مختارات

خوارزميّات غوغل والشبكات تَحبسنا في «فقّاعة»

ربّما لا يعلم الكثيرون أنَّ حياتهم مسيَّرة معرفيّاً بما تريده لهم التطبيقات المعلوماتيّة، من خلال الخوارزميّات المختلفة التي صُمّمت من أجل ذلك! تُعرَّف الخوارزميّات بأنَّها مجموعة من القواعد والأوامر التي تُنفَّذ بشكلٍ تسلسليّ ومنظَّم لحلِّ مشكلة معيّنة، وهي كأيِّ استراتيجيّة ترمي إلى مُعالَجة مشكلة ما، لها معايير تحدِّد جودتها، تتمثّل بسرعة التنفيذ، وعدم أخذ مساحة في ذاكرة الحاسوب خلال التّطبيق، وإمكانيّة تعديلها وتغييرها بحسب المتطلّبات المستجدّة. وقد سُميت بالخوارزميّات نسبةً إلى العالِم أبو جعفر محمّد بن موسى الخوارزمي الَّذي ابتكرها في القرن التاسع الميلادي، وأراد من خلالها أن يصبح كلّ الناس قادرين على الحساب، بإتّباع التعليمات المقرَّرة فقط.

والخوارزميّة هي وسيلة نَصِف فيها بالتفصيل «المُملّ» كيفيّة القيام بأمرٍ ما، بهدف إضفاء الطّابع الحسابيّ عليه، لجعْله قابلاً للتنفيذ بواسطة جهازٍ رقميّ (أي الحاسوب). والبَرمجة المعلوماتيّة تجري كانعكاسٍ رقميّ لنظام فعليّ تتفاعل معه الخوارزميّة فقط. وقد اتَّضح أنَّ العديد من العمليّات الميكانيكيّة، على الأرجح، تصلح لمثل هذا العمل.

للخوارزميّات جذورٌ فلسفيّة، نلاحظها منذ زمن الفلسفة اليونانيّة التي أتت بعد حركة السفسطائيّين، وهي تهدف إلى اعتماد طُرق لحلِّ المسائل على أنواعها، وتعمل وفق مبدأ تجزيء المَسائل المعقّدة إلى مسائل بسيطة، وحلّ هذه المسائل البسيطة وصولاً إلى حلِّ المسألة المعقّدة.

ولفهم ماهيّة الخوارزميّات بشكلٍ مبسّط، يكفي أن نلتفت إلى أنّنا نقوم في حياتنا اليوميّة بمجموعة من الأمور التي تحاكي تصميم الخوارزميّات، من مثل إعداد وصفات الطعام، أو الحياكة، أو توجيه شخص إلى الطريق الصحيح… والفرق بين البَرنامج المعلوماتي والخوارزميّات هو أنَّ الأخيرة لا تلتزم بلغات البَرمجة، ولا تَتبع مباشرةً لأيٍّ منها (من مثل جافا أو بي أتش بي)، على الرّغم من أنَّ بعض اللّغات تطلَّب تغيّرات معيّنة في تصميم الخوارزميّة، ولكن يبقى الهيكل هو الأساس.

حاليّاً، مع انتشار البيانات الرقميّة، نرى تحوّلاً في معنى الخوارزميّات وفي مفهومها، فقد أصبحت حاجةً أساسيّة لإدارة البيانات الضخمة ومُعالجتها من أجل التنقيب عن المعلومات واستنتاج ما يسهل على المُستخدِم فهمه. ومن ناحية أخرى، نجد أنَّها تدخل في جميع مجالات التعامل مع السّلوك اليوميّ.

تقوم عائلة الخوارزميّات بإجراء عمليّات حسابيّة على مجموعات كبيرة من البيانات (big data)، وهي تهدف إلى العمل على تصنيفات، وعلى تحديد المعلومات، واستخلاص ملفّات التعريف للأفراد (profile) الذين عادةً ما يكونون مُستهلكين للمعلومات. وبالتالي، من المُمكن استثمارها تجاريّاً من خلال بَيع الإعلانات للأفراد بحسب اهتمامات كلِّ منهم، كما أنّها قد تُستخدم للتلاعب بهم من خلال محاولة التأثير في خياراتهم.

هذه العمليّات لها آثار متعدّدة، وتؤثِّر في كثير من المجالات. وكنتيجة حتميّة، تتعرَّض الحريّات الفرديّة للخطر، كما تُظهر عالِمة الرياضيّات الأميركيّة كاثي أونيل في كِتاب «أسلحة الرياضيّات الشاملة»، (تماشياً مع مقولة أسلحة الدمار الشامل) الذي نُشر في العام 2016. وقد صدرَ بالفرنسيّة في العام 2018 تحت عنوان «الخوارزميّات: القنبلة الموقوتة» (دار Arens).

اليوم، تتّخذ النماذج الرياضيّة والخوارزميّات قرارات رئيسة، وتعمل على تصنيف الأفراد والمؤسّسات وتحديدها، وتؤثِّر تأثيراً عميقاً في عمل الدول. ذلك كلّه يترافق مع عدم القدرة على السيطرة عليها والتعديل فيها. من هنا، فإنّها تُعتبر حاليّاً سلطة مُستخدَمة ضدّ الناس. ويبقى السؤال: لماذا يحصل ذلك كلّه؟ والجواب هو أنّ معظم الأفراد في العالَم، ببساطة، لا يتحقَّقون من البيانات الرياضيّة، حتّى أنَّ بعضهم، لعدم اهتمامهم بالحساب، قد يتعرَّضون للتنمُّر على خلفيّة عدم إلمامهم بها.

انطلاقاً من ذلك، يجب التنبّه إلى القرارات الرئيسة التي تنفِّذها اليوم الخوارزميّات في مجالات متنوّعة، من مثل التعليم والصحّة والتوظيف والعدالة. قد يرى البعض أنَّ الخوارزميّات مُحايِدة، في حين أنَّها تؤدّي، في الواقع، إلى اتّخاذ خيارات ذاتيّة بارزة وتبنّي آراء، وحتّى أحكام مُسبقة، مُدرجة في مُعادلات رياضيّة أعدّها مُبرمجو الخوارزميّات. في النتيجة، يمكن القول إنَّ الخوارزميّات تتوافر في كلّ الأمكنة، وتتواجد داخل جيوبنا، وتتحكَّم بحياتنا.

بالنّسبة إلى الشبكات الاجتماعيّة التي تقدّم لنا خدمات التواصل والمعلومات، فإنَّ الخوارزميّات الخاصَّة بها لا تركّز على تزويدنا بمعلومات دقيقة، ولكنّها تزوّدنا بالمعلومات التي من المُمكن أن نتطلَّع إلى مَعرفتها، بناءً على معرفتها بالأشخاص الَّذين يشبهوننا وتفاعلاتنا المُشترَكة، وهو ما يُطلق عليه حاليّاً اسم «فقّاعات التنقية»، التي تَضع المُستخدِم من ضمن «فقّاعة» محصورة باهتماماته فقط، أي أنّها تحدِّد طبيعة المعلومات اللّازمة له، بحسب ما تقرّره هذه البرمجيّات. وبهدف تقريبنا إلى أصدقائنا، وتعريفنا إلى أكثرهم نشاطاً على الشبكة، فإنَّ فايسبوك يحبسنا في فقّاعة «ذهبيّة». والمشكلة تصبح أكثر وضوحاً عندما نجمع المعلومات لكي نستهدف المُستخدِم ونوجّه إليه الإعلانات التي يهتمّ بها، لوضعه في إطار واحد مغلّف إعلاميّاً ومعلوماتيّاً.

استطراداً، قد يؤدّي اعتمادنا المتزايد على الشبكات الاجتماعيّة إلى تفاقُم الوضع. ووفقاً لتقرير جديد، فإنَّ أكثر من ثلثَي الأميركيّين (67%) يتلقّون الأخبار عبر المنصّات الاجتماعيّة، وخصوصاً فايسبوك، ذلك أنّ خوارزميّاته تختار لنا 300 منشور من 1500 منشور كان من المُمكن رؤيتها في كلِّ مرّة نلج إلى حسابنا. وفي الساعات الأخيرة من الحملة الرئاسيّة الأميركيّة في العام 2016، أَرسل فريق دونالد ترامب إعلانات إلى الأميركيّين من أصل أفريقيّ على فايسبوك لحثّهم على الامتناع عن التصويت، بهدف محاولة التلاعب بالناس بطريقة شخصيّة مباشرة.

التلاعب بالأفراد

والجدير ذكره هنا أنَّ التلاعب بالأفراد يجري بحسب سلوكيات كلٍّ منهم. فمِن المُمكن أن أتخيَّل، على سبيل المثال، أنَّ ثمّة إعلاناً يُخبرني أنّني سمين في يوم الانتخابات لكي يثنيني عن الذهاب إلى التصويت. بالطبع، هذا الإعلان قد يحصد النتيجة المرجوَّة، لأنّ المُستخدِم قد يُصاب بالإحباط، لكونه انتبه إلى هذا الأمر في لحظة معيّنة. إذاً، تمنعنا الخوارزميّات من الوصول إلى المعلومات الجيّدة، لأنّها تتلاعب عاطفيّاً بنا وبمشاعرنا، وهو ما يُمكن وصفه بـ«السيطرة الناعمة» تحت غطاء ديمقراطيّة مشوّهة في الأساس.

وفي الحيّز نفسه، قد يُطرح سؤال: هل ثمّة فائدة تُذكر للخورزميّات؟ من المؤكّد أنّ بعض الخورزميّات مفيدة، ولاسيّما في مجال الصحَّة مثلاً، فعلى الرّغم من وجود الكثير من الشائعات في الشبكة الرقميّة، فإنَّ ثمّة أيضاً كمّاً كبيراً من المعلومات المفيدة، وثمّة معلومات شخصيّة قد تُساعد الأطبّاء على التحذير من مَخاطر بعض الأمراض، ولكنّ هذه المعلومات نفسها قد تستخدمها شركات التأمين كي تتخلَّص من الأشخاص المعرَّضين للأمراض، والذين سيكلّفونها مبالغ ماليّة!

إنَّ الخوارزميّات الجيّدة هي التي تعمل بشكلٍ متوازن من دون تفرقة، ومن دون البحث عمّن يستفيد منها ومن سيتضرّر بها، فالعالَم الآن في مرحلة حرب صامتة، تُستخدَم فيها أسلحة مُختلفة عن السابق؛ أسلحة «ناعمة» تعمل على التلاعب بسلوكيّة الأفراد من أجل حصرهم في فقّاعة المعلومات المحصورة باهتمامهم، من دون فتْح الباب من أجل الاطّلاع على معلومات أخرى متنوّعة.

ولكنّ الخوارزميّة تحبسنا فحسب، إذا كنّا قد حبسنا ذاتنا في فقّاعة! ففايسبوك يعتمد على سلوكيّاتنا التفاعليّة. لذلك من المُفترض، للتخلُّص من هذه السيطرة الناعمة، شكلاً، أن نُضاعف مَصادر المعلومات المُختلفة، وأن نبحث عن الأفكار المُخالفة لنا ونطّلع عليها، لكي لا تبقى رؤيتنا للعالَم مُسترشِدة بخوارزميّات شبكات التواصل. مثلاً، عند البحث عن المعلومات والصّور، قد نبني خوارزميّات تحذف مباشرة السيَر الذاتيّة لأصحاب البشرة السمراء مثلاً أو للنساء، فكيف من المُمكن أن نعرف ذلك؟ الإجابة صعبة! كيف سنعلم أنّ ذلك جرى وأنّه غير قانونيّ وشرعيّ؟

بالنسبة إلى السّلطة، فإنّ عليها أن تطبِّق القوانين الموجودة في الواقع، من مثل مُحارَبة التمييز ضدّ الآخرين. أمّا «فقّاعات التقنيّات» التي تصفّي المعلومات، فيجب البحث عن تشريعات جديدة مناسبة لها، ولكنّنا لا نعرف حتّى الآن طبيعتها وكيفيّة تطبيقها. على سبيل المثال، على فايسبوك أن يشرِّع الباب أكثر أمام الباحثين، لكي يكون باستطاعتهم رؤية ما يحصل فعليّاً على الشبكة. حاليّاً، يسمح فايسبوك بذلك من وقتٍ إلى آخر، لكنّه يختار المشروعات البحثيّة التي تخدمه، ويمتلك السيطرة على التجارب، ويُقرِّر إذا ما كانت نتائجها ستنشر، في حين لا ينبغي أن يمتلك هذه القوّة! من هنا، ثمّة سبب كافٍ للشكّ في أنّ فايسبوك يؤثّر في الديمقراطيّة، ولذلك نحتاج إلى معرفة الجهة التي نتعامل معها على وجه التحديد.

بالطبع، يستطيع فايسبوك عرض إعلانات سياسيّة، ولكنّ المشكلة أنّه يُقرِّر الشخص المُستهدَف بها، في الوقت الذي ينبغي للجميع الوصول إلى الشيء نفسه. ثمّة مُبادرات قانونيّة في أوروبا، من مثل «التنظيم الأوروبي الجديد للبيانات الشخصيّة» (RGPD)، لكنّه لا يتعلّق مباشرة بالخوارزميّات، بل بالبيانات فقط. وإذا كان القانون الأوروبي ما زال متخلّفاً في هذا المجال، فكيف بالقوانين في العالَم العربي؟

أمّا المعلومات الموجودة على تويتر، فقد كانت تندرج فيه بشكل تتابعيّ. أمّا الآن، فإنّ خوارزميّة المَوقع تحدِّد ما يقدّم للأشخاص، وقد بدأت فعلاً بإرسال المعلومات إلى الأشخاص الذين نتفاعل معهم، ثمّ إلى الأشخاص الذين نُتابعهم، ومن ثمّ إبراز الأخبار الأكثر شعبيّة التي يرى أنّها قد تستقطب اهتمام كلّ مُستخدِم، بحسب شخصيّته والصفحات التي يتصفّحها، حتّى ولو لم يقُم بأيّ فعل.

كما أنَّ تويتر يرسل رسائل آليّاً إلى عنوان بريد المُستخدِم، لينبّهه إلى حصول أمر ما، بهدف جذبه. هذه التفاعلات كلّها تتمّ بشكلٍ آليّ من دون تدخّل مباشر من الإنسان، وهو أيضاً يُرسل المعلومات التي تحرِّك المَشاعر من خلال دراسة سلوك المُستخدِم. كما أنّه يحسب المدّة الزمنيّة التي يمضيها في تصفّح كلّ صفحة، فضلاً عن عدد الأشخاص المُتابَعين والمُتابِعين وعدد «اللَّيْكات». ومن ضمن المعلومات السياسيّة التي يُرسلها، هي تلك التغريدات التي تتضمَّن كلاماً باللّهجة العاميّة وبعض النّكات السياسيّة، لأنّها، في رأي مهندسي توتير، واضعي الخوارزميّة، تُساعد على البروز والظهور، وهو ما استفاد منه دونالد ترامب في بدايات عمله السياسي، وما زال، عندما كان يغرّد ما يشاء وباللّغة التي يشاء.

هذه الخيارات التي يوفّرها تويتر وفايسبوك تُسمّى «bulle de filtrage»، وهي تتعلّق بشَخْصَنة المَوقع، إذ يَجد المُستخدِم نفسَه داخل فقّاعة المعلومات التي تهمّه، وسيُصبح لكلِّ شخص خدمة مفصّلة خاصّة به، ما يُعَدّ تلاعُباً. ولا ننسى أنّ هذه المعلومات الشخصيّة تُباع حاليّاً إلى المُعلنين أوّلاً وغيرهم، كالمؤسّسات التي تستغلّها بهدف مُراقَبة الافراد في المجالات كافّة، من الترفيه إلى الانتماء الحزبي…

في هذه الحرب الصامتة

مُحرِّك البحث غوغل أيضاً يقوم بالأمر نفسه، فللبحث عن كلمة معيّنة فيه، لا تعطي الخوارزميّة النتيجة ذاتها لشخصَين يجلسان جنباً إلى جنب، لأنَّ غوغل يعرف الباحث من خلال خوارزميّة دراسة السلوك، وهو يأخذ بالاعتبار ما يقارب 57 مؤشّراً مُختلفاً لكي يجيب على طلب المُستخدِم، كالعمر، والجنس، وعمليّات البحث السابقة، والمَوقع الجغرافي، ونَوع الحاسوب وقوّته، ودقّة شاشته، وتكرار عدد النقرات على رابط معيّن… طبعاً، هذا الأمر قد يكون جيّداً من جهة، ولكنّه من جهة ثانية يصبح خطراً عندما يتعلَّق الأمر بالأخبار أو القضايا السياسيّة، إذ تقوم خوارزميّات غوغل بحبسنا في فقّاعة معرفيّة، وتوجّه رؤيتنا للعالَم إلى ما نحبّه بالفعل، تماماً كما يفعل فايسبوك وتويتر.

استطراداً، مَن يبحث عن مقاطع فيديو في مَوقع يوتيوب، يَجد دائماً المعلومات نفسها التي بحث عنها سابقاً، والمعلومات المتعلّقة بها، وتلك التي تُشبهها، ولو كانت معلومات ومَقاطع فيديو مركّبة وزائفة. ما الحلّ يا ترى؟ حتّى الآن، لا يوجد حلٌّ فعليّ ذو نتيجة إلّا من خلال تدخُّل الإنسان مثل ما يحصل في «ويكيبيديا»، التي تقرأ كلّ ما يُكتب على المَوقع من قِبَل أشخاص موجودين في كلّ مكان في العالَم، وتَضع إشارات إذا ما كان المحتوى ضعيفاً، ناقصاً، بحاجة إلى تعديل، أو إلى مَراجِع… طبعاً مع الإشارة إلى عدم إعطاء الصدقيّة العِلميّة المحكّمة الكاملة لكلّ ما يُنشر على المَوقع.

وفي هذه «الحرب الصامتة»، ليس لدى الضحايا أيّ أسلحة لازمة «للدفاع» سوى الاحتراس! وعلى الأفراد أن يتحقّقوا من المعلومات من خلال مُتابعة الإعلام المؤسَّساتي، والاطّلاع على ثلاثة مَصادر موثوقة على الأقلّ. عندها، من المُمكن القول إنّ الخبر أو المعلومة أخذت مصداقيّة لكي تكون صحيحة ودقيقة.

استطراداً، إنّنا في مرحلة الحساب؛ حساب كلّ شيء. طبعاً، بعض الطُّرق الحسابيّة ترتكز عليها الأبحاث العِلميّة من خلال البحث الكمّي للمعلومات، فعالَم الإحصاءات حاليّاً هو السائد، وأكثر التطبيقات المتعلّقة بدراسة حالة الفرد هي تلك التي تعمل بشكلٍ آليّ من خلال مُراقَبة اللّغة بالاعتماد على خورازميّات حَوسَبة اللّغة، وتقوم بدراسة النصوص آليّاً وتحليلها. وقد كان اختصاص «علوم اللّغة والتواصل» من أوّل الاختصاصات التي ربطت بين المعلوماتيّة وعلوم اللّغة في الجامعة اللّبنانيّة.

وثمّة طُرق في الرياضيّات لحساب تواتر عدد الكلمات واستخداماتها في سياق معيّن، تتعلّق بحُلمٍ قديم عند الفلاسفة لبناء آلات تحاكي الفكر البشري… وهو ما أدّى إلى بروز ظاهرة الذكاء الاصطناعي. ومن هنا، يُطرح سؤال عن الفلاسفة الذين اعتبروا أنّ الفكر ليس سوى حساب، من مثل لايبنز وهوبز. وكما نعلم أنّ الحاسوب يحسب ولا يفكّر: فهل الحساب كمّي والتفكير نوعيّ؟

يُمكننا اليوم التأكيد أنَّ الآلات لا تفكّر فحسب، بل إنّها لا تحسب أيضاً أيّاً منه، لأنّ البرنامج الخاصّ بها يقودها ببساطة إلى أداء وظائف تشبه الحساب، ولكنّها تختلف عنه بشكلٍ أساسي، بمعنى أنَّ مُستخدِم الجهاز هو الذي يقوم بإجراء العمليّات الحسابيّة، ويُعطي المَبنى، ويُفسِّر النتيجة. على سبيل المثال، يختلف الطفل الذي يقوم بحساب المال المُتوافِر معه لشراء الحلويات اختلافاً أساسيّاً عن أجهزة الكمبيوتر الأكثر قوّةً في الصين، لأنَّ تفسير النتيجة هو ما يعطي معنى لحسابه، وهو لن يجري أيّ حساب ما لم يجد حافزاً. إذاً، يعطي الطفل معنى للنتيجة، لأنّها ستتيح له شراء الحلوى التي يشتهيها. من هنا، يُمكن القول إنّ الآلات يُمكنها إجراء عدد كبير جدّاً من العمليّات في وقتٍ قصير، لكنّها لا تحسب بالمعنى الدقيق للكلمة، لأنّ معنى العمليّات والنتيجة خارج عن نطاقها! والخوارزميّات حتّى الآن ليست إلّا حساب!

نقلا عن: مؤسسة الفكر العربي

الوسوم

غسان مراد

أستاذ الألسنيّة المعلوماتيّة والإعلام الرقمي- الجامعة اللّبنانيّة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق