منوعات

«العقلاء الأوائل» (6): الجاحظ.. إمام البيان العربي

إذا بحثنا بدأب عن شخصية معتزلية، أو غير معتزلية، أو على سبيل العموم، استطاعت الإبداع والجمع بين مجالات الأدب والكلام وعلم نفس الحيوان واللغة والنحو والحكمة والأخلاق والتاريخ والبلدان، فلن نجد سوى أبي عثمان عمرو بن بحر، الشهير والمعروف باسم الجاحظ. ذلك أنه يٌعد أحد أعظم الكُتاب والمفكرين والعلماء في تاريخ الفكر العربي و الإسلامي، فقد كان مفكرا موسوعيا متفردا، فلم يترك شيئا إلا وكتب عنه، حتى الجماد كان له نصيب من فِكره وكتابته، كما يُعدّ بلا منازع أيضا أكثر متكلم معتزلي يصلنا من كتبه ومصنفاته العدد الأضخم والأوفر.

 يقول عنه العلامة الراحل، الأستاذ عبد السلام هارون، أشهر محققي كتبه إنه «إمام فذّ من أئمة البيان في العربية، وليس من الإسراف والمغالاة أن نعدّه زعيم البيان العربي… وفي دقته وصحته، وحلاوته وجماله وفنّه.. كان الجاحظ زعيما للبيان العربي، وهو كذلك أحد زعماء المكتبة العربيّة التي كانت في الصدر المقدّم من مكتبات الدنيا، فيما أسدت للإنسانية والفكر العربي واللسان العربي من خير، وما بسطته على ظلام المدنيات المتهافتة من نور». ولم يجد الأستاذ هارون حرجا من وصفه بأنه كان «أعجوبة الدنيـا!» (كتاب الحيوان للجاحظ – الجزء الأول).

 كما وصفه مؤرخ الأدب الشهير، جورجي زيدان، بأنه «إمام الأدباء في العصر العبّاسي الثاني، وله أساليب ومذاهب وآراء في الأدب واللغة خاصة، واشتهر بطريقة في الإنشاء تنسب اليه، وقلّده فيها الناس وعرفت باسمه». (تاريخ أداب اللغة العربية، 2/ 171).

اقرأ أيضا:

نشأة «كوزموبوليتانية»

لعل مولد الجاحظ (159هـ/ 775م) في مدينة البصرة ذات الطبيعة الكوزموبوليتانية – بالمعنى الحديث للكلمة – ونشأته فيها قبل انتقاله إلى بغداد، بناء على دعوة من الخليفة المأمون (ت 218هـ)، كان له دورٌ مؤثر في تكوينه الكلامي والعلمي والأدبي والثقافي بوجه عام. فقد كانت البصرة موئلًا للثقافات المختلفة، ومحلًّا مثاليا للأفكار والتوجهات المتعددة، ومثالا للتعددية الدينية والمذهبية، وذلك كله بلا شك يمنح العقل فُرَصًا، للتوسُّع في الفهم والانطلاق نحو مجالات متباينة من التفكير والبحث والاستقراء والنقد. وقد أفاد الجاحظ من هذا كله، فبرع في كل المجالات التي درسها حتى جمع في جعبته علوما وفنونا شتى، محورها الفهم والعقل، فهو لم يُخرِج فكرة أو رأيا إلا بعد تفكير عقلي وبحث طويل؛ لذلك قال ابن العميد: «إن كتب الجاحظ تعلم العقل أولا، والأدب ثانيا»، وأقول مضيفا: إن كتبه تعلّم المنهج العلمي التجريبي النقدي؛ فالجاحظ أشهر العلماء المسلمين الذين استخدموا التجارب القائمة على الملاحظة والاستنتاج، في أثناء تصنيف مؤلفاته، خصوصا كتابه الأشهر (الحيوان)، كما أنه كان «أول عالم من علماء الحيوان التجريبيين؛ فقد كان يتذوق طعم الحيوان حتى السام منه، كالعقرب، ويُجري التجارب ليتعرف على سلوك الحيوان، وغرائزه وخصائصه..» (محفوظ عزام، في الفلسفة الطبيعية عند الجاحظ، ص 17و18).

  وكما هي العادة، فلم يعدم الجاحظ منتقديه، خصوصا من أهل الحديث والتقليد؛ فقد  هاجمه معاصره ابن قتيبة الدينوري (ت 276 هـ) ورماه بالباطل، كما سخّف آراءه ومؤلفاته ولا سيما المؤلفات العلمية الطريفة ككتاب الحيوان (تأويل مختلف الحديث، ص 59: 60)، ومثله الإسفراييني الذي ذهب إلى أن العاقل لا ينبغي أن ينفق وقته في قراءة مثل هذا السخف الذي صنفه الجاحظ في كتابه (الحيوان)! (التبصير في الدين، ص 50)، وهذا دليل على أن أولئك النصيين التقليديين لا يلتفتون إلى أهمية العلم وتجاربه واستكشاف صنوف وخصائص الكائنات المختلفة، وهو ما فعله الجاحظ سابقا به عصره، وإن أفاد من الفيلسوف اليوناني العظيم أرسطو طاليس، بيْد أنه كان لا ينقل عنه نقلا آليا جامدا، بل كان يتعقّب بعض آرائه ويصحّحها، ومع ذلك كان أمينا في عزو وتنصيص ما ينقله عنه، وهو أمر لم يأبه به كثيرون في ذلك الزمان.

من يقرأ مؤلفات الجاحظ المتعددة يكتشف تمتعه بالنزعة النقدية الواضحة، وهي تلك النزعة التي تصدر عن عقل فعّال متطور، امتاز بها الجاحظ كما غيره من متكلمي المعتزلة، خصوصا أستاذه إبراهيم النظّام. يقول الجاحظ: «ولعمري إن العيون لتخطئ، وإن الحواس لتكذب، وما الحكم القاطع إلا للذهن، وما الاستبانة الصحيحة إلا للعقل؛ إذ كان زماما على الأعضاء، ومعيارا للحواس» (رسالة التربيع والتدوير، ص 19). وقد كان لنزعته النقدية دور كبير في مساره العلمي القائم على المنطق والبرهان، فانتقد المحدثين والمفسرين والفقهاء والأخباريين والأطباء وعلماء الحيوان، وغيرهم، كما انتقد كثيرا من آراء أرسطو، أو صاحب المنطق كما سمّاه، في علم الحيوان، وإن اعترف بأن مترجمي كتبه لم يكونوا على مستوى جيد موازٍ لفكره.

الشك طريقا لليقين

  وكان للجاحظ السبق في استخدام الشك المفضي إلى اليقين، وهو الشك المنهجي القائم على الحذر من تقبل أي رأي أو فكر والتسليم بصدقه دون عرضه على العقل والمنطق والعلم، للوصول إلى اليقين والإقناع. أما الشك لمجرد الشك فهذا مما رفضه الجاحظ منتقدا إياه، محذرا من اعتياد القلب على الشك وتأثير ذلك سلبا على النفس، وينقل عن أستاذه النظّام كلامه في الشك مثل قوله: الشاك أقرب إليك من الجاحد، وقوله: الشكّاك أبصر بجواهر الكلام من أصحاب الجحود، بحيث يمكننا أن نقول إن الجاحظ اعتمد نسقا فكريا ومعرفيا يقوم على التوفيق بين منطق العقل وأصول الشرع، وقد كان الاحتكام إلى العقل أساسا ومنهجا أوليا يحكم فكره وآراءه، فهو يجلّ العقل حتى إنه اشترط في الإمام (الحاكم أو الرئيس) أن يكون العقل أقوى طبائعه وملكاته، لكنه مع ذلك لم يرفض الرواية، بل إنه يقدّر حاجة الإنسانية إلى رواية الآثار وإلى سماع الأخبار، ويعترف بأنه يؤمن بأشياء كثيرة خارجة عن نسق المادة؛ كخلق آدم وحواء، وعيسى، وكلامه في المهد، وأن عقيما ألقح، وعاقرا ولدت، ولم يتغافل – مع تقديره للرواية – عن مواضع الضعف في الروايات بسبب سوء الحفظ والنسيان، أو العصبية، أو الغرام بالطرائف والأساطير، أو غير ذلك من أسباب تجعل المرويات ضعيفة، خصوصا إذا خالفت العقل والمنطق، اللذين يعدّان الأساس الذي قامت عليه نظرية المعرفة لعلم الكلام المعتزلي.

اقرأ أيضا:

تطورية عكسية

التفت الجاحظ، قبل كل من إخوان الصفا وابن مسكويه وابن خلدون، وغيرهم، إلى ظاهرة تتصل بقضية التطور، تتعلق بالشبه بين القرد والإنسان، في كل من الناحية التشريحية، والسلوكية، بل والنفسية، وهو ما يمثل إرهاصا متقدما لنظرية التطور، أو النشوء والارتقاء التي ظهرت بعده بنحو ألف عام، على يد العالم البريطاني تشارلز دارون، العام 1859م، لكن ثمة خلافا جوهريا بين ما ذهب اليه الجاحظ وما قال به دارون في هذا الشأن. فالجاحظ يقول بالتطور الهابط أو النازل (المسـخ)، بينما دارون يقول بالتطور إلى الأرقى، فالجاحظ يرى أن رداءة البيئة وفسادها وتلوث مائها، كل هذا استحال بسببه الإنسان إلى قرد (..)، وقد حدث ذلك التحول إما بالطفرة، أي مرة واحدة، وإما على مدار حقب زمنية طويلة. (الحيوان، 4/ 73).

 

تشارلز داروين

 وأيا كان الأمر، فإنني لا أميل إلى التزيد في أمر رؤية الجاحظ لتلك المسألة المثيرة للجدل حتى الآن، فهي لا تعدو كونها ملاحظة علمية مبكرة للرجل توصل إليها بعقله الجبار في ذاك الزمان، لكنها بالطبع تختلف عن نظرية التطور بمعناها العلمي الواسع الذي استقر على يد دارون، في كتابه الأكثر الشهير عن أصل الأنواع، والذي ترتبت عليه آثار علمية وعملية كبيرة، لا تزال تثير جدلا واسعا حتى الآن، ما بين مؤيد ومعارض.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق