رؤى

سيد قطب: من الشاعر الرومانسى إلى منظّر الحاكمية

عند الحديث عن مسيرة سيد قطب، فإننا دائما ما نتوقف أمام مرحلتين متناقضتين فى هذه المسيرة الطويلة الحافلة.. عُرف فى الأولى بوصفه شاعرا رومانسيا أقرب ما يكون إلى جماعة «أبوللو» وناقدا انطباعيا حساسا صاحب دربة وخبرة فى مقاربة النصوص الشعرية والروائية.

ولعله من المشهور عن قطب أنه كان من أوائل من كتبوا عن نجيب محفوظ وقدمه إلى الساحة الأدبية بحماسة واضحة كما أنه كان مريدا – بطريقة تكاد تكون صوفية – للمفكر والشاعر والسياسى عباس محمود العقاد مدافعا عن شعره وعن رؤاه التجديدية وخاض من أجله معارك كثيرة ضد مصطفى صادق الرافعى وتلاميذه منددا برؤاهم «الرجعية المحافظة»..

 فكيف إذن خرج من هذا الشاعر الرومانسى والناقد المجدد إلى ذلك المفكر الذى كفّر الحكومات والشعوب، ووصم العصر كله بجاهلية القرن العشرين، ورأى أنها أسوأ من جاهلية ماقبل الإسلام المشركة وذلك لأن جاهلية القرن العشرين- حسب رأيه – مخادعة تدعى الإسلام إسما لكنها بعيدة عنه روحا وتصورا وعقيدة وتشريعا، وهى – بسبب هذا – أخطر من الجاهلية الصريحة التى تقوم على إقصاء الإسلام ومحاربته علانية، بينما تقوم الأخيرة المعاصرة على الإحتواء والتمييع بتعبيراته.

ورغم افتتانه بالعقاد وأفكاره، فإن بعض الباحثين يذهب إلى أن سبب هذا التحول فى شخصية سيد قطب يعود إلى يأسه من جيل العقاد كله الذى رآه عائقا أمام ظهوره، ورأى فى فلسفته تجليات للاستعمار والتبعية للغرب. وقد اتكأ القائلون بهذا الرأى على تلك المرارة التى ظهرت فى قول قطب فى أواخر مرحلته الأولى: «لقد كنت مريدا بكل معنى كلمة المريد لرجل من جيلكم تعرفونه عن يقين ولكن هذا الرجل وجيل الأساتذة كله لم يقدموا كلمة تشجيع منشورة لهذا المريد المتفانى حين بدأ ينشر كتبه المتتالية بدءا من عام 1945.. كلمة انتظرها كثيرا ولم ينلها» («سيد قطب والأصولية الإسلامية» شريف يونس ص 53 مكتبة الأسرة 2012).

وزاد من هذه المرارة أن العقاد رفض أن يكتب مقدمة لأحد كتبه، فكانت القطيعة والعداوة، لكن هذا الرأى لايرقى – كما يرى شريف يونس – إلى التفسير الموضوعى لهذا التحول الهائل فى شخصية قطب.

اقرأ أيضا:

المصلح الاجتماعي

 في كتابه – «سيد قطب والأصولية الإسلامية»، وهو بالأصل أطروحته لنيل الدكتوراه – ينبهنا د. شريف يونس، الباحث والأكاديمي المتخصص في التاريخ الحديث، إلى مرحلة بينية مهمة تفصل بين المرحلة الأولى والأخيرة في مسيرة سيد قطب والتي يسميها مرحلة المصلح الاجتماعي، لنجد أننا أمام ثلاث مراحل، لا مرحلتين. الأولى هى مرحلة الشاعر الناقد، والثانية مرحلة المصلح الاجتماعى، وأخيرا مرحلة المفكر الأصولى بآرائه القطعية الحادة التى تقسّم العالم إلى دار الإسلام ودار الحرب وتقسّم الأفراد إلى مؤمنين وكفار والسلطات إلى سلطات تقيم شرع الله –كما يراه ويحدده هو– وسلطات كافرة.

وقد بدأت هذه المرحلة البينية، مرحلة المصلح الاجتماعي -كما يقول شريف يونس، في عام 1940 مع إنشاء وزارة الشئون الاجتماعية فى أغسطس 1939، وظهور مجلتها فى يناير 1940، وعلى خلاف الأفكار اليسارية الصريحة التى كانت تدعو إلى تأسيس اتحاد للعمال – دعوة النبيل عباس حليم – ومحاولة عصام الدين حفنى ناصف إنشاء حزب عمالى يسعى للوصول إلى السلطة صراحة «بالوسائل السلمية»، كان سيد قطب يسعى إلى «مشروع إصلاحى من داخل النظام» فيما يمكن أن يسمى – بتعبيرات يونس في كتابه – «الهندسة الاجتماعية من أعلى».

وقد أطلق قطب على رؤيته الاجتماعية هذه اسم «المجتمع المتوازن» الذى يعنى نوعا من العدالة الاجتماعية يقوم على مبدأ تكافؤ الفرص بتوفير الرعاية الصحية والتعليم لكل فرد ومحاربة الفساد والمحسوبية وكل ما يعوق المساواة المطلقة فى فرص النجاح (المرجع السابق ص 111).

اقرأ أيضا:

ويتضح من ذلك أن سيد قطب –فى هذه المرحلة وغيرها – لا يؤمن بصراع الطبقات – المبدأ الماركسى الشهير – ولايسعى إلى تأجيجه، ولايراه محركا للتاريخ والتقدم، بل يسعى إلى مايسميه «المجتمع المتجانس» الذى تقل فيه الفوارق بين الأفراد والطبقات، عن طريق توزيع الأعباء العامة من ضرائب ورسوم وتوزيع الأراضى المستصلحة على فقراء الفلاحين. ولذلك فقد كان من الغريب – حقا – أن يكفّر قطب – فيما بعد – النظام الناصرى، رغم أنه حقق أكثر مما نادى به هو شخصيا فى بداية الأربعينيات.

 ومادام قطب قد رفض صراع الطبقات، فكان من البديهى أن يرفض قيادة طبقة محددة لهذا التغيير بعد وصولها للسلطة كالبروليتاريا – مثلا- فى الرؤية الماركسية، أو البرجوازية الصغيرة كما حدث فى المرحلة الناصرية. فهو يرى أن الدولة –هذا الجهاز الضخم المتعالى على الجميع– هى وحدها المنوطة بإحداث هذا الإصلاح «سواء رضى الشعب أو لم يرض.. فإذا عز على الأمة أن تدرك هذا الواجب، وهو أمر متوقع فى ضوء تخلف الشعب، فمن واجب الدولة أن تفرضه عليه فرضا» وأن تعتمد على «الإرشاد الاجتماعى» المُطالِب بوضع استراتيجية الإصلاح وبرنامجها. هذا الإرشاد الاجتماعى كان يستلزم –وفقا لرؤية سيد قطب– إشراف الدولة على جميع وسائل الإعلام وتشديد الرقابة عليها، ويتوازى هذا مع مايسميه شريف يونس  بالهندسة الأيديولوجية التى تسعى إلى إصلاح الشخصية المصرية من خلال التعليم.

نحن إذن أمام دعوة صريحة لدولة شمولية تُسَيِّر المواطنين على هواها وطبقا لرؤيتها، ولاتعرف تنوع الاتجاهات الفكرية، كما أننا أمام رؤية مثالية لفكرة الدولة المتعالية التى تترفع على المصالح الضيقة للطبقات والأفراد.

وعلى الرغم من تنفيذ بعض المشروعات فإن قطب ظل يعلق آماله على الحكومات المتعاقبة دون جدوى وقد أدت خيبة أمله هذه إلى توديع تصوره لنفسه كمفكر للإدارة الحكومية لينخرط فى طور جديد أصبح المصلح فيه داعية ثائرا، رافضا للأحزاب كلها ومحتقرا لها حين رآها «زائدة دودية فى حياة هذا الشعب».

نظرية الحاكمية

لاشك أن المرحلة التى بقيت فى الذاكرة الجمعية حول سيد قطب، هى المرحلة التى شهدت سجنه عشرة سنوات. ورغم المعاملة الخاصة التى عومل بها قطب إلا أن هذه المرحلة انتهت بإعدامه، بسبب قيادته لتنظيم إرهابى، وضع خطة لاغتيال الرئيس جمال عبد الناصر وعلى صبرى رئيس الوزراء حينها وغيرهما، وتفجير بعض الكبارى وقطع الكهرباء فى عدة محافظات بغرض شل حركة السلطة.

وما يهمنا هنا هو أن نعرف كيف وصل قطب إلى هذه الرؤية الانتحارية أو الاستشهادية من وجهة نظره؟.. يرجع ذلك إلى تحول الأفكار عنده إلى عقيدة يؤمن بها الإنسان ويُعمّدها – لكى تحيا – بالدم. وقد وصل إلى هذا الموقف بعد خسران رهانه على الضباط الأحرار فى تنفيذ برنامجه ،وإدراكه لإرهاصات الخلاف بين الثورة وجماعة الإخوان، ومن ثم انحيازه لمن هم أقرب لفكره ونفسه وهم الإخوان الذين كلفوه بمسئولية قسم النشر فى الجماعة وإصداره للعديد من المنشورات المعادية للضباط الأحرار. وهكذا بدأت فكرة الحاكمية – المأخوذة عن أبي الأعلى المودودى – وتكوين عصبة مؤمنة فى إطار حزب إسلامى انقلابى لتنفيذها بالقوة. وخلال تلك المرحلة –كما يضيف شريف يونس- «صور قطب الإسلام كنظرية كلية على نمط شمولى رومانسى» بوصفها «النظام الوحيد الذى يوفر حرية العقيدة والمساواة، وينفى الظلم الفردى أو الطبقى عن طريق قصر حق التشريع على الله». كما ظهر – فى قاموسه – مصطلح الأمة الإسلامية التى تقوم على رابطة العقيدة التى «تحل – عنده – محل روابط الجنس والوطن والدم والنسب». ووفقا لهذه المنطلقات الجديدة لايرى قطب عدوه الأساسى فى دين من الأديان أو مذهب من المذاهب، وإنما يراه فى الناصرية، فانصب هجومه على الأسس التى تقوم عليها مؤكدا «أن شعارات القومية والوطن والشعب والطبقة وتقرير الشرائع والقوانين باسمها والمطالبة بالتضحية فى سبيلها إقامة لأصنام تُعبد من دون الله»، ليصل إلى استنتاجه الخطير، وهو أن من يحكم بغير شرع الله ليس مسلما، حتى لو آمن بألوهيته وقدم له الشعائر.

لقد وحد قطب بين الإسلام ونظام الحكم -كما يراه هو-، وكما سيراه حاكمه المسلم المنتظر الذى سيصبح فى هذه الحالة أكثر من ظل لله على الأرض، فكلمته هى كلمة الله، ومن يعترض عليها فهو كافر بداهة بينما العضو المؤمن هو المطيع لحاكمه الممثل لحكم الإسلام وشرع الله. وهكذا فإن العبودية لله وحده ستتجسد فى شخصية الحاكم طبقا لهذه الرؤية. ونلاحظ هنا أن الثنائيات الضدية تلعب دورا أساسيا في هذه الرؤية.. الحق والباطل، والهدى والضلال، والإسلام والجاهلية… «فليس هناك حل وسط ولا منهج بين بين».

الحاكمية عند قطب إذن ليست مجرد نظرية من ابتداع بشر يمكن أن نحكم عليها بالخطأ أوالصواب، أو حتى فهما بشريا للإسلام يمكن الجدل حوله أو تبني فهم آخر يوازيه، بل هى الهدى الصريح الوحيد الذى ينبغى الجهاد فى سبيله.

 ويبدأ هذا الجهاد – فى مرحلة الاستضعاف – بالصبر وعدم الرد على أذى الكفار، ويتدرج حتى يصل – فى مرحلة القوة – إلى تخيير الناس بين الإسلام أو الجزية أوالقتل، وهى الفكرة التي تتبناها كل التنظيمات الإرهابية حتى اللحظة الراهنة.

    

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: