ثقافة

«خناقة» يوسف إدريس مع محمد مستجاب

لم أكن قد وصلت للعمر الذي أفك فيه الخط بعد، لكني – بالطبع – كنت قد دخلت عصر الرؤية والسمع، أرى وأسمع.. في البيت: أبي وأمي وإخوتي وأقاربي وجيراني، في الشارع باعة وأطفال وأصدقاء على المقهي، في المدرسة: ناظر ومدرسون وسعاه وتلاميذ،

صورة يوسف إدريس

لكن نظري دائمًا ما كان يعانق تلك اللوحات والصور الكثيرة المعلقة على حوائط شقتنا الصغيرة، صور لأبي منفردًا، وأخري له وهو يستلم جائزة الدولة، صورة ضخمة لجمال عبد الناصر، ورابعة باهتة للموناليزا، صور لإخوتي وأمي، وثلاث صور أراها منذ أن وعيت، إحداها للراحل ضياء الشرقاوي صديق والدي والذي توفي علي يده، أخرى للشاعر الكبير صلاح عبد الصبور والذي دفنه أبي بيده، وصورة ثالثة منفردة ليوسف إدريس.

كانت هذه الصورة الأخيرة داخل إطار جميل، وقد ارتكز إدريس بخده على سن القلم مصغيًا حتى يكاد القلم يخترق الخد، كانت نظراته حادة، وكأنه فهد، أو أسد، متربص بين الحشائش، يستعد للانقضاض ولا سبيل أمام الفريسة للهروب، مهما كانت مهارتها وسرعتها.

هكذا أصبح يوسف إدريس لدي، صورة حادة وفي حالة تحفز، قبل أن أفتح له كتابا أو مجموعة أو اقرأ له مقالا، يضاف إلى ذلك أن اسمه كان يتردد – مرة أو مرتين – إسبوعيا في بيتنا، سواء وأبي يتحدث على الهاتف مع أحد أصدقائه، أو في جلسة يوم الخميس في بيتنا، دائماً يُذكر اسم يوسف إدريس. وللحقيقة، كان الكثير من الأسماء يتردد على لسان أبى، صبري موسي وزكريا تامر وغالب هلسا وأبو المعاطي أبو النجا ومحمود البدوي ويحيى حقي وعبد الرحمن منيف وغيرهم، لكن يظل وقع اسم يوسف إدريس على إذني ذا معني غامض وغير مفهوم، يتحدث عنه أبي بحب كبير وأحيانا بغضب شديد..  يتحدث عنه بوعي وبرهبة واحترام كبير بالتأكيد.

في البداية – كنت اظن أن يوسف إدريس من أقاربنا، وإلا ما الداعي لتعليق صورة له في بيتنا. وفي جلسة الخميس، كان البيت يمتليء بأصدقاء أبي، كتّاب معروفون وشبان يسعون لدخول عالم الإبداع والكتابة، لكن كان هذا السؤال الدائم قبل بداية أي مناقشة أو قراءة أي شيء في الجلسة: شفت يوسف إدريس كاتب إيه في الأهرام النهاردة..؟

لكن يوسف إدريس توغل أكثر في منزلنا، فذات يوم، وجدت والدي غاضباً، بل ويتعارك ويسب في التليفون، وما السبب؟ يوسف إدريس سب مستجاب؟ كيف هذا؟ ومستجاب – أبي – أعلم ما به من شراسة وانه لا يترك حقه؟ وهل مستجاب صمت؟ لا، رد عليه، وقال له لقد تخطيتك.. ثم سبه أيضا.

وبدأت أفهم ما حدث، كانت ندوة في مجلة «الوسط» يدور النقاش فيها عن القصة القصيرة، وكان ذلك في النصف الثاني من الثمانينات، والندوة في المجلة التى يرأس تحريرها الكاتب والصحفي عمرو عبد السمع كانت تضم كل من لهم بصمة في القصة القصيرة المصرية: يوسف إدريس وعلى سالم وابو المعاطي ابو النجا وصبري موسي ومحمد المنسي قنديل ومستجاب. وبعد الندوة، تحاور مستجاب ويوسف إدريس عن فن القصة، وتطورها، ولأن يوسف إدريس لا يرى إلا نفسه، فقد ناقش مستجاب فى قصصه و أشاد كثيرا به، لكنه أيضا كان يظهر بعض التعالى وبعض الغضب، لذلك حدثت المعركة وأصبح ما جرى بين إدريس ومستجاب وساما على صدر مستجاب وعلى صدر قصته.

الكاتب محمد مستجاب

وهكذا أصبحت صورة يوسف إدريس لدي، وبدأت أقرأ كتبه ومجموعاته القصصية التى لدينا في المكتبة، أرخص ليالي، وجمهورية فرحات، وحادثة شرف، وآخر الدنيا، والعسكري الأسود، والنداهة، وبيت من لحم، والعتب على النظر.

لينفتح عقلي وقلبي لهذا الرجل، وادخل عالمه، سواء فهمت أو لا- نظرًا لصغر سني في ذلك الوقت – 15 عاماً، لكني كنت منبهرا به وبكتابته، ومنبهرا أكثر بتحليلات والدي له، ولكلماته ولتصرفاته في الحياة وفي الوسط الأدبي المصري والعربي.

اقرأ أيضا:

قارىء البشر

وفي الحقيقة إنني لم أر كاتبًا لا يري إلا نفسه مثلما رأيت وسمعت وشاهدت وقرأت يوسف إدريس، معتدا بنفسه وبكتابته وبقلمه، يعلم أن الحياة ليست هادئة وليست سليمة وليست طيبة، بل يجب أن نعيشها بالطول والعرض، وهو يعرف ويعلم ما يمتلكه من سلاح، وأقصد القلم، وما معه من موهبة، لذا فلا أصدق أنه نبت شيطاني، أو إنه لم يقرأ لمن سبقوه، هذا كله كلام ليس له أساس من الصحة، بل على العكس، يوسف إدريس قرأ كل شيء مما سبقه، تابع وشرح وفهم وتعلم الموسيقي و لغة الجسد وحركات البشر وتصرفاتهم وألاعيبهم وضعفهم وشجاعتهم وخبثهم ودهائهم ومكرهم وسذاجتهم، قرأ كل ذلك وارتشفه بفمه واستنشقه بأنفه وتلمسه بأنامله وتذوقه بلسانه وسمعه بأذنه، قبل أن يبدأ في مواجهة الورقة البيضاء، وأصبح بداخله شيء يريد أن يقوله: هو في الأساس أن يغير، أن يصنع أو – يخلق – شيئا جديدًا، لم يره ولم يشاهده ولم يسمعه أحد من قبل، والا لما كتب بلغة الشارع وبلغة البسطاء – لا أقصد عالمهم فقط بل بلغتهم ايضا، هبط للدنيا، لقاع القاع، ولجوف البئر، واخرج كل كلاسيكيات الأدب وجلسات المثقفين وندواتهم- وربما عقمهم – وألقاه على اسفلت الشارع وعلى قارعة الوطن – مفتخرًا بأنه هو يوسف ادريس ولن يكون إلا يوسف إدريس.

يبدو يوسف إدريس على وجه الحياة، صوتا وقلما وروحا وجسدا، مهاجما وفارسا ومحاربا وثائرا، لكل من لا صوت لهم ولا في إيديهم نبوت ولا في حياتهم أحلام، اخرجهم وقادهم من الاهمال والهامش والنسيان وأخرجهم من تابوت قديم، كانوا يضعون فيه الملك، فتتسرب فيه نقاط من عرقهم وكفاحهم وتعبهم، هذا العرق هو ما اكتشفه يوسف ادريس في الحياة، وفي القصة التى يكتبها و يقيم عليها حضارته وخصوصيته وأفكاره وتاريخه ومواقعه.

 قلم يوسف إدريس ينبض ويفجر الدماء والعرق المصري القديم والعريق، يفجره في واقعيته ودفئه وحنانه وفقره وبؤسه الشهير أيضا، فأصبحت اوراقه وقصصه وعوالمه ومقالاته ومسرحياته ورواياته بأبطالها البسطاء الهامشيين، مشعة بعمقها الإنساني وقدرته ككاتب على النفاذ والاختراق إلى أعمق أعماق أغوار الجُب الإنساني المصري والعربي، في كل مكان وزمان.

الكاتب يوسف إدريس

البعد الخامس

وبالنظر إلى مجمل أعمال يوسف إدريس أو حتى بعض منها، سنجده مهموما بشكل كبير «بقضية الكتابة» أي – ماهية الفن؟، وكيف يصل ويُحدث تأثيرا، ومصدر تلك الكتابة، وجوهر عمله، لذا سنجد إنه لا يوجد فرق بين كتابته وكلامه في الحياة، فهو يتكلم كما يكتب ويحكي، ويداهمك سؤال يبدو ساذجا؟ من أين تأتيه الكتابة.. وتلك الأفكار، وهذه العوالم.؟

إن إحساس يوسف إدريس بالقصة، بكل ما تعنيه من أسلوب وتركيز ولغة وهوامش وشخصيات ومغامرة لغوية وتجديد، كان عاليًا جدًا، ويكاد لا يفارقه، لا يقابل الورقة البيضاء لمجرد أنه قابلها أو ابتسمت أو غمزت له، – فهويدرك أنها مثل المرأة المراوغة

وهكذا كان إدريس يعى العالم حوله، بكل أبعاده: من حجم وكتلة ومسافة وزمن، لكنه كان يبحث عن بعد خامس، بعد اللا مرئي، بعد غائر، بعد يحتوى كل الأبعاد السابقة ويضمها معاً.

وهكذا اكتشف إدريس بعدا خامسا للأشياء والموجودات والكائنات، هو بعد للانسان ذاته، قصته، ذلك المجهول الذي لا يمكن ان يقاس إلا بالإنسان ذاته.لتصبح القصة هي البعد الخامس والحقيقي واللا مرئي والمحسوس والمغامر والفوضوي والشرس والجبان في الإنسان، البعد الذي يغلف حقيقة الناس والأشياء، وهنا يقف القاص، المكتشف، مثل قصاص الأثر في الصحراء أو الأثري المنقّب عن الآثار، فالقاص المبدع الحقيقي، هو مكتشف هذا البعد الفريد المراوغ، ومن بين مئات الأبعاد والنماذج يصبح القاص الحقيقي هو المسيطر والذي يستطيع أن يكتشفه ويقدمه، فلكل كائن قصته أو بعده الخاص القصصى الذاتي.

وأصبح هذا البعد هو محور حياة يوسف إدريس، وأن يصبح متفرداً وواصلا ومؤثرا، فالحلم بالكتابة كالحلم بالثورة.

ولكي تقرأ يوسف ادريس، فاعلم أنك داخل بطن بركان لا يهدأ، فائر وثائر، حمم وشظايا تتطاير وتتشكل، ولا يمكن لك أن تهرب منها أو تتفادها أو تختبيء بعيدا عنها، بل ستجذبك وتسحقك وتشكلك من جديد. والمدهش أنه عند اقترابك من إبداع يوسف ادريس فإنه قد يجبرك على أن تتغير، أن تتوقف عن عاداتك اليومية، ستتوقف وتبدأ في التفكير، لتعيد صياغة حياتك ونظرتك وفهمك للكون.كان يوسف إدريس- ولايزال – قادرا – على أن يزلزل ويحطم كل البديهيات والثوابت، ليعيد لك معني الحياة، فتبدأ في التشكل وفي الحلم وفي الحب وفي التغير.

وسيظل يوسف ادريس شعلة نور تضىء طريق البشر، وشمعة في بئر سلم، ولمبة جاز في سرداب مقبرة، وسراجا داخل دهاليز القصور، فهو من القلائل الذين عندما تقرأ لهم لا يعود العالم الذي تعيش فيه كما كان. فقد كان يوسف إدريس مع الجميع وضد الجميع، يحارب على كل  الجبهات، ويحاصر في جميع الميادين، لتعلم في النهاية، أن أحلى ما في هذا العالم هو الكتابة الحقيقية.

صورة الغلاف

تصميم: عبد الله محمد

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق