منوعات

«الصماء النحيلة» التي «أنسنت» النظرية الاقتصادية

فاليري ساندرز – أستاذ اللغة الإنجليزية بجامعة هال-إنجلترا

عرض وترجمة: أحمد بركات

في عام 1855، كانت تستدبر الحياة وتستقبل الموت على وقع نبضات مرتجفة من قلبها المريض – كما أخبرها بذلك طبيبها – فراحت تسابق الزمن لوضع اللمسات الأخيرة في الكتاب الذي يتناول سيرتها الذاتية Autobiography، ولتكتب نعيها إلى صحيفة The daily News، التي كانت تعمل بها منذ عام 1852، تاركة مساحة لشخص ما يحدد فيها تاريخ الوفاة. لكن هذا التاريخ توانى 21 عاما حتى عام 1876.

وعلى مدار هذه السنوات غاضت شهرتها تحت ركام الزمان إلى الحد الذي دفع بالممثلة فاني كيمبل في عام 1874 إلى أن تؤكد في دهشة «لم أكن أعرف أنها لا تزال على قيد الحياة».

على النقيض من ذلك، كان عام 1832 هو عام هاريت مارتينو بلا منازع، حيث جابت شهرتها الآفاق حتى بدا أن الجميع بلا استثناء لا يتحدثون سوى عن تلك «الصماء النحيلة القادمة من مدينة نورويتش»، كما أطلق عليها اللورد هنري بروجهام.  فما السر وراء هذا النجاح الساحق، الذي أعقبته عقود من النسيان، ثم نوع جديد من المجد والرواج خاصة في دوائر النقد النسوي وأروقة التأريخ؟

Harriet Martineau

بداية هادئة

وُلدت هاريت مارتينو في عام 1802 في مدينة نورويتش البريطانية لأسرة مسيحية موحِدة تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وكانت الطفلة السادسة – بين ثمانية أطفال – لتوماس مارتينو، العضو البارز في «حركة التوحيد المسيحية» الذي كان يمتلك مصنعا للنسيج، وزوجته إليزابيث رانكين، القادمة إلى نورويتش من نيوكاسل. أخوها الصغير، والأقرب إلى قلبها على الإطلاق، هو جيمس مارتينو (1805 – 1900) الوزير البارز والفيلسوف الموحد، وأختها الكبرى هي راشيل مارتينو (1800 – 1878) مديرة إحدى مدارس البنات في ليفربول التي كانت ترتادها ميتا، الابنة الثانية للروائية الانجليزية إليزابيث جاسكل.

بعد موت أبيها في عام 1826، وانهيار المصنع الذي امتلكته الأسرة على إثر ذلك في عام 1829، كان على هاريت مارتينو أن تجد طريقة لكفالة نفسها. وعلى خلاف الشائع في ذلك الوقت، قادتها عاهة الصمم إلى التغريد بعيدا عن سرب تعليم الأطفال، فانسابت مياه مواهبها العذبة في نهر الصحافة الجادة معتمدة في ذلك على شغفها الذاتي العميق بتثقيف الجماهير. 

كانت البداية هادئة ورصينة عبر مقالات دينية بعثت بها مارتينو إلى مجلة Monthly Repository المسيحية الموحِدة بدءا من عام 1822. لكنها سرعان ما تحولت بفضل ثقتها العالية في قدراتها إلى خوض غمار ميدان الاقتصاد السياسي ’الذكوري‘ بامتياز في ذلك الوقت. كانت مارتينو تدرك تماما أن الكتابات التي تتناول هذا المبحث ربما تكون ’مخيفة‘ لغير المتخصصين، ومن ثم فقد أرادت أن تقدم للعامة شرحا مبسطا للقوانين والنظريات الاقتصادية عبر سلسلة من القصص القصيرة المصورة، التي تخاطب كل مجموعة منها شريحة مختلفة من المجتمع. استلهمت مارتينو أفكارها من أسفار التنوير الأوربي، مثل كتاب The Wealth of Nations (ثروة الأمم) (1776) للفيلسوف الانجليزي آدم سميث، وكتابElements of Political Economy (عناصر الاقتصاد السياسي) (1821) للفيلسوف والمنظر الاسكتلندي جيمس ميل، إضافة إلى نظريات توماس مالتوس وديفيد ريكاردو. لكن سلسلتها Illustrations of Political Economy (صور توضيحية في الاقتصاد السياسي) (1832 – 1834) التي تألفت من 25 مجلدا استلهمت أيضا – إلى جانب ما سبق – من كتاب Conversations on Political Economy (حوارات في الاقتصاد السياسي) (1816) للكاتبة البريطانية جين مارسيت، الذي بين لها كيفية الربط بين النظريات الاقتصادية المعقدة والحقائق البسيطة التي تحكم حيوات الناس.

نجاح مبهر

من الصعب على القارئ المعاصر أن يتفهم أسباب ذلك النجاح المبهر الذي حققته سلسلة Illustrations في أوساط العامة، وما حظيت به من إعجاب الأميرة صغيرة السن – آنذاك – فيكتوريا. كانت إنجلترا تعيش فترة عصيبة في ذلك الوقت بسبب الاضطرابات الاجتماعية، والنقاشات الحادة حول مشروع قانون الإصلاح لعام 1832، والثورة الصناعية، واتساع رقعة الفقر المدقع في المدن الكبرى، وتفشي وباء الكوليرا. في خضم هذه الظروف كانت مارتينو تجوب لندن بحثا عن ناشر لكتابها، لكنها – كما سجلت في سيرتها الذاتية Autobiography (سيرة ذاتية) (1877) – كانت تُجابه دائما بعبارات من قبيل «قانون الإصلاح والكوليرا، والحالة المضطربة للعقل الجمعي لا يشجعان على إصدار أي كتب جديدة».

رغم ذلك، كانت هذه السلسلة تتناول بالفعل هذه المخاوف والاضطرابات الاجتماعية نفسها، بما في ذلك إضرابات عمال المصانع، وتدني الأجور، وتفشي الفقر، و«قوانين تنظيم إعالة الفقراء والمعوزين» التي جعلت البلاد في حالة انشغال تام عن الأعمال القصصية الخيالية. وبعد عناء، قبل الناشر تشارلز فوكس على مضض نشر هذه السلسلة، ليجدها فجأة ’الأكثر مبيعا‘، حيث باع كل مجلد على حدة حوالي 10 آلاف نسخة.

لم يكن هذا النجاح الصاخب سوى خطوة على طريق حافل؛ حيث راحت مارتينو تحقق نجاجا تلو آخر، وتلفت الأنظار إليها بمقال تلو مقال. ففي عام 1832، تمكنت مارتينو من نشر النظريات الأساسية في الاقتصاد السياسي. وبعد ذلك بسنوات قليلة، قدمت نفسها كإحدى أيقونات مناهضة التفرقة العنصرية من خلال الحملة الأمريكية المناهضة للعبودية في عام 1838، ثم انحيازها لقضايا النسوية في حراكها الحثيث ضد التمييز الجندري في الدستور الأمريكي. وفي عام 1845، حققت مارتينو شهرة واسعة جراء دعمها لقضية العلاج بالتنويم المغناطيسي، ثم رفضها للعقيدة اللاهوتية المسيحية لحساب لاأدرية تقوم على فهم علمي أعمق للعقل والجسد البشريين في عام 1851.

وفي السنوات الأخيرة من حياتها النشطة راحت مارتينو تجوب المراكز الصناعية في الشرق الأوسط وأيرلندا وبرمنجهام لتكتب عن تجاربها بانتظام، ليس فقط لصحيفة The Daily News (ذا ديلي نيوز)، وإنما أيضا للعديد من الدوريات والمجلات الرائدة والرائجة في العصر الفيكتوري، مثل The Edinburgh Review (ذي إدنبيرج ريفيو)، وThe Westminster Review (ذا ويستمنستر ريفيو)، إضافة إلى مجلة Household Words (هاوسهولد وردز) التي كان يترأس تحريرها الروائي الانجليزي تشارلز ديكنز. أثرت مارتينو أيضا المكتبة الإنجليزية بالتأريخ لمرحلة مهمة عبر كتابها The History of England During the 30 Years’ Peace: 1816 – 1846 (تاريخ إنجلترا أثناء حقبة السلام: من 1816 إلى 1846) (1849). وبعد الانتهاء من هذا الكتاب، كتبت مارتينو بانتظام لدورية Once a Week (وانس أويك). وفي الستينات من عمرها دشنت مارتينو حملة بالتعاون مع فلورنس نايتنجيل لإصلاح التمريض، وحملة أخرى مع جوزفين باتلر لإلغاء «قوانين الأمراض المعدية». في هذا الوقت كانت مارتينو تحيا حياة بيئية سليمة في منطقة «ليك ديستريكت» في شمال غرب إنجلترا، وتقوم بتنظيم مجتمع بناء محلي وتثقيف جيرانها من الطبقة العاملة عما كانت تطلق عليه بتواضع بالغ «أمور الصحة العامة». وبحلول عام 1876، الذي لقيت فيه حتفها، كانت مارتينو قد أدلت بدلوها في جميع فروع المعرفة باستثناء العلوم البحتة.

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الانجليزية من هنا 👉

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق