فن

كيف قاوم المسرح سياسة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا؟

«سوف يرقص الناس ويغنون،سوف يكون هناك خبز يكفي الجميع، سوف ينعم قومنا بالسلام لأننا سنكون كثر، سوف يرانا العالم بأسره، سيعود الناس إلى ديارهم وأسرّتهم، سوف تكون أيام سعادة وهناء».. تلك كانت كلمات أحدى أغنيات مسرحية «انهض ألبرت» التي عُرضت على مسرح «السوق» في جوهانسبرج بجنوب إفريقيا عام 1980، وكانت بمثابة شهادة على زمن التمييز العنصري البغيض.

المسرح في إفريقيا كان موضع احتفاء وحفاوة الدورة الأخيرة لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي. فتحت عنوان «المسرح الإفريقي المعاصر»، عقدت على هامش المهرجان سلسلة من الندوات والحلقات النقاشية التي سلطت الضوء على قضايا المسرح الإفريقي وخصوصيته ومشاكله وأزماته.

هذا إلى جانب إصدار دراسة للدكتورة أسماء يحيى الطاهر عبد الله، أستاذ الأدب المسرحي بجامعة حلوان تحت عنوان «المسرح الإفريقي المعاصر.. دراسة في الدراما الأدائية»، سلطت فيها الضوء على المسرح في جنوب إفريقيا، وكيف استخدم فن المسرح كوسيلة لتقنين سياسة التمييز العنصري في هذا البلد من جانب المستعمريين البيض؟، وكيف أستفاد رواد المسرح الوطنيون من التراث الثقافي الإفريقي في مناهضة سياسة التمييز العنصري في بلادهم؟.

الدكتورة أسماء يحيى الطاهر عبد الله

سياسة التمييز العنصري

تستعرض الدكتور أسماء يحيى في بداية الدراسة الملامح العامة لسياسة التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، كمدخل لطرح رؤيتها حول المسرح الجنوب إفريقي، وتشير في هذا الإطار إلى أن نظام التمييز العنصري بدأ بجنوب إفريقيا عندما حصل حزب الأفريكانية الوطنى الأبيض على الأغلبية عام 1940. وقد استخدمت سلطة التمييز العنصري «الدين والسياسة» لتحقيق التمييز إلى جانب تمرير مجموعة من القوانين في بداية خمسينيات القرن الماضي للفصل العنصري تتعلق بكل مناحي الحياة، من سكن وتعليم وزواج وأماكن عامة، منعت تلك القوانين دخول «السود» من البلديات أو المناطق الريفية إلى مناطق «البيض» إلا بموجب إصدار تصاريح عمل مؤقتة، فأصبح يتعين على «السود» أن يحملوا جواز مرور يتضمن معلومات عن إقامتهم وتصاريح عملهم المؤقتة.

المسرح التبشيري

توضح الدراسة كيف استخدم «مسرح مدارس التبشيريين» تحت دعوى تعليم القيم والمثل المسيحية «المتحضرة»، في دعم سياسة التمييز العنصري، حيث تناولت تلك الأعمال موضوعات: «التوبة، وتدريب الشخصية، وعادات التصنيع، والإجتهاد، والإدخار والطاعة»، ومن ثم تسللت بعض الأفكار والممارسات العنصرية بصورة موازية داخل تلك العروض بحيث أصبح العرض المسرحي وسيلة للهيمنة على «السود» وتأكيدا ودعما لسياسة الفصل العرقي.

كانت دولة التمييز العنصرى قد شرعت في وضع إطار عام تعرض فى ظله الفنون، رسمت عبره الحدود الدينية والاجتماعية والسياسية التي ينتظم من خلالها العمل الثقافي. موضحه توزيع مواقع الأماكن المخصصة للعرض، عددا وعتادا، حيث وجد تسع وأربعون مسرحا تقع جميعها بالمناطق التي تم تحديدها رسميا بأنها مناطق البيض، وتتحكم فيها إدارات بيضاء على الرغم من أن بعض المسارح، مثل «مسرح السوق»، كان له رعاة من «السود».

مسرح «كينتي».. «أبو مسرح السود»

حفز مسرح التبشيريين الأفارقة على إبتكار أشكالهم ومضامينهم المسرحية الخاصة التي ينتقدون بها الطريقة التى يتم بها تقديم «السود» في عروض ومسرحيات المدارس التبشيرية التي كانت تحرص على إبراز تفوق «البيض» على «السود» بالمجتمع.

 على الجانب الأخر كان لا يوجد سوى مسرحين بدائيين تحت سيطرة «السود» في منطقة ويتواترسراند، مسرح دلومو (أغلقته السلطات عام 1983م لخطر الحريق) ومساحة مركز فوندا التجريبي.

غير أن ذلك لم يمنع من وجود العديد من العروض التي يتم عرضها بالضواحي بأماكن التجمع المحلية وقاعات الكنيسة والسينما، وهى أماكن تخدم جميع الأغراض ولا يوجد بها إمكانات للخشبة.

أما عن أشهر عروض «مسرح السود» في الستينيات فقد كتبها وأنتجها «جيبسون كينتي» (1932- 2004)، الذي أطلق عليه لقب «أبو مسرح السود»، حيث كان أول مؤلف مسرحي يكتب عن حياة «السود» في الضواحي. كان «كينتي» من ضاحية «سويتو» التي أضحت فيما بعد مركز انطلاق المظاهرات المناهضة للتمييز العنصرى.

كتب «كينتي» ضد التمييز العنصري وتم حظر ثلاثة أعمال مسرحية له: «متى، أنا أعتقد، بعد فوات الأوان». كان «كينتى» مؤلفا موسيقيا وموزعا لموسيقى وغناء الجاز علاوة على كونه مؤلفا مسرحيًا. ابتكر «كينتى»، ومن حذوا حذوه من الكتاب، أسلوبا جديدا يخلط الموسيقى والرقص مع الدراما الاجتماعية.

لم يتمكن «كينتي» بسبب الرقابة القاسية على الضواحي من التركيز إلا على «واقع المعاناة والصراع، والحاجة إلى الأخلاق الشخصية والتضحية من أجل الولاء للعائلة، والتكافل الاجتماعي، والمساعدة الذاتية». ومع ذلك ظل التناقض المتضمن في تصوير عواقب التمييز العنصرى دون إشارة مباشرة للنظام يخلق الكثير من المشاكل لـ«كينتى» الذي جاءت أعماله تحت مظلة «حركة الوعي الأسود» ملتزما بمبادئها ومقولاتها السياسية.

تناولت تلك العروض المسرحية الاعتقالات بسبب جواز المرور، والمهانة المختبرة في الكشوفات الطبية بمكاتب العمل، والبيروقراطية ضيقة الأفق، ومعاناة العمال المهاجرين، وظروف المجمعات السكنية، وانهيار القيم الثقافية والأخلاقية بالضواحي.

«الورشة 71»

تعد فرقة «الورشة 71» واحدة من أكثر فرق التحدي بالسبعينيات، تم تكوينها بجامعة ويتواترسراند عام 1971م على يد أستاذ الدراما «روبرت مشونجو» كان الهدف من إنشاء فرقة «الورشة 71» أن ينضم كل من الكتاب والممثلين «البيض والسود» معا لخلق مسرح جنوب إفريقي عام منطلقا من الثقافة المركبة لجميع الجنوب إفريقيين، في وقت لم يعد هناك تقابل ثقافات بل تحدٍ بين ثقافات.

انبثق عن تجربة «ورشة 71» وغيرها من التجارب المماثلة إبداع تقليد جديد جنوب إفريقي هجين ومتميز، ذلك أنه عبر محاولة المزج بين عدد من المفاهيم المتنوعة عن المجتمع والمسرح بعرض واحد تم استخدام تقنيات الإرتجال والعمل الجماعي، كما استخدمت السخرية من المجتمع الإفريقي التقليدي من أجل تقويم الأفعال السيئة والخاطئة والإجرامية، ومن ثم تطورت تلك السخرية نحو انتقاد الساسة والشخصيات العامة الظالمة وسياسة التمييز العنصري بشكل عام.

انهض ألبرت!.. مسرحية ساخرة

مسرحية «ووزا ألبرت! أو انهض ألبرت» والتي عُرضت على مسرح «السوق» بجوهانسبرج بجنوب إفريقيا عام 1980، كما أشرنا آنفا، هي نتاج عمل جماعي ارتجالي لكل من «بيرسي متاوا» و«مبونجيني نجيما» واللذين قاما بأداء شخصيات المسرحية، و«بارني سايمون» الذي أخرج العرض المسرحي، وتنتمي هذه المسرحية إلى ما يعرف بحركة «مسرح الاحتجاج».

بنيت مسرحية «انهض ألبرت!» على مجموعة من الشهادات الحية التى جمعها مؤلفوها ومؤدوها، من سكان الضواحي «السود» من خلال إجاباتهم على أسئلة المؤلفين: «ماذا يحدث لو كان المجىء الثاني للمسيح في جنوب إفريقيا تحت حكم التمييز العنصري؟ وماذا يرغبون في قوله له؟» وقد شكلت الإجابات على تلك الأسئلة شهادة  قوية على معاناة الناس في ظل الحكم العنصري.

إنطلق مبدعوا تلك المسرحية من وحي إيمانهم بمبادئ «حركة الوعي الأسود»، فجاء عرضهم خليط من تشابك كل من ثقافة جنوب إفريقيا، والكوميديا المعتمدة على حركات الجسد.

قدمت المسرحية في صورة مجموعة من اللوحات بحيث تعبر كل لوحة عن أحد الموضوعات الخاصة بحياة «السود» في ظل التمييز العنصري والتى قام بجمعها المؤدون من شوارع سويتو؛ مثل: جواز المرور، وظروف السجن، وحقوق العمال.

يعبر مظهر المؤدين الثابت طوال العرض عن الفقر والظروف السيئة للسود حيث يظهران مرتديان بناطيل رياضية رمادية اللون وأحذية ركض، عاريا الصدر. كما يضع كل منهما أنف مهرج وردية مربوطة بقطعة مطاطية ومربوطة حول عنقهما «ليضعاها على أنوفهما فى حالة تأديتهما لشخصية رجل أبيض».

يستخدم صناع المسرحية، إلى جانب استخدام أسلوب السخرية المستمد من الدراما الشعبية الإفريقية، فنونًا أدائية أخرى ترجع أصولها أيضًا إلى تراث الفنون الإفريقية وبخاصة الشعبية، مثل الحكي والغناء والرقص.

كما استعان المؤلفون بفن السرد بغرض إعادة سرد التاريخ من وجهة نظر «السود»، إلى جانب إستخدام الأغاني التقليدية لقبائل الزولو بجنوب إفريقيا: «أغنية عن السجن، أغنية للعمل، وأغنية عن العظماء»، تم تقديمها بلغة الزولو، ما منح المسرحية ملمحا ثوريا يعادل تقنيات المسرح الملحمي.

«لقد حضر جنود أعدائنا للهجوم على الملك.. إنهم قادمون من جهات العالم الأربع للهجوم على الأسد.. لابد أن نقتل الأعداء»

تختتم دكتور أسماء يحيى دراستها عن المسرح في جنوب إفريقيا ممثلا في مسرحية «انهض ألبرت!» بالإشارة إلى أن استخدام أغاني الزولو إلى جانب تراث المسيحية كان بمثابة دعوة واضحة من صناع المسرحية لوحدة الصف، ليس فقط بين «السود» وإنما بين «السود والبيض» المناهضين للظلم والعنصرية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق