منوعات

عبد الناصر وهيكل.. و «سي الحبيب»

في وقت كان مجرد التلويح فيه بالتفاوض مع الكيان الصهيوني، يعد ضربا من ضروب الجنون وخيانة للإجماع العربي، فاجأ الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة الرأي العام العربي بدعوته الفلسطينيين إلى القبول بقرارات الأمم المتحدة، بما يعني الاعتراف بإسرائيل والتفاوض معها.

كانت الجامعة العربية قد دعت في قمتين متتاليتين عُقدتا في الإسكندرية والقاهرة عام 1964، الأولى في مارس والثانية في سبتمبر، إلى «حشد جميع الطاقات العربية لتحرير كامل فلسطين من النهر إلى البحر وتشكيل قيادة عامة موحدة ووضع خطة تفصيلية لتنفيذ هذا الهدف»، وبعد أقل من 6 أشهر وخلال زيارته لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين بمدينة أريحا بالضفة الغربية، دعا الحبيب بورقيبة إلى قبول قرارت الأمم المتحدة فيما يخص عودة اللاجئين وفتح الباب أمام التفاوض لتقسيم أراضي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بدعوى أن الدول العربية أضعف من مواجهة إسرائيل عسكريا.

 الحبيب بورقيبة

 أزمة صالح بن يوسف

منذ أن خُلع الملك محمد الأمين باي، وتنصيب الحبيب بورقيبة أول رئيس للجمهورية التونسية في يوليو من عام 1957، والعلاقات المصرية التونسية لم تكن تخلو من التوتر، فلم يكن يمر عام دون أن تندلع أزمة سياسية أو معركة إعلامية بين تونس والقاهرة. فقد اتهم بورقيبة مصر بدعم غريمه صالح بن يوسف الذي رفض معاهدة يونيو 1955 التي منحت فرنسا بمقتضاها تونس الاستقلال الداخلي ووصفها بأنها «خطوة إلى الوراء وأنه استقلال منقوص»، واستقبلت القاهرة بن يوسف، فطلب بورقيبة من عبد الناصر تسليمه إياه، فرفضت مصر واعتبرت أن هذا من حقوق اللاجئ السياسي، فاتهم بورقيبة عبد الناصر بدعم الحركة اليوسفية، ثم اتهم المخابرات المصرية بمحاولة اغتياله عام 1958.

الملك محمد أمين باي

 دعوة للاعتراف بإسرائيل

خلال زيارته  لمدينة أريحا في الضفة الغربية في 3 مارس عام 1965، عقد بورقيبة مؤتمرا جماهيريا، مشيدا بصلابة الفلسطينيين وإصرارهم على استعادة الحقوق العربية، وفي هذا الخطاب لمز الرئيس التونسي نظيره المصري، داعيا الفلسطينيين إلى «عدم الركون إلى الخطب الحماسية والعواطف، وصياغة مواقف عملية وواقعية وخطط لمواجهة مغتصبي الحق، فضلا عن البحث عن قيادة واعية تتمتع بإجماع شعبي لقيادة مسيرة التحرير التي يجب أن يتقدم صفوفها أصحاب الحق أولا».

وتمهيدا لما سيطرحه في نهاية خطابه دعا بورقيبة  إلى عدم التمسك بحدود فلسطين العربية، والقبول بسياسة الأمر الواقع التي سعت إسرائيل إلى فرضها، وقال نصا «الواقع أن الكارثة، التي مُنينا بها، ووقوفنا على حدود فلسطين العربية، دليل على أن القيادة، لم تكن موفقة، فإن عجز الجيش عن تحقيق النصر، مع توافر الحماس، يدل على خطأ القيادة، بدون شك. وكما قلت لكم، فإننا نعمل بجد واجتهاد، على رفع مستوى القيادة، وجعلها في مرتبة مسؤولياتها، بالاجتماعات الدورية، وبمؤتمرات القمة وغيرها».

وفي محاولة لتبرير طرحه الغريب على مسامع الشارع العربي حينها قال بورقيبة: لا شك في أنه لا يمكن لأي زعيم عربي يتهم بالخيانة لحديثه عن الحل المنقوص، أو عن الحل الوقتي، ويوصف بأنه صنيعة الاستعمار، أن يواصل عمله في أتون من المهاترات. ولكي لا يعطل الشعب تنفيذ الخطة، يجب أن تكون له ثقة في زعمائه، حتى يمكنهم حرية التصرف والوصول إلى الهدف.

وفي نهاية خطابه نصح الرئيس التونسي الشعب الفلسطيني بالبعد عن الغرور وقبول قرارات الأمم المتحدة الخاصة بالتقسيم قائلا «نصيحتي، التي أقدمها لكم ولكل العرب، حتى تضعوا في الميزان، لا العاطفة والحماس فقط، بل كذلك جميع معطيات القضية.. أدعوكم إلى معرفة إمكانياتنا الحقيقية، وتقدير إمكانيات الخصم، وضبطها بأكثر ما يمكن من الموضوعية والتحري والتثبت، حتى لا نرتمي في مغامرة أخرى، تصيبنا بنكبة ثانية، وتعود بنا أشواطاً بعيدة إلى الوراء».

 

بورقيبة في مواجهة العرب

أثار خطاب بورقيبة حالة من الغليان في الشارع العربي، وتفاعلت الحكومات ووسائل الإعلام مع غضب الشارع، واعتبر البعض أن دعوته ليست فقط تنازلا أو تراجعا، بل خيانة للإجماع العربي وتخليا عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، واعترافا ضمنيا بالكيان الصهيوني الغاصب.

وفي أبريل من ذات العام أصدرت منظمة التحرير الفلسطينية بياناً، شجبت فيه تصريحات الرئيس التونسي، وشدد أحمد الشقيري رئيس المنظمة على أن دعوات بورقيبة مخالفة لقرارات مؤتمرَي القمة العربية في القاهرة والأسكندرية. ودعا الشقيري مجلس الجامعة العربية لعقد دورة استثنائية، لـ«إقرار فصل تونس من الجامعة العربية، ومجلس الدفاع المشترك، وجميع الهيئات واللجان المتفرعة عنها»، وفقا لما جاء في تصريحاته لجريدة «الأهرام» حينها.

أحمد الشقيري رئيس منظمة التحرير الفلسطينية

وعقد المجلس الوطني الفلسطيني دور انعقاده الثاني في القاهرة، خلال الفترة من 31 مايو حتى 4 يونيو 1965، بحضور الرئيس عبدالناصر. ووصف تصريحات بورقيبة بأنها «خيانة عظمى» للقضية الفلسطينية، وخروج على الاجماع العربي، وافتئات على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

وفي مصر عقد مجلس الأمة اجتماعا طارئا طالب خلاله عدد كبير من النواب، بطرد تونس من الجامعة العربية ومن مؤتمرات القمة، وبسحب سفير الجمهورية المتحدة من تونس. وعلى المستوى الشعبي خرجت مظاهرات في القاهرة تستنكر تصريحات الرئيس التونسي، وحاصر المتظاهرون سفارة تونس وحاولوا إحراق منزل السفير لولا تدخل قوات الأمن المصرية.

وخلال احتفال عيد العمال شن الرئيس عبد الناصر هجوما قاسيا على دعوة الرئيس التونسي، وقال «إن تصريحات بورقيبة ومقترحاته، تعني التعايش السلمي مع إسرائيل، وهذا الكلام يضعف قضية فلسطين». وفي بغداد وصف الرئيس العراقي عبد السلام عارف، مقترحات بورقيبة بأنها «خروج على مقررات مؤتمرَيْ القمة، فضلاً عن أنها غير مقبولة، وأنها مردودة جملة وتفصيلاً». وفي دمشق خرجت تظاهرات صاخبة تستنكر تصريحات بورقيبة، أما في لبنان فقد أصدر كميل شمعون رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك بياناً اتهم فيه بورقيبة بالجهل ببعض نواحي كارثة فلسطين، لانعزاله عنها.

 

خطوة للخلف

وعلى وقع هذا الغضب العارم قرر الرئيس التونسي التراجع خطوة للخلف، فبعث برسالة إلى الرئيس عبد الناصر يفسر فيها ما جاء بخطابه في أريحا، ,ويدعوه إلى تغليب «التكاتف والتضامن على الخلافات والتراشق». قال بورقيبة فى رسالته إن «الخلافات مهْما تكن، يمكن التغلب عليها بالمنطق السليم والنية الطاهرة والعزيمة الصادقة. وإن ما لقيته من شعب مصر، ومن شعوب المشرق العربي عامة، من إكرام وتبجيل، لَمرتسم في نفسي، ولن يمحي أثره مهْما تقلبت الأحوال. وإن ذلك لَدَين يضاف إلى واجبي، كعربي، فيُملي عليّ أن أفعل كل ما في وسعي لأجنب الشعوب العربية مغبة الانقسام والتناحر، في ظروف هم فيها أحوج ما يكونون إلى التكاتف والتضامن من أجل العمل الإيجابي».

لكن أكد بورقيبة شدد على وجهة نظره بأن العرب لا يملكون القدرة على هزيمة إسرائيل في تلك اللحظة، وعزا ذلك لسببين، أولهما: أن الدول العربية غير متأهبة لمواجهة الحرب، ولا قابلة لمبدأ تسلل المقاومين من أبناء فلسطين، والثاني: أن الوضع الدولي يحُول أيضاً دون ذلك لاجماع الشقين الغربي والشرقي في الأمم المتحدة على المحافظة على السلم، واستعدادهما لردع أي محاولة تهدف إلى تغيير الوضع الحالي بالعنف في هذه المنطقة.

هيكل وسي الحبيب

في هذه الأثناء كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل مقالا مطولا بـ «الأهرام» يرد فيه على توجه بورقيبة، محللا فيه نزعات الزعيم التونسي الذي جاهد وفاوض حتى حرر بلاده من الاحتلال الفرنسي، وخلال رحلة الاستقلال رفع بورقيبة شعار «خد وفاوض»، وهو ما لم يكن له محل من الإعراب في الصراع العربي الصهيوني، فالأمة العربية في ذلك الوقت كانت ترى أن الصراع بينها وبين المحتل صراع وجود وليس حدود، ولم يكن أمامها إلا الحرب لاستعادة  أرض فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر.

وتحت عنوان «حوار مع سي الحبيب» كتب هيكل: لا أظننى أدعى لنفسى فضلاً إذا قلت إننى واحد من الذين لم تفاجئهم تصريحات الرئيس الحبيب بورقيبه.. هذا هو «سى الحبيب» تماماً كما عرفته.. كان ينبغى لـ«سى الحبيب» – كما عرفته – ألا يوقع نفسه فى مثل ما وقع فيه، وإلا فإنه إذن قد تغير وتبدلت شخصيته، وليس ذلك بالمعقول خصوصاً بعد سن الستين التى تجاوزها قبل سنوات

وبعد شرح لشخصية «سي الحبيب»، رفض هيكل ما طرحه الرئيس التونسي من إمكانية تعايش سلمى بين الشعوب العربية وإسرائيل، «فى هذه المسألة فإنى أميل إلى قبول التصحيح الذى حاول به سى الحبيب أن يتدارك أثر ما فُهم من كلامه».

كان الحبيب قد تدارك نفسه وأعلن على لسان وزير خارجيته المنجي سليم أنه كان يقصد إمكانية التعايش السلمي بين الشعوب العربية وبين أقلية يهودية تسكن بينهم بعد القضاء على إسرائيل.

عقدة الجمهورية العربية المتحدة

وبعد مقال «حوار مع سي الحبيب» بشهور، وإبان انعقاد اجتماع وزارء الخارجية العرب بالدار البيضاء في منتصف سبتمبر من نفس العام للتجهيز للقمة العربية، كتب هيكل مقالا آخر بعنوان «من على شاطئ المحيط عند الغرب» هاجم فيه المذكرة التي قدمها وزير الخارجية التونسي والتي طالب فيها بتغيير اسم الجمهورية العربية المتحدة، داعيا إلى إدراج الطلب التونسي على أجندة أعمال الاجتماع.

واتهم هيكل الرئيس التونسي بأنه قاصر عن التفكير ما دامت هذه المذكرة من وحي مستشاره اللبناني سيسيل حوراني، الذي يعمل في جامعة اكسفورد وتربطه علاقات بالمخابرات البريطانية. وقال هيكل في مقاله الذي حمل ردا قاسيا على رئيس تونس: «وفي الحقيقة فإنّ الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة لم يترك للجمهورية العربية المتحدة أية فرصة لتكشف دوره وموقفه، تكفل بنفسه بكل شئ، جاء بأستاذ عربي سابق في أكسفورد-أو لعله مازال فيها لست متأكدا-لا تخفي صلته بالمخابرات البريطانية عن أي مشتغل بالسياسة في العالم العربي ثم جعله يكتب له مذكرة إضافية باتهام الجمهورية العربية المتحدة والهجوم علي سياستها ،وكيف أنها تسعي للسيطرة علي العالم العربي كله ولا يعنيها غير أن تنهبه وكيف أن دعوة الوحدة العربية ليست إلا قناعا للاستعمار المصري الجديد لا أكثر ولا اقل».

وأضاف هيكل: ومن حسن الحظ أن الحبيب بورقيبة أضاف بنفسه إلى المذكرة بعض أفكاره فكانت القشة التى قصمت ظهر البعير.. أضاف نقطتين على المذكرة التى كتبها له سيسيل حورانى. الأولى: أنه لا يستطيع أن يطمئن إلى الجمهورية العربية المتحدة إلا إذا غيرت اسمها واكتفت باسمها القديم «مصر» وعادت إليه والتزمت به. لماذا؟ لأن اسم الجمهورية العربية المتحدة – على حد ما قالت مذكرة الرئيس التونسى – توحى برغبة القاهرة فى ابتلاع بقية الدول العربية داخل إطار هذا الاسم وفى غياهبه!!

أما عن النقطة الثانية بحسب هيكل: أنه –أي بورقيبة- لا يستطيع أن يطمئن إلى الجمهورية العربية المتحدة إلا إذا غيرت علمها بألوانه الثلاثة والنجمتين الخضراوين فى وسطه واكتفت بعلمها القديم «الأخضر والهلال والنجوم الثلاثة» وعادت إليه – أيضاً – والتزمت به. لماذا؟ لأن علم الجمهورية العربية المتحدة – على حد ما قالت مذكرة الرئيس التونسى – يوحى برغبة القاهرة فى تقليد الولايات المتحدة الأمريكية – وذلك بتحويل الدول العربية كلها إلى ولايات فى اتحاد واحد لا يبقى منها فى النهاية إلا نجوم بعددها فى العلم ترمز إلى وجودها الذى كان… ثم لم يكن.

وسرد هيكل كيف تعامل الوفد الرسمي المصري مع مذكرة بورقيبة، حيث طالب محمود رياض وزير الخارجية وزراء الخارجية العرب أن يقرروا وحدهم كيفية التصرف فيها، فوجه عبد الخالق حسونة الأمين العام لجامعة الدول العربية دعوة عاجلة إلى الوزراء ووضع أمامهم المذكرة، فكان قرارهم الإجماعى هو إهمالها، ورفض إدراجها فى جدول الأعمال، ورفض تلاوتها فى أى اجتماع، ورفض اعتبارها وثيقة من وثائق المؤتمر. وحين علم المنجى سليم وزير خارجية تونس ومبعوث بورقيبة الذى حمل المذكرة إلى الدار البيضاء، بالقرار الجماعى لوزراء الخارجية العرب قال: «إنكم بهذا تطردون تونس من عضوية الجامعة العربية».

المنجى سليم وزير خارجية تونس

ويقول هيكل: لقد كنت على استعداد لتأييد ملاحظة المنجى سليم واعتبارها تعبيراً دقيقاً عن معنى القرار الذى اتخذه وزراء الخارجية العرب بالإجماع – لو أنه استبدل «كلمة تونس» بـ «كلمة بورقيبة».

وفي محاولة لرد الصاع إلى مصر، قرر بورقيبة الذي كان معروفا بمواقفه شديدة العداء  للإسلاميين ولمظاهر التدين، منح عدد من قادة الإخوان المسلمين المصريين الجنسية التونسية، وأشهرهم صديقه رجل الأعمال الإخواني يوسف ندا. وبعد صدور حكم بإعدام المنظر الإخواني سيد قطب بمصر في اغسطس من عام 1966، أقام بورقيبة – نكاية في عبد الناصر – موكباً في أربعينية سيد قطب، وحرض الصحف التونسية وخطباء المنابر  على مهاجمة عبد الناصر بسبب هذه الحادثة……

سيد قطب

رحم الله الجميع، عبد الناصر وهيكل وبورقيبة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق