رؤى

هل كان حسن البنا مفكرا ومجددا بحق؟!

إذا اتفقنا على أن المفكر هو القادر على إحداث نقلة نوعية في مجال الأفكار، فهل كان حسن البنا مفكرا ومجددا كما تصفه جماعته وأنصاره؟ وهل يمكن مراجعة تراث الرجل بعيدا عن التحزب له أو التعصب ضده؟ وبعيدا عن هالة التقديس أو التدنيس التي دأب عليها أنصاره  وخصومه في سجالية واستقطاب وضباب فكري يحجب شمس الحق والحقيقة؟.

اقرأ أيضا:

تأتي أهمية هذا السؤال من كون الرجل لا يزال حاضرا في مختلف أطروحات وخطابات جماعات الإسلام السياسي والعنيف، رائدا ورمزا ومرجعية أينما كانت وكيف كانت وإن بدرجات متفاوتة، وكذلك لكون الجماعة التي أسسها الرجل لا تزال مخلصة ومتجمدة عند ما طرحه وصاغه لها من مبادئ وشعارات وأفكار وممارسات في رسائله وخطبه وما سجله في مذكراته وذكرياته أو حفظه بعض رفقائه عنه.

ونلاحظ هنا أن المؤتمر الأخير للجماعة الذي عقد في تركيا (14-15 سبتمبر 2019) قد أكد نزعة الجمود ذاتها، بداية من شعاره الأساسي «أصالة الفكرة واستمرارية المشروع» وانتهاء ببيانه الختامي الذي أكد في أكثر من موضعٍ على الإخلاص لفكر البنا دون أى إشارة للحاجة لتجاوزه للتعاطي مع الأزمات الراهنة التي تواجهها الجماعة في غير بلد من بلدان العالم.

 أكد البيان إذن على تمسك الجماعة بمبادئها وأسسها وثوابتها ومنهجها التي وضعها مؤسسها دون أي حديثٍ عن أي مراجعة نقديةٍ لهذه المبادئ والأسس، أو للتأويلات السابقة المتبناة في خصوصها، في تقديس وأيقنة مستمرة لمقولات وأفكار الرجل تنزهه عن أى خطأ أو زلل، بل وتبرر كل ما فعله أو صاغه رغم ما به أحيانا من تلفيق أو تناقض.

يجسد هذا المؤتمر والسلوك السياسي للجماعة عموما مشكلة الجمود النظري وبالتالي العملي لديها، فهي تتجمد عند ما كتبه مؤسسها الأول منذ حوالى تسعة عقود، وترفض المراجعة والتصحيح الشجاع لأفكارها حتى لو أتى هذا الإصلاح والتجديد من داخلها لا خارجها عبر بعض كوادرها المخلصين لنهجها الأساسي، وهؤلاء عادة ما ينتهي بهم الأمر بالطرد أو قد تتم ممارسة العنف المعنوي تجاههم ومحاصرة مراجعاتهم داخل الجماعة حتى يضطروا لإعلان انشقاقهم عنها، وهو الأمر الذي يتكرر من آن لآخر لقيادات وكوادر عادية في الجماعة.

بين القائد الحركي والمفكر المستقل

   اطلع حسن البنا على بعض من جدل الأصالة والمعاصرة في خطاب النهضة الذي كان منتشرا في القاهرة  أثناء دراسته في مدرسة دار العلوم. وتولدت لديه فكرة الدعوة وتأسيس الجماعة منذ أن كان صبيا يرتل أوراد الطريقة الحصافية، فأسس صغيرا جماعة بين طلابه، ثم انضم للطريقة قبل أن يستعجل الخروج ويؤسس جماعته المستقلة عام 1928، موظفا حالة الشعبوية التي صاحبت سقوط الخلافة عام 1924، رغم أن مصر لم تكن تتبعها عند هذا السقوط، بل كانت تحت الحماية البريطانية منذ عام 1882.

كان البنا قائدا حركيا يعرف كيف يثير المشاعر أكثر مما يخاطب العقول، ولذلك كان خطابيا ومتناقضا وتوفيقيا في كثير مما طرح أو مارس، فتجد المقولة وضدها، والعلاقة وعكسها. يتكلم بشكل عاطفي عام دون تفاصيل، فتمتزج عنده الدولة بالمرجعية، كما تتعدد معاني المرجعية عنده دون أدنى شعور بالتناقض في الخطاب.

شأنه شأن كثير من مؤسسي الجماعات الراديكالية، يبدو أن الرجل الموهوب حركيا كان يملك أكثر من خطاب.. فقد أسس التنظيم السري الخاص ولم يقر بوجوده إلا بعد عشر سنوات، كما تراوح موقفه في مقتل الخازندار سنة 1947 أو مقتل النقراشي باشا (رئيس وزراء مصر آنذاك) سنة 1948 من النفي والإنكارفي البداية حتى محاولة التملص في النهاية ،حين وصف أتباعه بأنهم «ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين».

ويبدو أن البنا قد بدأ يخاف تنظيمه مع الوقت، وثقل عليه تحريكه بعيدا عن الانفعالية الشعورية التي كانت تبعده دائما عن التفكير العقلاني المسؤول، وبالتالي عجز عن مراجعة أفكاره وأطروحاته، وحين دعاه أحمد حسين مؤسس حزب «مصر الفتاة» لمراجعة أفكاره كان رده: «معك حق ولكن ورائي حمل ثقيل (يقصد التنظيم) سيقع بي وأقع به ولكن حزبك أو جماعتك يمكنها تقبل ذلك وسهل عليها»!

أحمد حسين مؤسس حزب «مصر الفتاة»

موهوب حركيا لا فكريا

في كتابه عن «رواد الإصلاح» يصف جمال البنا الشقيق الأصغر لحسن البنا، شقيقه بأنه كان موهوبا حركيا ولم يكن موهوبا فكريا، ويلاحظ أن الكثير مما يردده ويكرره أتباعه وأنصاره ليس من مقولاته ولا من إبداعاته ،لكنه نقله عن سواه خارج سياقه، فالرجل الذي درس في دار العلوم المتوسطة اكتفى – رغم نبوغه – بالخطاب والحركة واقتطاف كل ما يثير أنصاره ويحركهم ويجمعهم حوله، شأنه في ذلك شأن كل قائد أو زعيم لحركة.. لم يكن فقيها أو مفكرا أصيلا أنتج من بنات عقله أفكارا متميزة جديدة يمكن أن تنسب إليه.. بل دأب على النقل في كتاباته، كالخطيب الذي لا يذكر مصادره في شفاهته، فنسبت لفضله الأفكار وهو ينقلها بعيدا عن سياقاتها، ولا ينسبها لأصحابها، بل ويخطئ في فهم ما ينقل أحيانا.

فكرة انفعالية

لكن الأهم أن جوهر دعوة حسن البنا وقضيته وفكرته الرئيسية وهي «استعادة الخلافة» أو «إقامة الدولة الإسلامية» والتأكيد على أن «الإسلام دين ودولة وعبادة وقيادة ومصحف وسيف ورسالة وحكم»، – وكلها مقولات السيد محمد رشيد رضا في مرحلته الثانية بعد أن صُدم بسقوط الخلافة العثمانية، رغم  أن هذه الخلافة كانت «شيخا مريضا» انتقده رضا نفسه كما انتقده أستاذه الإمام محمد عبده والسيد جمال الدين الأفغاني، إلا أن رشيد رضا نفسه ما لبث أن عاد ليدافع عن استرجاع الخلافة بعد سقوطها في كتابه «الخلافة أو الإمامة العظمى»، وكانت عناوين هذا الكتاب وسائر ردود رضا التي نشرها في مجلته المنار، في الرد على كتاب الشيخ على عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» الرافض لهذه العودة ،مستغلا هوجة بكائها ورثائها من قبل ملك مصر وشريف مكة وغيرهم.

جوهر دعوة حسن البنا وما جسده شعارا وممارسة في حركته، لم يكن غريبا عن الجدل الذي كان دائرا في مصر في عشرينيات القرن الماضي، بل وقبل ذلك. ولعل مراجعة بسيطة ومدققة لما كانت تنشره مجلة «الفتح» لسان حال جمعية الشبان المسلمين في ذلك الوقت برئاسة محب الدين الخطيب وصالح حرب ومحمد ياسين وغيرهم، يوضح أن الرجل كان ينهل من حالة قائمة ولم يتجاوزها.. بل إن من يعود لما طرحته كتابات كثيرة لرموز وكتاب حزب «اللامركزية العثماني» الذي شارك في تأسيسه محمد رشيد رضا مع رفيق العظم وآخرين، يوضح أن البنا لم يكن استثناء أو قفزة فكرية مهمة، لكن الفارق أن الرجل تجاوز الجدل للحسم واستبدل فكرة «النهضة المصرية والعربية» بفكرة »الخلافة»، وأحيا ما تصوره واعتقده من فكرة الصراع المؤبد بين الشرق والغرب، والجهاد المقدس للتحرير والمواجهة والنظرة التآمرية. وبدلا من تركيز كل مفكري النهضة على مسألة نقد استبداد الحاكم والدعوة للاستقلال والمواطنة، كان تركيز البنا على نقد هذه الأطروحات بشكل غير مباشر، واستنفار كل مكونات الهوية للغضب والخروج، مع احتفاظه بعلاقات وطيدة مع القصر والانجليز على السواء، ومع كل سلطة لحين الصدام معها، وهو في ذلك يختلف عن سيد قطب وجماعات التطرف العنيف التي بدت أقل تناقضا حين أعلنت تكفيرها للحاكم، وحين مارست العنف تجاه الدولة والمجتمع على طول الخط.

كذلك فقد مارس حسن البنا قطيعة خطيرة مع التراث السياسي الإسلامي نفسه، ومع كثير من مباحث التراث ككل، فلم يستفد منه فيما يطرح شيئا، كما شوه من مقولة الوطن والوطنية الصاعدة حينها، كما همش من فكرة القومية كبديل عصري لفكرة الأممية الإسلامية، ومع ذلك فإن الرجل والإخوان معه ومن بعده نجحوا في صنع هالة تقديسية كبيرة حوله.

ومن ناحية أخرى لم يطرح الرجل طرحا منسجما ومتسقا مع ما سبقه من خطاب النهضة الذي كان مطروحا في عصره، لكنه جسّد حالة رد الفعل والهياج الهوياتي لاستعادة الخلافة أو السلطنة العثمانية التي سقطت قبل تأسيس جماعته بأربع سنوات فقط، وهوما كان تجسيدا لرد الفعل غير المنضبط و للنزعة المضادة للفكرة المدنية والسياسية التاريخية.

كما التزم البنا في خياراته الفكرية وعيا لا تاريخيا وبراجماتيا انتقائيا، يتنافى مع حركة التاريخ، كما ينتقي من تاريخ السلف ما شاء دون تحقيق أو تدقيق، فكان عقبة أمام النهضة والتقدم والديمقراطية، خاصة مع استعداد الإخوان المستمر للتحول للعنف الرمزي والعملي، وعجزهم عن المراجعة والاعتذار أو التصحيح أو إعطاء فضاء آمن لأطروحات النهضة من جديد. 

اقرأ أيضا:

لقد حجبت هذه الهالة التي صنعتها جماعة الإخوان المسلمين حول مؤسسها، الحقيقة، كما وأدت أى إمكانية للتجديد والمراجعة، مكتفية بشعارات ولافتات من قبيل أنه وفقط «مجدد الإسلام في القرن العشرين» وأنه «محيي الأمة وإمامها القرآني»، بينما لا تزال الجماعة -كما ظهرت في مؤتمرها الأخير – مصرّة على الجمود النظري والفكري، والوقوف عند ما طرحه مؤسسها قبل تسعة عقود، دون قدرة حقيقية على إدراك اللحظة والتحديات التاريخية التي تواجه المجتمع والأمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق