منوعات

عاطف بركات.. أستاذ الأساتذة

مدح الشاعر النابغة الذبيانى الملك النعمان بن المنذر ببيتين، أعتبرهما أصحاب البصر بالشعر، أمدح بيتين قالتهما العرب. إذ قال فيه:

«ألم تَرَ أنّ اللَّهَ أعطاكَ سُورة

تَرى كلَّ مَلِك دُونها يَتَذَبْذَب

بأنك شمسٌ والملوك كواكبٌ

إذا طلعت لم يبْدُ منهنّ كوكبُ».

السورة التي في البيتين تعني الكرامة والعزة والمهابة، هذان البيتان هما من الشعر الذي يخترق الأمكنة والأزمنة، فتراهما يصدقان على نخبة ممتازة من الرجال، ويفسران حالة تبدو غامضة مع رجلين عظيمين فى التاريخ المصرى أحدهما شمس ساطعة والآخر كوكب منير، لكن الأنظار انصرفت إلى وهج الشمس ولم يلفتها نور الكوكب.

كان لدينا نحن أهل مصر العظيمة، رجلان ممتازان، هما سعد باشا زغلول الذي كان في زمنه شمسًا، وكان معه ابن شقيقته عاطف باشا بركات الذي كان كوكبًا، ولكن كيف يكون حال الكواكب عندما تسطع الشمس؟

الجذور الصعيدية

كنت أعرف أن أرضا بمدينة ملوي بمحافظة المنيا تسمى «أرض عاطف بركات» ولكن أبدا لم أربط بينها وبين عاطف باشا بركات ثم جاء الباحث الأستاذ محمود الملواني فكشف عن الجذر الصعيدي لآل بركات.

يقول الملواني: «ينتمي آل بركات إلى الشيخ عبده بركات الذي ينتهي نسبه إلى خليفة رسول الله، الصاحبي الجليل أبو بكر الصديق، كان الشيخ عبده أحد كبار الملاك بمدينة ملوي، وأملاك آل بركات بملوي معروفة مشهورة ومنها الملعب الرياضي وشارع الجلاء، وعزبة تحمل اسمهم وحي كامل ما يزال يحمل اسم عاطف بركات، وقد ظلت العائلة محتفظة ببعض ممتلكاتها حتى العام 2008».

لأمر ما.. لا نعرفه هاجرت عائلة آل بركات من المنيا إلى مختلف مدن وقرى الدلتا، مع احتفاظها بجذورها الصعيدية وبأملاكها.

بطل مقالنا عاطف باشا بركات وُلد بقرية منية المرشد التابعة لمركز مطوبس بمحافظة كفر الشيخ، في العام 1872 قبل أن تقع مصر تحت الاحتلال الإنجليزي بعشر سنوات.

عاطف باشا بركات

إذا جاز لأحد الافتخار بعراقة الأصل وطيب المنبت، لأصبح ذلك الجواز واجبًا على عاطف بركات، فهو ابن أخت زعيم الأمة سعد باشا زغلول ونسبه من ناحية والده يتوج بذكر اسم الصديق عليه الرضوان.

في طفولته تردد عاطف على كُتّاب القرية، ومن الواضح أن الكتاب كان متقدمًا فقد حفظ فيه القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة ومبادئ العلوم والرياضيات.

كفالة الزعيم

من منية المرشد انطلق عاطف إلى القاهرة حيث بيت خاله زعيم الأمة سعد باشا، فالتحق بمدرسة الجمالية الابتدائية، ثم التحق بالأزهر الشريف، ثم  بدار العلوم، وبعد حصوله على شهادتها سافر في بعثة تعليمية إلى لندن.

في تلك السنوات كان خاله يملأ الدنيا ويشغل الناس، ولكن هذا الخال الذي كان يقود حركة جماهير الأمة كان منتبهًا لمصير ومستقبل ابن شقيقته، فكان يدفع به إلى طلب المزيد من العلم، وكان هذا على صعيد العلاقة العامة، أما على صعيد العلاقة الإنسانية فقد كان تعامل سعد مع عاطف هو ذاته تعامل الأب مع ابنه الوحيد، وكل المحيطين بزعيم الأمة أدركوا أن عاطفًا هو ابن سعد الذي لم ينجبه من صلبه.

سنوات المجد والمنفى

هل كان من المحتم والضروري أن يسير عاطف خلف خاله سعد باشا؟.. ثم هل كان في سيره منطلقًا من أرضية العصبية القبلية أو رد الجميل؟.

الحق أن عاطفًا كان وطنيًا وكان سيشارك في ثورة 1919 بغض النظر عن اسم قائدها، والذين يتعللون بالقربى وبرد الجميل، نذكرهم أن يهوذا قد خان المسيح، ولم يحفظ جميله ولا معروفه، وأن أبا لهب عم رسولنا كان أعدى أعدائه، أمثال عاطف بركات يسلكون المسلك اللائق بهم وبنفوسهم الشريفة وبهممهم العالية.

شارك عاطف مشاركة فعالة في أحداث الثورة، فكانت أيام مجده وفخاره، ودفع الثمن الذي يدفعه كل مقاوم، فنفي مع خاله وعاش معه في كل المنافي التي ذهب إليها من سيشل إلى عدن إلى جبل طارق.

معلم الأجيال

قبل ثورة 1919 كانت مصر تبحث عن ذاتها، فرأت أن تؤسس مدرسة للقضاء الشرعي، تلك المدرسة تماثل الآن كليات الحقوق والشريعة والقانون وأصول الدين ودار العلوم والآداب.

ليس في كلامي أدنى مبالغة لأن مناهج تلك المدرسة تكاد تتطابق مع المناهج التي يدرسها طلاب الكليات سابقة الذكر.

عندما أسست مصر- تنفيذا لخطة كان قد وضعها الإمام المجدد محمد عبده – مدرسة القضاء الشرعي، كانت ترمي إلى تخريج قضاة كبار وكُتّاب على أرفع طراز، ومعلمين من الدرجة الأولى، لأن المدرسة كانت تجمع بين تدريس العلوم الشرعية واللغوية والعلوم الحديثة مثل الرياضيات والهندسة، ثم لم تجد مصر خيرًا من عاطف بركات ليكون أول ناظر لها عند افتتاحها في العام 1907.

قامت الثورة وكان عاطف بركات ناظرا لمدرسة كبرى فشارك فيها وهو يعلم عقاب الموظفين العموميين الذين يثورون، ولكن تلبية نداء الوطن عند أمثال عاطف أهم من أي شيء آخر.

سنعرف أهمية وقيمة تلك المدرسة عندما نستعرض أسماء بعض الذين تعلموا بها، وتتلمذوا على يد ناظرها عاطف باشا بركات فنذكر اسم الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، الشيخ محمد أبو زهرة، الأستاذ أحمد أمين، الأستاذ أمين الخولي، الشيخ عبد الوهاب خلاف، الإمام الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم، وغيرهم من أكابر العلماء.

كل هؤلاء الأساتذة وغيرهم كان أستاذهم الأول هو عاطف بركات ومن حسن حظنا أن بعضهم قد ترك شهادات خطية عن أستاذهم.

شهادات التلاميذ

يقول الشيخ الإمام محمد أبو زهرة: «لما دخلت مدرسة القضاء الشرعي كان ناظرها العالم الجليل ذو الأخلاق عاطف باشا بركات، وكان شديد التمسك برأيه ما دام لم يعلم أنه باطل، ومن هذا المنبع استقيت ما تغذت به نفسي وأرضَى نزعتي».

العلامة السنهوري باشا يقول: «كانت تلك المدرسة ـ في زمن نظارة عاطف ـ  معقلاً من معاقل الوطنية».

وفي موسوعته التي نشرها تحت عنوان «هذا الرجل من مصر» قال المؤرخ الكبير لمعي المطيعي عن عاطف بركات: «إنه ببساطة واحد من الأربعين أو الخمسين رجلًا, الذين  قامت علي أكتافهم نهضة مصر في القرن العشرين. وهو على أول هذه القائمة. وهو شخصية مثقفة جمعت بين تعليمه في دار العلوم وتعليمه في إنجلترا, وكان يمتاز كما وصفه المعاصرون له بالرجولة والصلابة والاستقامة المطلقة والالتزام الديني والإحساس بتقديس الواجب العام.. كان عاطف بركات قصيدة بديعة في الوطنية والرجولة والعلم والأخلاق الرفيعة. وهذا الرجل هو مثل أعلي لكل من يريدون أن يرفعوا رؤوسهم وأن يرفعوا رأس بلادهم معهم».

أما أبر تلاميذه به، الأستاذ أحمد أمين فقد كتب في كتابه فيض الخاطر: «في مدرسة القضاء.. علمونا الاهتمام بالكتابة، كان عاطف بركات دقيقًا بالغًا في الدقة، فكان لا يرضى عن كتابةٍ إلا أن يعبر صاحبها تعبيرًا دقيقًا، ويؤاخذ على كل صغيرة وكبيرة فيها؛ فإذا كان اللفظ أوسع من المعنى أو أضيق منه لم يعجبه وآخذ عليه.

أحمد أمين

أما الميزة الثانية فهى أنه كان يقدِّر المعنى أكثر مما يقدِّر اللفظ، فلا تعجبه العبارات الجوفاء ولا الاستعارات المتكلَّفة، وكثيرًا ما اختلف مع أساتذة الأدب في هذا الشأن؛ فكان يقدر الدرجة بصفر على موضوعٍ قدروا له درجةً عالية، والعكس صحيح؛ لاختلاف جهة التقدير.

والميزة الثالثة إعجابه الذي لا حدَّ له بالمُجيد في نظره، واشمئزازه الذي لا حدَّ له من المسيء في نظره؛ فأعلن الإعجاب بطائفة شجعهم على الكتابة، وأذكر أن من حسن حظي مرةً أن طلب إلى فرقتنا الكتابة في موضوع «أثر القرآن في العلوم العربية»؛ فكتبت موضوعي ولم يرق كثيرًا لأستاذ الأدب، ولكنه وقع في يد عاطف  فسُرَّ منه، واقترح إعطائي نهاية الدرجة وناداني وأعلن سروره منه، وظلَّ كلما أتت طائفة من العظماء لزيارة المدرسة – كقاسم أمين وسعد زغلول والشيخ عبد الكريم سلمان- طلب الورقة وقرأها عليهم وحملهم على الإعجاب بها.

هذا الرجل ترك في نفسي استعدادًا مختلفًا للكتابة، كنت يومها في السنة الأولى، وقد غمرني أستاذ الأدب بتشجيعه على الرغم من عدم تحمُّسه أول الأمر؛ فانطبعت في نفسي مأثرة ميَّزت كتابتي عن أقراني».

اقرأ أيضا:

النكبة

صدق الشاعر الذي قال: «لكل شيء إذا ما تم نقصان».

عندما كان عاطف بركات قد حاز رتبة الباشوية، وتمكن من كرسي نظارة المدرسة وبدأ تلاميذه يشقون طريقهم نحو المجد الذي تعلموه على يديه جاءت حكومة نسيم باشا.

هنا سأنقل عن مذكرات السنهوري باشا فقد كان شاهد عيان من ناحية، ومن ناحية أخرى لكي أجنب نفسي عناء البحث عن وصف يناسب ما فعله نسيم باشا برجل مصر الفذ عاطف بركات.

يقول السنهوري باشا: «كانت مصر فى أوائل سنة 1921 وفدية خالصة. وكان توفيق نسيم رئيساً للوزارة ينفذ سياسة القصر. فعزل عاطف بركات ناظر مدرسة القضاء الشرعى من منصبه إذ حَسبه، وحسب معه مدرسة القضاء الشرعى بؤرة تعشش فيها الوطنية، هذه الوطنية التى لم يعرفها توفيق نسيم فقامت مدرسة القضاء الشرعى أساتذة وطلابا يحتجون على هذا التعسف. ثم زادت المسألة تعقيداً بعد أن انقسمت البلد إلى فريقين: أغلبية مع سعد وأقلية مع عدلي، وذلك بعد سقوط وزارة نسيم، فتعذر إعادة عاطف بركات إلى مدرسة القضاء الشرعي, إذ كان عدلى على رأس الوزارة، وكان عاطف فى الأغلبية التى مع سعد فقمعت حركة مدرسة القضاء الشرعى بقسوة عنيفة».

هل رأيت مصير الأفذاذ الأحرار تحت حكم الاحتلال وأسرة محمد علي؟.

في تلك الفترة كان عاطف بركات في عنفوان رجولته وفي قمة عطائه، فوجد نفسه مطرودًا من جنة غرس أشجارها شجرة شجرة!

ثم جاءت وفاة الزعيم الراعي سعد زغلول فقصمت ظهر عاطف، الذي سرعان ما عض على شفتيه كما يفعل الرجال ساعة المحن، وتفرغ للمشاركة في تقرير مصير حزب الوفد بعد رحيل مؤسسه.

تقول الكاتبة سلوى الزغبي: «بعد وفاة زعيم الوفد سعد زغلول عام 1927 فُتح باب الترشح  لقيادة الحزب، وكان بين رجالات الوفد الكبار اثنان من أسرة الزعيم وكانا ابني أخته هما فتح الله بركات باشا وعاطف بركات باشا».

ما لم تقله الكاتبة سلوى الزغبي قاله مؤرخون آخرون، وملخص ما قاله المؤرخون هو : إن قواعد حزب الوفد الجماهيرية كانت تميل لاختيار واحد من اثنين ،لرئاسة الحزب، أم المصريين صفية زغلول أو عاطف باشا بركات، ولكن القيادات التقليدية خافت من الاسمين، فعملوا على الدفع باسم مصطفى باشا النحاس، وهم يظنون أن النحاس باشا لقمة سائغة وسيحكمون هم من خلف ظهره، وبالفعل تم اختيار النحاس ليتربع على كرسي سعد، وكانت المفاجأة غير السارة للقيادات التقليدية أن النحاس باشا قد ملأ المقعد الشاغر وعن جدارة واستحقاق.

اقرأ أيضا: 

ترنيمة الوداع

لقد ذهبت نظارة مدرسة القضاء، ثم خسر عاطف رئاسة الوفد، فما كان من الملك فؤاد إلا أن زاد جراحه عمقًا فقد أصدر أمرًا يقضي بإغلاق مدرسة القضاء، وكان ذلك في العام 1930.

بعد عام من إغلاق القضاء الشرعي وحرمان مصر من ثمار عقولها، عمل عاطف بوزارة المعارف، ولكن لم يكن عمله الجديد يسمح له بتكوين تلك العقول الوطنية العلمية، بقي في عمله الجديد حتى جاءه اليقين فرحل عن دنيانا في العام 1935 فسلام عليه حيث يرقد.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق