منوعات

فتحي رضوان.. المفكر السياسي الأول لثورة يوليو

كان واحدا من مجموعة قليلة من المدنيين (أبرزهم عبد الرزاق السنهوري و سليمان حافظ وعلى ماهر باشا) استعانت بهم القيادة الجديدة في مصر بعد ثورة 23 يوليو 1952، والتي اندلعت بينما كان هو يقبع في السجن معتقلا على ذمة أحداث حريق القاهرة.

 ففي الليلة التي قامت فيها ثورة يوليو كان المحامي والسياسي والمناضل الكبير فتحي رضوان في سجن «الهايكستب»، معتقلا منذ حريق القاهرة في شهر يناير 1952، لكن تم الأفراج عنه على الفور بقرار من قيادة الثورة، ليكون بعدها أحد مفكريها ومستشاريها السياسيين الاوائل، ولينضم إلى أول وزارة تشكلها السلطة الجديدة برئاسة علي ماهر باشا، حيث عين وزيرا للإرشاد القومي، كما ساهم في اختيار عدد من أعضاء تلك الوزارة.

فتحي رضوان

في كتابه «72 شهراً مع عبد الناصر» يروي فتحي رضوان تفاصيل أول اجتماع له مع أعضاء مجلس قيادة الثورة في كوبري القبة، بعد أن التقى عبد الحكيم عامر وجمال سالم منفرديْن، و يحكى أيضا كيف أخذ يتأمل تلاحق الأحداث في مصر بين يوم وليلة.

يقول: «فيما أنا أدير هذه الذكريات في رأسي، إذ بشاب يرتدي ملابس طيار يقف أمامي ويحيينى بحرارة. ذكر لي اسمه وذكّرني بأنه حضر اجتماعاً من اجتماعات حزبنا.. الحزب الوطني القديم، وأننا ذهبنا سويا بعد الاجتماع إلى دار جريدة الأخبار. استمعت لكل هذا ولم أكن أدري أنه أحد أعضاء مجلس القيادة، حتى دخلت الى الحجرة التى اجتمع فيها أعضاء هذا المجلس ففوجئت بهذا الشاب جالسا مع زملائه أعضاء المجلس أنه عبد اللطيف البغدادي». ثم فوجئت بأن يوسف صديق، عضو المجلس البارز، كان زميلى في المدرسة الثانوية ببني سويف.

ويضيف فتحي رضوان: «اكتمل المجلس ورأيت نفسي بينهم، ورأيتهم جالسين مستعدين لسماع كلامي. أحسست بسعادة عميقة، فأنا مع الشبان الذين صنعوا الثورة، شبان صغار لا يكفون عن مداعبة بعضهم بعضا فتفيض وجوههم بِشرا، وتعلو هذ الوجوه إشراقة الشباب والفرح بالنجاح والثقة بالنفس».

 ويمضي قائلا: «لقد ذكروني بالشباب الذي كان يؤلف اجتماعات الحزب الوطني الجديد واجتماعات مصر الفتاة من قبل. لقد سمِعونا سنوات كادت تكمل العشرين عاما من سنة 1933 حتى سنة 1952. وما كنا نظنه كلاما يذهب في الهواء ثبت أنه أثمر، فهؤلاء الشبان صدقوه وقرروا أن يحولوه الى واقع وحقيقة».

جمال عبد الناصر

وهكذا خرج فتحي رضوان من السجن ليصبح بمثابة المستشار السياسي الأول للثورة، ولقائدها جمال عبد الناصر على وجه التحديد، فقد كان عبد الناصر يكن له احتراما وتقديرًا كبيرين، وهو ما ظهر على سبيل المثال، في موافقة عبد الناصر على تعيين أحمد حسن الباقوري وزيرًا للأوقاف في أول حكومة للثورة بناء على ترشيح «رضوان»، رغم أنه كان يفضل حسن عشماوي، الذي كان يعرفه شخصيًا. كما أن «رضوان» هو من اقترح على مجلس قيادة الثورة إقالة على ماهر من الحكومة لأنه صاحب «عقلية ملكية»، ورشح لهم سليمان حافظ لرئاسة الحكومة، ووافقوا لولا رفض الأخير المنصب.

على مستوى المناصب، شغل فتحي رضوان منصب وزير الدولة في وزارة محمد نجيب ثم وزارة الإرشاد القومي التي أسسها وظل فيها لمدة سبع سنوات، حتى غادرها عام 1958، بسبب خلافه مع عبد الناصر حول بعض السياسات. وطوال وجوده في الوزارة كان فتحي رضوان- كما تصفه  الكاتبة صافيناز كاظم – «جبهة معارضة» لصالح الوطن والناس، يرفض المسايرة والتخفي بالرأي طمعا في رضاء السلطان وعطاياه.. لم يتعامل مع الوزارة كمرفأ يهدأ فيه ويسكن، بل كانت «الوزارة» عنده موقعا جديدا من مواقع جهاده المستمر من أجل الوطن والناس، ولذلك أسموه «جناح المعارضة» داخل مجلس الوزراء. وعن ذلك يقول رضوان في كتابه «72 شهرا مع عبد الناصر» إنه كان يتكلم بالبدهيات ويندهش من الذين كانوا يهنئونه علي شجاعته.

وخلال تلك الفترة كان فتحي راضوان شاهدا وحاضرا وفاعلا في الكثير من الأحداث والمحطات السياسية والثقافية المهمة التي شهدتها مصر، والتي كانت له فيها مواقف وكلمة، وهو ما تناوله في عدد من مؤلفاته بعد ذلك.

البدايات

ولد فتحي رضوان في مدينة المنيا بصعيد مصر في 14 مايو 1911، حيث كان والده يعمل مهندساً للري في تلك المدينة، ثم انتقلت الأسرة بعد ذلك بعامين  إلى القاهرة، ليستقر بها المقام في حي السيدة زينب. وهناك التحق بالمدرسة الأهلية ثم مدرسة  محمد علي  وحصل على الابتدائية عام  1924م، ثم حصل على الثانوية من إحدى مدارس أسيوط حيث كان والده قد انتقل للعمل  هناك.وبعد حصوله على الثانوية التحق بكلية الحقوق عام  1929م  وتخرج  فيها عام  1933م  ليعمل في مجال المحاماة.

اقرأ أيضا:

بيت وطنى ونضال قديم

نشأ فتحي رضوان في بيئة وطنية منذ الصغر، ففي حي السيدة زينب تشّرب رضوان الوطنية وبدأ رحلته مع السياسة والنضال الوطني، فقد كان هذا الحي العريق يزخر بالعديد من التيارات الوطنية والفكرية. لكن العامل الأهم في نشأته الوطنية كان يعود الفضل فيه لوالدته  التي لعبت دورا عظيما  في تكوين شخصيته الوطنية، فقد كانت أمه من أنصار الزعيم مصطفى كامل وكانت تنشد لابنها أن يسير على نهجه، كما أنها كانت وراء اتجاهه المبكر للسياسة والنضال ضد الاحتلال الانجليزي  واعتزازه بالزعيم مصطفى كامل. وعنها يقول رضوان: «والدتي هي المنبع الذي سقاني رحيق الثقافة والوطنية، فقد كانت مكتبتها تحوي الكتب التراثية والدينية، والكتب المترجمة للتراث العالمي، ومجموعات جورجي زيدان الكاملة».

وبعد تخرجه أنشأ مع صديقه أحمد حسين، الذي ربطته به علاقة صداقة منذ الصغر، حزب مصر الفتاة عام 1933م وظل رضوان به حتى عام 1937م، حين وقع الخلاف بينهما حول بعض الرؤى، لينضم بعدها رضوان للحزب الوطني إلا أنه لم يرق له أسلوبه في تعامله مع قضايا الأمة، فأنشأ عام 1944 الحزب الوطني الجديد إستنادا المبادىء الأولى للحزب الوطني الذي أنشأه الزعيم مصطفى كامل ورفيقه محمد فريد. كما أسس جريدة اللواء الجديد، التي صدر العدد الأول منها في 12 نوفمبر 1944م  وظل الحزب قائماً حتى حُلّت الأحزاب في عام 1953.

 تعرض فتحي رضوان للاعتقال  أكثر من مرة قبل ثورة يوليو بسبب نضاله ضد سياسة المستعمر الإنجليزي، ولاعتراضه على تصرفات الملك فاروق. وكما عارض وجود المحتل الأجنبي على أرض وطنه، فقد تصدى للحكومات المصرية التي كانت تسير في ركاب المحتل، فعارض معاهدة 1936 التي عقدها حزب الوفد مع سلطة الاحتلال، ووصفها بأنها كانت عاراً على مصر، كما اعترض على المفاوضات التي كانت تجريها الحكومات المصرية آنذاك مع سلطة المحتل. وكان شعاره أنه لا مفاوضات إلا بعد الجلاء.

سعى فتحي رضوان ليكون صوته أكثر تأثيرا في مؤسسات السلطة آنذاك من خلال عضوية مجلس النواب، فخاض معركة في الانتخابات النيابية مرتين قبل الثورة، لكنه لم ينجح فيهما بسبب التزوير الذي كان يحدث.

بعد حريق القاهرة في 26 يناير 1952م تم اعتقال فتحي رضوان مع العديد من الرموز الوطنية في ذلك الوقت، وظل في المعتقل حتى قيام ثورة 23 يوليو لتبدأ مرحلة جديدة ومهمة من حياته ومسيرته السياسية.

معارض السادات العنيد

رغم خلافه مع عبد الناصر بعد خروجه من المنصب الوزاري عام 1958، ظل فتحي رضوان حاضرا في الحياة العامة، فعاد إلى عشقه الأول، المحاماة والكتابة. ومع تولي الرئيس السادات الحكم خلفا لعبد الناصر تحول فتحي رضوان إلى أحد أشد معارضيه، ولاسيما في الموقف من اتفاقية السلام مع العدو الإسرائيلي، وتحولت مقالاته في صحف المعارضة خلال تلك الفترة، في أواخر السبعينات، وتحديدا في صحيفة «الشعب» إلى منشورات سياسية نارية ضد الكثير من سياسات تلك الحقبة، مستفيدا من براعته اللافتة في كتابة المقال السياسي بنفس براعته في المحاماة والدفاع عن الحرية والاستقلال الوطني في مواجهة الهيمنة الأمريكية والصهيونية، وعن قضايا حقوق الانسان وغيرها. الأمر الذي انتهى به إلى الاعتقال للمرة الأخيرة في 5 سبتمبر 1981، إثر قرارات السادات الشهيرة باعتقال زعماء المعارضة، ليخرج بعدها مع بدايات حكم حسني مبارك.

أنور السادات

وعن تلك البراعة التي تميز بها فتحي رضوان في كتابة المقال السياسي يقول الدكتور عماد أبو غازي وزير الثقافة الأسبق: «رغم أن لفتحي رضوان عديدًا من المؤلفات والكتب بخلاف سيرته الذاتية… إلا أنه خلال رحلته الممتدة كان المقال الصحفي وسيلته الأساسية في التعبير عن مواقفه السياسية وآرائه وأفكاره، من خلال مصر الفتاة واللواء الجديد في الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، ثم من خلال جريدة الشعب في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

 وإذا كانت مقالاته في المرحلة الأولى قد دارت بشكل أساسي حول الدعوة للاستقلال التام ونهضة الأمة في مواجهة الاستعمار الإنجليزي، فإن مقالات المرحلة الأخيرة التي كتبها رضوان، خصوصا في عهد السادات، كانت تدور حول مجموعة من القضايا التي شغلت مصر، أبرزها الديمقراطية وحقوق الإنسان وقضية فلسطين والموقف من الولايات المتحدة وسياستها في المنطقة، كما تناول العديد من القضايا الدولية مثل سباق التسلح ومشكلة الجوع.

وقد تميز أسلوب فتحي رضوان في المقال السياسي- يضيف الدكتور أبو غازي – بالرؤية الناقدة والتحليل التاريخي عند تناوله لموضوعاته المختلفة مع لغة ساخرة وعبارة واضحة.. والمتتبع لمقالات فتحي رضوان السياسية في السبعينيات والثمانينيات يتبين أن السنوات قد أنضجت خبرته، لكنها لم تغير أهدافه، ظل على إيمانه بالانتماءين العربي والإسلامي لمصر.

الدكتور عماد أبو غازي

 ولأنه كان يؤمن بقيمة الحرية بمعناها الواسع  فإن فتحي رضوان كان يؤمن إيمانا راسخا بأن دعوته للاستقلال الوطني الكامل والحقيقي، وعدائه للاستعمار بكافة أشكاله، لا ينفصلان عن نضاله من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر والوطن العربي.ولذلك لم يكن غريبا أن يسعى رضوان بعد خروجه من السجن عقب مقتل السادات إلى تأسيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، وقد ظل مؤمنا بهذه القضية مدافعا عنها حتى رحيله.

 ترك فتحي رضوان العديد من المؤلفات والكتب التي وصل عددها  إلى نحو 50 مؤلفا في السياسة والأدب والتاريخ، من أبرزها: 72 شهرًا مع عبد الناصر، والخليج العاشق، وحركة الوحدة الوطنية، ودموع إبليس، ومشهورون ومنسيون، موسوليني، نظرات في إصلاح الأداة الحكومية، أسرار حكومة يوليو، كما كان متأثرًا بغاندي فألف عنه كتابًا، كما ألف آخر عن قصة حياة مصطفى كامل، إلى جانب العديد من المؤلفات السياسية والأدبية.

ظل فتحي رضوان طيلة حياته مناضلاً حقيقيا من أجل الحرية، وكان من هولاء المناضلين القلائل الذين نالوا  محبة وتقدير واحترام خصومهم قبل محبيهم ،بفضل اخلاصه لمواقفه وقناعاته التي عاش منافحا عنها . وظل كذلك حتى وافته المنية في 2 أكتوبر 1988، قبل أن يحقق ما تمناه في إصدار كتاب عن الحركة الوطنية في مائة عام. ليدفن بجوار زعيميه وملهميه مصطفى كامل ومحمد فريد.. رحم الله هذا المناضل والمفكر الكبير..  

الوسوم

شحاتة عوض

رئيس التحرير

مقالات ذات صلة

إغلاق