منوعات

مدرسة الإسكندرية في التصوف الإسلامي(1): أبو الحسن الشاذلي.. الشيخ المؤسس

مع استثناءات قليلة، فإن جذور الغالبية العظمى من الطرق الصوفية المعاصرة في مصر تعود إلى تلك المدرسة العريقة في التصوف الإسلامي التي أسسها بالإسكندرية شيخها وعارفها الأكبر الملقب بالقطب الخامس أبو الحسن الشاذلي (591- 656هـ) في القرن السابع الهجري. وليس في الأمر مدعاة للاستغراب، وهو الذي خاطبه النبي صلى الله عليه وسلم مناما حين ضاقت به أرض تونس (يا علي انتقل إلى ديار مصر تُربّي فيها أربعين صِدِّيقا).. وعلى الرغم من تلك الثروة الهائلة من المعارف والحكم التي خلّفها الشيخ على لسان مريديه وتلاميذه، إلا أن الرجل لم يُخلفْ كتابا واحدا في إصرار تكشفه عبارته الشهيرة (كتبي أصحابي).

فى حضرة القطب الأكبر

بقرية من بلاد المغرب تسمى (غمارة) بالقرب من سبته عام 591 هجريا ولد علي بن عبدالله بن عبدالجبار المنتهي نسبه إلى الإمام الحسين بن علي، تعلم أبو الحسن العلوم الظاهرة من فقه ولغة وعلوم القرآن حتى أنه ليناظر فيها  العلماء –على حد تعبير ابن عطاء الله، لكن نفسه المشرئبة للمعرفة وروحه التواقة للاستزادة لم تقف به عند علوم الظاهر، وإنما راح يتطلع إلى الحقيقة المطلقة وراء جنبات ذلك الكون الشاسع، في هذا السياق سافر أبوالحسن للمرة الأولى إلى حاضرة الأولياء ومعقل الزهاد (بغداد) لينهل من معين الشيخ أبو الفتح الواسطي تلميذ الرفاعي النجيب والذي سينتقل لللإسكندرية أيضا في فترة لاحقة، وعلى الرغم مماتحصل له على يديه من ترق إلى أنه لم يكن ليرضى بأقل من الأخذ عن القطب الأكبر (أعلى مراتب الولاية) وقد ظل يبحث عنه، حتى قال له أحد الأولياء:

( انك تبحث عن القطب بالعراق مع أن القطب ببلادك، ارجع إلى بلادك تجده) عاد أبو الحسن إلى بلاد المغرب يسرع الخطى، ويتلهف الوصول حتى عاد إلى غمارة ليلتقي للمرة الأولى بشيخه مٌربي الأولياء (عبدالسلام بن مشيش)، قال أبو الحسن  «قدمت عليه وهو ساكن بمغارة في رأس جبل، اغتسلت في عين بأسفل ذلك الجبل، وخرجت عن علمي وعملي، وطلعت إليه فقيرا، فقال لي:

مرحبا بعلي بن عبدالجبار، وذكر نسبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لي.. يا علي طلعت إلينا فقيرا من علمك وعملك، فأخذت منا غنى الدنيا والآخرة، فأخذني منه الدهش، وأقمت عنده أياما إلى أن فتح الله علي بصيرتي)، كان ابن مشيش سلطان أولياء وعارفي بلاد المغرب، وقد عرفه ابن عياد في المفاخر العلية بقوله (كان مقام ابن مشيش في المغرب كمقام الشافعي بمصر)

عاش أبو الحسن في معية شيخه عبدالسلام بن مشيش يتلقى عنه علوم الحقيقة، ويتدرج في مراتب السالكين، قال أبو الحسن

(أوصاني استاذي رحمه الله فقال حدد بصر الإيمان تجد الله في كل شىء. وعند كل شىء. وفوق كل شىء. وقريبا من كل شىء. ومحيطا بكل شىء. بقرب هو وصفه. وبإحاطة هي نعته. وعد عن الظرفية والحدود. وعن الأماكن والجهات. وعن الصحبة والقرب والمسافات. وعن الدور بالمخلوقات. وامحق الكل بوصفه الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، كان الله ولا شىء معه»)

معالم الطريق والطريقة

أغرق ابن مشيش مٌريده في بحر التوحيد فلم يعد يرى ولا يسمع ولا يرى إلا بالله، وحين أراد تلميذه أن يسأله عن اسم الله الأعظم الذي إذا دٌعي به أجاب، رد (ليس الشأن أن تسأل عن اسم الله الأعظم، إنما الشأن أن تكون أنت هو اسم الله الأعظم)، بمعنى إيداع أسرار ذلك الاسم في قلب العبد، ثم مالبس الشيخ أن رسم لتلميذه خارطة طريق حياته القادمه فقال يا علي ارتحل إلى إفريقية، واسكن بها بلدا تسمى شاذلة، فإن الله عز وجل يسميك الشاذلي، ثم انتقل إلى تونس إلى أن يضيق عليك من قبل سلطانها، فارحل إلى أرض المشرق فبها ترث القطابة.

رحل أبو الحسن مودعا أستاذه الذي خط له معالم الطريق، ثم أوصاه (يا علي…. الله الله، والناس الناس، نزه نفسك عن ذكرهم وقلبك عن التمايل من قٍبلهم) وما أن صل شاذلة حتى رأى الأرض تعج بالمنتظرين ممن سمعوا بقدومه وهو الذي لم يعلن عن وجهته ورحلته، كانت الغواية ترتسم في طريقه، والشهرة والخيلاء اللتان كثيرا ما أضلتا سابقيه تنتظرانه. لكنه لم يكن لينسى وصية شيخه وأستاذه وسرعان ما قرر البقاء بعيدا عن المدينة وزخمها وأهلها بالمكوث عند حوافها بجبل زغوان، وهناك سيجد الوقت ليجاهد نفسه ويؤدبها، حيث يقتات ورفيقه الوحيد أبو محمد الحبيبي – الذي كثيرا ما أشفق عليه- من أعشاب الجبل وخشاش الأرض، وقد ظل أبو الحسن على تلك الحالة لبضع سنين حتى أُمر بالنزول بعد أن سكنت النفس واطمأن القلب بالله، كان الرجل كأنما يٌعد لغرض ما فبقدر انقباضه وتفرغه لعبادة الله، ما أن هبط إلى دنيا الناس حتى انبسط أثره في الآفاق وجابت سيرته الأقطار.

خٌوطب الشاذلي بالنزول حسب ما يحكي (حديث ألقي في فؤاده) – (قيل لي.. يا علي اهبط إلى الناس ينتفعوا بك\ قلت..ياربي أقلني من الناس فلا طاقة لي بمخالطتهم/ قيل لي.. إنزل فقد أصحبناك السلامة، ودفعنا عنك الملامة/ قلت..تكلني إلى الناس آكل من دٌريهماتهم/ قال.. أنفق يا علي، وأنا الملي، إن شئت من الجيب، وإن شئت من الغيب).

نزل أبو الحسن الذي اكتسب في تلك الفترة لقبه (الشاذلي) والذي لم يكن نسبة إلى المدينة التي حل على حوافها، وإنما بمعنى المتفرد لخدمة الله تعالى ومحبته، متجها صوب تونس إلا وقد أعد نفسه لمجابهة الدنيا وغوايتها، ومستغنيا بالله عن كل ما سواه، ولم يكن ليمنعه عن رحلته ما أخبره به شيخه من انه بـ (تونس سوف يؤتى عليك من قبل سلطانها)، وهو ما يعني أن تجربة من الاضطهاد السلطوي تنتظره لا محالة.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يزور فيها أبو الحسن الشاذلي تونس، لكن الفارق أنه كان في تلك المرة مٌكلفا بالدعوة إلى الله، وما أن حل بها حتى اجتمع من حوله خلق كثير يستزيدون من علمه ويتبركون ببركته، كان ابو العزائم ماضي واحد من هؤلاء حل تلميذا للشيخ وخادما له، وقد طبق اسمه الآفاق حتى اجتمع عليه خلق كثير في أرض تونس.

سرعان ما أثارت تلك الشعبية الواسعة، والمحبة العارمة لأبى الحسن الشاذلي في بلاد تونس قلق قاضي قضاتها وفقيهها ابن البراء، الذي سعى للايقاع بين العابد الزاهد وحاكم المدينة بما أثاره من مخاوف لدى الحاكم من أن شعبية الشيخ تمثل خطرا على ملكه، وأنه يؤلب عليه العامة ويدعو للفاطميين، ومعروف أن المحنة جزء أصيل من التجربة الصوفية، والاضطهاد من قِبَل الفقهاء والإيقاع بين الزُهَّاد وأصحاب السلطان حدث رئيس واكب أغلب التجارب لكبار مشايخ القوم عبر التاريخ، وحسب الروايات التاريخية، فكثيرا ما كتب لعباد الله النجاة مما رسم لهم من مكائد بلطف الله وجميل قدره.

وبحسب – ابن الصباغ- فعلى الرغم من إفحام الشاذلي لابن البراء ومن ناصره من الفقهاء في مناظرة علنية شهدها بلاط الحاكم، إلا أن خوف الحاكم من سطوته دفعه لاحتجازه، وقد تكالبت على الحاكم المصائب فماتت أجمل وأحب جواريه إليه، ثم احترق قصره فعلم أن هذا عقاب لما فعله بالشيخ فأخلى سبيله.

نجا العابد الشاب من المكيدة، ولم يلبث أن قرر الخروج في رحلة إلى المشرق العربي لأداء فريضة الحج، فلما وصل النبأ إلى الحاكم خشي أن يكون خروجه غضبا وقطيعة مما يجلب عليه الأهوال، فوعده الشاذلي بالعودة، شد الشاذلي رحاله إلى مصر، لكن ابن البراء لم يكن قد عرف بعد كيف يتخلص من حقده على الشاذلي وسنرى كيف أسرع في كتابة رسالة إلى سلطان مصر يحذره من مخاطر هذا الذي ألب عليهم الناس في بلاد تونس..

( يتبع)

الوسوم

بلال مؤمن

كاتب و محرر مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق