبانه، مما يقطع بأن هناك تفاصيل غاية في الأهمية قد فاتت على المؤلف؛ واستكمال ذلك من حق الممثل الذي يجب أن يدخل تحت جلد الشخصية ويسبر أغوارها؛ ليكون مقنعا عند أداء دوره.

جمع الفنان «نجاح الموجي» بين الموهبة الفطرية وخفة الظل واللماحية والملامح المصرية الأصيلة إلى جانب الذكاء الشديد، والقدرة على استيعاب التجارب والاستفادة منها، كما كان لسماته الشخصية كحب الانضباط والإتقان الشديد واحترام العلم ودوره في الارتقاء بأداء الفنان- دور كبير فيما حققه من نجاحات فنية وأعمال عظيمة ما زلنا نراها إلى يومنا هذا فتمتعنا وتدخل على قلوبنا مسرة حقيقية لما تميزت به من بساطة وتميز.. رحم الله الفنان الكبير كوميديان الشعب «نجاح الموجي».

صورة الغلاف

تصميم: عبد الله محمد

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: