ثقافة

«بنات الباشا».. حكايات متخمة بالوجع

بنات الباشا.. للروائية نورا ناجى .. رواية مربكة، مركبة، صادمة، متخمة بالشخوص والأسماء، تضم نماذج إنسانية تستدرالتعاطف الإنساني الواسع، فضلا عن كون الرواية تشتمل على توثيق حي لجوانب المعاناة التي تعيشها المرأة، وبوصف دقيق تحسد كاتبة الرواية عليه بلا شك.

 فقد نجحت الكاتبة في رسم شخصياتها وتحويلهم جميعا إلى أبطال، ما يصيب قارءها بالحيرة و لكنها الحيرة الجميلة بلا شك، بالإضافة إلى كم المعلومات السيكولوجية الرهيبة لكل شخصية، وكأنها تتحدث عن محيطها الضيق، فضلا عن خدعة العنوان، الذي يدل قبل القراءة على حياة أرستقراطية للباشا صاحب النفوذ، لتكتشف مع السطور الأولى أنك أمام عمل مختلف ومغاير.

الروائية نورا ناجى

الباشا.. الحلم

اقتحمت نورا ناجي، في «بنات الباشا» وهو عملها الروائي الثالث بعد روايتي «الجدار»، و«بانا»، عدة مناطق من المسكوت عنها في مجتمعنا، بطريقة مكثفة وكتابة إنسانية عميقة، في نص رائع، ثري، مفعم بالحيوية، متحدثة عن مجموعة من البنات، يعملن داخل محل لتزيين الشعر، تحت سلطة «الباشا»، وتدور معظم أحداث الرواية داخل المحل، منتقلة برشاقة وخفة بين الأحداث والأزمنة المختلفة.

بداية الرواية حادة، صادمة، وإن كنت أرى أنها شجاعة، بعد أن اختارت شخصية «منى» كمفتتح لروايتها، وهي الشخصية التي قد ينفر منها البعض، لو تورط في الحكم عليها قبل قراءتها بشكل كامل، وتجد نفسك لا تستطيع الحكم عليها دون مراعاة ملابسات حياتها قبل هروبها من منزل أهلها في الاسكندرية، واقامتها الكاملة في مدينة طنطا التي لم تذكر في الرواية بشكل صريح، وإن كانت الأحداث تكشف عنها بعد ذلك، فضلا عن الحبكة البديعة بظهور الكثير من الشخصيات خلال الفصل الأول، والتعريف بالباشا الذي يعد حلم كل فتاة في المدينة وليس محل الكوافير فقط.

ضحايا

ربطت نورا الرواية بأحداث واقعية، في سرد روائي محكم، وبلغة رصينة، بين أبطال العمل، وأزمات مرت دون الارتكان إلى زمن محدد، فهي تأخذك من تفجير كنيسة في طنطا، إلى الحرب السورية وما تلاها من أحداث، فضلا عن نقل القارئ إلى داخل حياة كل فتاة بداية من نشأتها مرورًا بأسرتها، تعليمها، مراهقتها، وصولًا إلى مسرح الرواية الذي يجمعهن، حكايات متخمة بالوجع والألم، غير أنك لا تملك إلا التعاطف معهن، باعتبارهن ضحايا لمجتمع يفقتر ويفتقد إلى الإنسانية إلى أبعد مدى.

فكرة الرواية شديدة الجمال، ومضمونها رائع، بمستوى بديع من السرد، بلغة سلسة لا تخلو من الصدق، ورغم أن البعض عاب عليها كثرة الأصوات وتداخلها، إلا أنها استطاعت بحرفية، أن تخلق نوعا من التواصل يصل في النهاية إلى حكاية رئيسة، وهو ما كشفت عنه منذ السطور الأولى، حالة انتحار لإحدى البنات، والجميع لا يعلم لمَ انتحرت، وتبدأ الفتيات في الحكي، بداية من منى، جيجي، نهال، لا أحد، جيلان، أم لوسيندا، ياسمين، فلك، زينب، ونادية، وهي الشخصية الأهم في الرواية بما تمثله من ضمير العمل.

بنات الباشا، رواية فاضحة للمجتمع، بكشفها مجموعة من الأمراض النفسية التي تصيبنا، مثل موقفنا من قضية ختان البنات، لأتذكر على الفور وأنا التهم تلك الصفحات، رواية سليمان فياض البديعة «أصوات»، التي أبدعها رحمه الله عن تلك القضية بالتحديد، هذا بخلاف التنمر المستمر على المرأة، سواء التزمت ظاهريا أم لا.

تأخذنا في رحلة مؤلمة، مع الفتاة السورية، التي هربت مضطرة إلى بلد آخر لعلها تجد فيه الملاذ الأمن، بعد أن مزقت وطنها الحروب، و البنت التي يتم تزويجها رغما عنها مقابل ثمن الزيجة وكأنها شىء يباع، وأخرى تربت على العنف والقسوة، وهكذا كل فتاة في الرواية تستحق أن تكتب عنها رواية منفردة، وجميعهن يلتففن حول الباشا صاحب الكوافير، الذي لم يكن هو بطل العمل.

إنها رواية تستحق معاناة الوجع في قراءتها، لتعريتها الصريحة، لكل أكاذيب المجتمع المريض، ورغم ألمها لا تخلو الرواية من الحب والجمال والخير، متمثلا في نادية، صاحبة القلب الطيب والضمير الحي، والتي قطعا لا تخلو الدنيا من أمثالها، وإلا تحولت الحياة إلى ألم فقط بلا أمل.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق