منوعات

في ذكرى العبور العظيم.. بطولات منسية على جبهة القناة

وثق الكثير من ضباط القوات المسلحة المصرية شهاداتهم على الفترة التي أعقبت هزيمة يونيو 1967 من إعادة بناء الجيش المصري ومواجهاته مع العدو الصهيوني خلال حرب الاستنزاف، وصولا إلى ملحمة العبور وما جرى قبلها من إعداد وتهيئة وما دار بعدها من مفاوضات انتهت بمبادرة «كامب ديفيد».

لكن حياة الجنود على الجبهة وقصص بطولاتهم ظلت جانبا منسيا في معركة التحرير، لم يسلط عليها أحد الضوء سوى الشهيد أحمد حجي الذي رصد في مذكراته حكايات الأبطال المنسيين في تلك المواجهة.

الشهيد احمد حجي في فترة الدراسة قبل التحاقه بالقوات المسلحة

رفضت الرقابة عام 1972 نشر «مذكرات جندى مصرى فى جبهة قناة السويس» للشهيد أحمد حجى، بدعوى أن الحرب مازالت قائمة، وأن ما جاء فيها قد يؤثر على معنويات الجنود. ولم يرفع الحظر عن تلك المذكرات إلا في منتصف الثمانيات، لتنشرها «دار الفكر» لصاحبها المفكر اليساري الكبير طاهر عبد الحكيم، والذي رأى أنها «تسجيل حي من معايشة الأحداث فى الجبهة، وتوثيق تاريخى هام، سيظل حيًّا أبدًا فى ذاكرة شعبنا العظيم»، ثم أعادت «دار الكرمة» نشرها عام 2014 لتعيد التذكير بيوميات مقاتلين بواسل على خط النار لم يتوقف عندهم التاريخ.

  

مذكرات جندى مصرى

سجل حجي تباعا فى يومياته/ مذكراته، حياة جنود.. بشر من لحم ودم، معاناتهم ومشاعرهم وأحلامهم وحماسهم وجنونهم، وفى بعض الأوقات خوفهم من الموت وتشبثهم بالحياة، ثم إقبالهم عليه وتمسكهم بالنصر.. نقل حكايات أقرب إلى الأساطير، قصصا لأبطال قاوموا وتصدوا بإمكانيات قليلة، إلا أن الإصرار والإيمان رجح كفتهم فى مواجهة العدو الصهيوني.

تخرج حجي فى كلية الطب البيطرى بعد هزيمة 1967، وجُند بالقوات المسلحة عام 1968 فى مكان آمن فى القاهرة، لكنه تقدم بطلب لنقله إلى الجبهة، فُنقل وتولى بعض الأعمال والمهمات فى الشئون الطبية فى الكتيبة التى خدم بها بمنطقة القناة، وهناك وثق الشهيد بمداد من الدم والعرق قصص جنود مهدوا ببطولاتهم فى حرب الاستنزاف للعبور العظيم فى حرب أكتوبر.

وقد كان للشهيد حجي إسهاماته فى الثقافة والفن قبل التحاقه بالقوات المسلحة، حيث نشر عددا من المقالات فى مجلة «الطليعة»، منها «الكلمات والبارود» و«الفلاحون والعمل السياسي» و«محو الأمية عمل لابد منه».

الأديب الكبير الراحل علاء الديب وصف تلك المذكرات بإنها «بسيطة مضيئة بهذا الحب للوطن.. أغنية حزينة قصيرة عن حرب عظيمة منسية، وأبطال أسطوريين، أصلهم من الفلاحين البسطاء، تروي عن الجنود في حرب الاستنزاف 1969 وما بعدها حتى العبور».

الأديب الكبير الراحل علاء الديب

وعن صاحب المذكرات قال الديب في كتابه «عصير الكتب»: «استشهد المؤلف على جبهة القتال سنة 1972 بعد حياة مثالية قصيرة «1941-1972» قضاها محاولا تحقيق أحلام كبيرة، فقد اشتغل في قرية سندوب الملاصقة لمدينة المنصورة في مدرسة لمحو أمية الفلاحين، وأصدر بمعاونتهم مجلة حائط ظلت تصدر بشكل متصل لمدة عشر سنوات مرة كل 15 يوما».

ويكمل الديب حديثه عن حجي فيقول: «كان مؤمنا بالاشتراكية وبالفلاحين وبإمكانية القضاء على استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وعندما تم تجنيده طلب بنفسه أن يخدم في خطوط القتال الأمامية وهناك كتب يومياته هذه.. اقترب الشهيد من بطولات بسيطة تلقائية، وكان السؤال الذى يقلقه هو: كيف يسجل هذه البطولات التى لا تكتب عنها الجرائد ولا تطنطن لها الاذاعات؟.. بطولة الجندى الذى يموت وتنمحى الكلمات من فوق أوراقه، الاسم.. أى اسم، والمهنة.. غالبا فلاح، والعمر.. لا يتجاوز الثلاثين والموت والاستشهاد هى الحقيقة الوحيدة التى يملكها مع حفنة فى اليد من تراب الوطن».

الليلة الأولى

في ليلته الأولى على الجبهة كتب حجي: «حضرتني كلمات كنت قد قرأتها للشاعر الروسي إبلينا سيلنفسكي: فلتصمت الكلمات.. وليتكلم البارود.. البارود وحده»، هكذا لخص الشاب اليساري المثقف قناعاته وإيمانه بأن معركة تحرير الأرض من المحتل الصهيوني هي أم المعارك بعدها تستأنف معارك أخرى لو كان في عمره بقية.

ويضيف :«منذ أن وصلت إلى جبهة القتال فى الخط الأمامي، تلح على ذاكرتى أن أسجل ما يحدث وما يجرى فى مواجهتنا للعدو الصهيوني.. وأقول حقيقة بأن الذى أكتبه وما يجرى به قلمى ليس إلا النذر اليسير.. وإذا لم توافنى منيتى أو يدركنى الموت، فسوف أقص على شعبنا مأساة مقاومته للعدو، وبطولات جنوده وبسالتهم.. أما إذا كانت نهايتى على أرض القناة، فسأموت مستريحا لأن أفكارى وجدت طريقها ولم تعجز عن الحركة.. وبذلك تكون هذه المذكرات هى حديث الرصاص الذى يجب أن تتكلم به قضية شعبنا».

بهذه العبارة قدم الشهيد أحمد حجى لمذكراته التى شملت رصدا لـ«قصص إنسانية وحكايات لأبطال منسيين بذلوا الدم على جبهة حرب الاستنزاف، تحديدا القنطرة غرب، من أبريل عام 1969 إلى ديسمبر عام 1970»، توقف بعدها عن التدوين حتى استشهد عام 1972.

كتب حجى عن ليلته الأولى يقول: «رأيت الحقيقة فى لحظات سريعة، العلم الإسرائيلى يرفرف على أرضنا!.. تلك الليلة كان طولها ألف عام من حساب الزمن، سقطت منى الحماسة المتدفقة». مضيفا: «تحت لهيب الشمس الحارقة تجد طلبة كليات الطب والعلوم والهندسة وهم يحملون الفئوس، ويقسمون أنفسهم إلى مجموعات فهؤلاء يحفرون الملاجئ، وهؤلاء يعمقون الخنادق».

استبسال رجال المدفعية

وعن المدافع القديمة التى هزموا بها العدو يروى حجي: «كانت طائرات العدو تلقى على مواقعنا شحنات وحشية من القنابل، وتضربنا بالصواريخ المتتالية دون توقف.. أصيب عدد من مدافعنا.. واستشهد عدد من رجالها، وأصاب اليأس عددا آخر من أفراد المدافع الباقية، وهموا بالتراجع.. فصاح قائدهم: «من يتراجع سأضربه بالنار».. فعادوا إلى مواقعهم واستبسلوا مع بقية زملائهم.. ولكن الطائرات المعادية لم تكف عن إلقاء حمولاتها المميتة على رؤوسنا حتى بلغت القلوب الحناجر، والقائد مازال يصيح: «اضربوا.. اضربوا حتى آخر طلقة».

«انتابتنا روح من الجنون.. لم يعد يهمنا شىء.. نسينا الدنيا كلها، ولم يصبح أمامنا سوى العدو الذى يريد قهرنا واختراق مواقعنا.. كان جنودنا ينتهزون فرصة انطلاق طائرات العدو وهى تحوم لتعاود الضرب من جديد.. ليعاودوا حشو مدافعهم بالقذائف، ويطلقوها قبل أن تعود الطائرات.. لقد أصبحنا نحن والمعركة جسدا واحدا، ولم نتنبه إلى أن مدفعيتنا القديمة نالت من العدو، وأن جحافله كانت قد فرت عن آخرها.. لم نتنبه لذلك إلا بعد أن توقفت الطائرات عن الظهور فوق رؤوسنا.. ولم ننم حتى الصباح.. كانت المدافع ما زالت مشرئبة الأعناق».

إنسان جديد على الجبهة

يؤكد حجي في مذكراته أن الحرب تجعل «المقاتل علي الجبهة يتحول إلي إنسان جديد، بعد أن تعيد لحظه الخطر خلقه»، وللتدليل على ذلك يسرد عددا من بطولات الجنود الذين تحدوا مشاعر الخوف وأقبلوا على الموت بقلوب راضية فهذا «قائد مدفع بترت صواريخ الطائرات المعاديه ذراعيه، فثبت قدميه علي المدفع وأسقط طائرة»، وهؤلاء «جنود يعبرون القناة في جنح الظلام وينفذون عمليات فدائية خاطفة ويعودون سريعًا قبل أن يتبينوا مدي نجاح ما قاموا به، لكنهم يدركونه حين يشتد عليهم قصف الطائرات المجنون خلال عودتهم، فيشعرون بالسعادة الغامرة في عز تعرضهم للقصف المميت»، وذلك جندي «يحمي ظهر زملائه بعد أن انكشف خط عودتهم بعد عبورهم القناة وتنفيذهم عملية خلف خطوط العدو، يرفض كل الأوامر بالانسحاب ويستشهد ويغرق في قاع القناة، وتطفو جثته علي سطحها بعد أسبوعين وهو لايزال قابضًا علي بندقيته بقوة، ليسحب الجثة زملاؤه ويكتشفوا إصابته برصاصتين في رأسه»، وآخر «رفض ترك مدفعه تحت القصف واستمر في إطلاق القذائف، ليخرجه رفاقه من الملجأ بعد انتهاء القصف فيجدوه قد فارق الحياة، بعد أن شجت شظية رأسه، وهو يحتضن مدفعه، ليهب دمه رفاقه شجاعة ونورا».

عرض حجى قصصا لزيارات فئات مختلفة للجبهة، منهم وفد طلابي بهدف «رفع روح الجنود المعنوية ،فإذا بهم بعد الإقامة بينهم أياما وفهمهم لحقيقة الوضع يعترفون للجنود بأن روحهم المعنوية هى التى ارتفعت من عظمة ما رأت على أيديهم».

وكتب عن زيارة شيخ وصفه بـ «المتزمت» أقام بينهم أياما غيرته، طلب الشيخ من الجنود التجمع للصلاة فرفضوا لأنهم بتجمعهم يقدمون خدمة للعدو لكي تحصده مدافعهم، وحين قال لهم الشيخ إن ذلك لو حدث سيكون لأن الله غير راض عنهم، فاحتد عليه جندي أستشهد شقيقه في منطقه أخري قائلا له: «هل رأيت تحصيناتنا؟ هل رأيت الجندي الذي تطالبه بالرجوع إلي الله وحالته البائسة؟»، وحين شكى الشيخ في يوم تال من رفض الجنود التجمع للصلاة، دوى قصف شرس علي الموقع، فأدرك الشيخ أن ما كان يفكر فيه كان خطأ، وأن حديث الجنود عن تسهيل التجمع لاستهدافهم عسكريا كان أصدق وأصوب، فخلع جبته وعمامته وبدأ في حمل صناديق الذخيرة لتسليمها إلي جندي التعمير وهو يهتف

 «الله يقويكم.. الله يقويكم يا أولادي».

دماء على نافذة قطار

يروى حجي أيضا -ضمن ما يروى-، مآسي الجنود خارج جبهة القتال، فخلال عودته من إحدى إجازاته، وبينما هو ينظر إلى البيوت والأشجار من نافذة القطار فوجئ بقطرات دم تسقط علي يده التي كان متكئا بها علي النافذه، وحين استطلع الأمر وجد خيطا من الدماء ينساب من فوق سقف عربه القطار، التي أطل من فوقها أطراف حذاء عسكري، ليتضح بعد أن توقف القطار، أن هناك جنديا ارتطم رأسه بسقف أحد الكباري التي مر تحتها القطار، فتهشم رأسه وفارق الحياة. وحين تم تسليم جثمانه إلي الشرطة العسكرية وتم جرد محتويات ملابسه، وجدوا معه منديلاً وعلبة بها ثلاث سجائر وسبعة عشر قرشا فقط لا تكفي لدفع ثمن تذكرة القطار، وبرقية تقول «أحضر حالاً والدك توفي».

ويعلق حجي على هذا المشهد الحزين قائلا: «عدت إلي مقعدي أسمع حديث الناس عما حدث، ولا أجد معني لأي كلمة تقال، ولم أعد أري رغم عيني المفتوحتين، لا الأشجار ولا البيوت التي كانت تطل عليها نافذة القطار، فقد كان حجم الحزن أكبر من أي شيء، وتركز في خاطري سؤال: أتري هذا الوطن القاسي علي أبنائه المخلصين؟ أيمكن لهذا الوطن أن ينهض؟.. إن الأمر كله مرهون بقليل من الرحمة يمكن أن تنقذ عالما بأكمله».

ومن خارج الجبهة أيضا روى حجي معاناة زميل آخر صارحه بإخفاقه في علاقته الحميمة مع زوجته خلال إجازته الأخيرة، فأدرك حجي -الجندي المثقف- أن الضغوط النفسية التي يتعرض لها زميله بسبب ما يراه على الجبهة من أهوال هي السبب الرئيسي في أزمته مع زوجته، وتحقق من وجهة نظره وتشخيصه للمشكلة حينما شارك زميله رفاقه في عملية عسكرية حدث بعدها انتصار قوي علي العدو، فتحسنت نفسية ذلك الجندي، وفي الإجازة التالية عاد ليصارح حجي بأن مشكلة مع زوجته قد انتهت.

يرصد حجى فى يومياته قصص جنود حققوا – رغم معاناتهم و الصعوبات التى واجهوها – حلم النصر واستردوا الكرامة، قضى من هؤلاء من قضى، وعاد منهم من عاد ،ليشهد على ما جرى بعد العبور من ضياع الحلم فى وهم السلام.. رحم الله حجي ورفاقه وكل شهداء الوطن.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق