فن

شادي عبد السلام: سؤال الحضارة المؤرق

هل هي الصدفة البحتة التي جعلت رحيل المبدع المصري شادي عبد السلام يتوافق مع ذكرى حرب أكتوبر؟

تلك الحرب التي عايشها شادي بكل وجدانه واختصها بفيلمه القيم «جيوش الشمس» رابطاً انتصارات الجيش المصري الحديث بانتصارات أول جيش نظامي عرفه التاريخ في مصر القديمة؟

في رأيي الشخصي، لا تصلح الصدفة كتفسير لمسيرة شادي عبد السلام، الفنان المتعدد المواهب: الكاتب والمخرج ومصمم الديكور والملابس الذي سطع في سماء الفن كنجم لامع ثم رحل فجأة في صمت في مثل هذه الأيام  وبالتحديد فى الثامن من أكتوبرعام 1986.

المفتون بمصر القديمة

تبدو مسيرة شادي لمن يتأملها أشبه بواحدة من تلك الأساطير المصرية القديمة التي أحبها وسعى لتقديمها على الشاشة الفضية، والتي يلعب فيها القدر، لا الصدفة، الدور الرئيسي.

كما يبدو الشغل الشاغل لشادي في هذه المسيرة هو الاجابة عن سؤال أرّقه كثيرا فى الغالب: كيف وصلنا نحن معشر المصريين إلى ما نحن عليه اليوم؟ كيف تحولت أول دولة وأول إمبراطورية عرفها التاريخ إلى وضعها الحالي؟

إنه سؤال الحضارة الذي شغل كثيراً من المؤرخين إلا أن عبد السلام استخدم ما أوتي من مواهب لمحاولة الاجابة عنه من خلال أعماله السينمائية.

في فيلمه القصير «شكاوى الفلاح الفصيح» والمقتبس عن بردية مصرية قديمة تحمل نفس الإسم، ينفي شادي، المؤمن دائماً وأبداً بالشعب، ينفي عن الإنسان المصري البسيط تهمة طالما وجهها له نفر من المؤرخين وعلماء الاجتماع وهي أنه «خانع بطبعه» ومستسلم لذوي السلطان.

ينتصف شادي  لهذا الفلاح المصري من خلال نص البردية الذي التزم به في السيناريو بشكل يكاد يكون حرفياً، فيبرز لا فصاحة الفلاح «خون أنوب» في مخاطبة الحاكم فحسب وإنما إصراره على استرداد حقه الذي سلب منه حتى وإن كان من اغتصبه في مكانة رفيعة.

وفي فيلمه «كرسي توت عنخ آمون» الذي مزج فيه بين التسجيلي والروائي يتناول عبد السلام علاقة الماضي بالحاضر من خلال مهندس مسؤول عن ترميم كرسي ملك مصر الصغير «توت عنخ آمون» في المتحف المصري بالقاهرة.

يصطحب المهندس المرمّم معه إلى عمله إبن أخيه الطفل الذي يشبه ملك مصر الصغير شكلاً ومن خلال سطور الحوار الذي صاغه عبد السلام ببراعة نرى فكرة الامتداد الحضاري بين الجد (الملك) والحفيد (الطفل).

المومياء

أما أبرز أعمال شادي وهو فيلمه «المومياء» الذي أبدعه في أواخر الستينات، فأودعه خلاصة قراءاته عن تاريخ مصر القديم وتساؤلاته عن حاضرها ومستقبلها.

يقتبس «المومياء» الكثير من تراث المصريين القدماء عن يوم البعث والحساب في العالم الآخر، تلك الفكرة الجوهرية التي كان المصري سباقاً في الإيمان بها وسيطرت على ما أبدعه من أعمال مكتوبة ومرسومة وغير ذلك.

يبدأ الفيلم الذي كتب له شادي السيناريو  وصاغ حواره الأديب الراحل علاء الديب بلغة عربية فصيحة راقية ومعبرة بتلاوة نص من كتاب «الخروج في النهار» الشهير باسم «كتاب الموتى» المصري القديم.

يتساءل الأفندية، كما يسميهم الحوار، أو علماء الآثار عن معنى ضياع الاسم في النص الذي قرأوه الذي كان يساوي عند المصري القديم ضياع الهوية وأن تظل روحه هائمة في العالم الآخر لا تستقر أبداً.

تبدو فكرة ضياع الهوية مفتاحاً لفهم ما يتلو ذلك من أحداث حين يبصر المشاهد قبيلة الحربات التي تسكن قلب الجبل الممتليء بآثار الأجداد والتي أبرزتها كاميرا شادي كأشباح متشحة بالسواد.

سرعان ما يكشف السيناريو عن كيفية عيش هذه القبيلة التي تقتات من نهب قبور الأجداد وسرقة المومياوات، تلك الكيفية التي تشكل صدمة بالغة لونيس (الراحل أحمد مرعي) أكثر أبناء القبيلة نقاء، وتدفعه لوصف أبناء قبيلته بأنهم «صحبة الذئاب».

اقرأ أيضا:

يبرز الفيلم تأثير هذا النهب على نفوس البشر، فالأعمام لا يتورعون عن قتل إبن أخيهم حين يعارض طريقتهم في العيش وشباب القبيلة يسعون للاستئثار بذهب المومياوات دون الشيوخ، ومع الوقت يتحول «ذئاب البشر» من نهش لحم الموتى إلى نهش لحم بعضهم الحي.

ولا يستفيد من كل هذا الصراع سوى لصوص القبور متمثلين في تجار الآثار المهربة: أيوب (شفيق نور الدين) وتلميذه الأكثر دهاءً مراد (محمود نبيه).

بعد حيرة طويلة، يصل ونيس إلى قرار حازم: إنه يأبى أن يحيا حياة الضباع وأن يعيش كما عاش أبوه وأعمامه، فيتوجه إلى الأفندية ويصلون بمساعدته إلى اكتشاف مذهل: مخبأ لملوك من خمس أسرات متتالية ومختلفة من الأسرة السابعة عشرة إلى الحادية والعشرين.

وفي مشهد أيقوني، يُخرج الأفندية المومياوات من مخبئها واحدة تلو الأخرى وصوت أحد الأفندية يزعق باسم كل ملك من الملوك واضحاً جلياً، ليكون البعث الذي تحدثت عنه البردية في أول الفيلم ويعود لكل ملك إسمه أو قل هويته المفقودة.

وفي تتابع بديع، يخرج الملوك محمولين على أكتاف أحفادهم إلى شاطيء النيل وتبدو صفحة مياهه وكأنها تشارك في وداعهم إلى مثواهم الأخير.

وينهي عبد السلام الفيلم كما بدأه بعبارة أخرى من كتاب «الخروج في النهار»: »قم.. فلن تفنى.. لقد نوديت باسمك… لقد بعثت».

كانت فكرة بعث الوطن – إذا صح التعبير- واستعادة أبنائه لمكانتهم وموقعهم على خارطة العالم شُغل شادي الشاغل الذي شكل جوهر رسالته الفنية في أعماله.

ومن المحزن حقاً أن هذا المبدع الذي صاغ، إلى جانب الأعمال التي كتبها وأخرجها، ديكور وملابس عدد من أيقونات السينما العربية كأفلام «الناصر صلاح الدين» و«وا إسلاماه» و«ألمظ وعبده الحامولي» إضافة إلى ديكور الأوبريت الغنائي الشهير «وطني حبيبي»، وعمل كمساعد مخرج مع الإيطالى الشهير روسللينى فى فيلمه الحضارة ومصمم للديكور فى الفيلم الأمريكى كليوباترا من المحزن أن هذا المبدع الكبير رحل عن عالمنا دون أن يحقق حلمه الأخير وهو تقديم فيلم سينمائي عن ملك مصر إخناتون صاحب رسالة التوحيد.

الفيديو جرافيكس

نص وتحريك ومونتاج: Abdalah Mohamed
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق