منوعات

من الإنكسار إلى الإنتصار.. الأغنية الوطنية.. سلاح مصر المرابط

هي الأغنية وحدها القادرة على اللحاق باللحظة الوطنية، وهى الأسرع استجابة والأكثر تأثيرا وانتشارا بين كل الفنون.. هي الأغنية الحاضرة دوما فى أفراح المصريين وأتراحهم، ولا تحتاج الأغنية فى لحظات الاستنفار الوطنى سوى ساعات قليلة لإنجازها، بينما يتعذر ذلك مع الفنون الأخرى مثل السينما والدراما التلفزيونية والمسرح، وعبر التاريخ كانت الأغنية تمتلك حضورا طاغيا وكان صناعها هم الأقرب لالتقاط اللحظات الفارقة…

فى صدارة المشهد

تصدرت الأغنية الوطنية المشهد الوطنى والفنى خلال عقدى الخمسينيات والستينيات، ربما لأن الأحداث خلالهما كانت صاخبة ومثيرة للإبداع، فقد عاشت هذه الأغنية أزهى مراحلها عقب قيام ثورة يوليو وتفاعلت دوما مع الأحداث التى شهدتها مصر، وعبرت عن الأحلام التى طالما شغلت المصريين كما كانت فى المقدمة فى لحظات الإنكسار والتراجع وهى أيضا أول من تغنى بالنصر والإنجاز، وصنعت تلك الحقبة رصيدا هائلا من الأغنيات المتميزة الصادقة والتى نسترجعها حتى الآن فى مختلف اللحظات ومع كافة المناسبات.

ففى لحظة العبور التاريخية انطلقت طاقات صناع الأغنية لتُعبر عما بداخل الشعب العربى وتسابق العشرات من الفنانين فى تقديم أصدق ما لديهم أو حتى على أقل تقدير فى تسجيل موقف يحتفى بالانتصار.

لكن التأثير الذى نتحدث عنه يرجع الى ما قبل ذلك بست سنوات حينما انكسر الحلم وانحنت ظهور الشباب وغرقت العيون فى دموع النكسة، وحين بدا مشهد الزعيم جمال عبد الناصر الذى طالما منح صوته الأمل والقوة، هو نفسه اخطاب التنحى، جريحا معترفا بالهزيمة جريئا فى تحمل المسؤولية تغرق دموع ملايين المصرين منديله الأبيض الذى أخرجه فى أسى ليجفف بعضا من حزنه ويخبىء لمعة حزن فى عينه.

عبور للأمل

 فى تلك اللحظات العصيبة انتصبت  قامة صوت العندليب عبد الحليم حافظ يردد كلمات عبد الرحمن الابنودى ولحن بليغ حمدى «عدى النهار» 1967 لتختزل تلك الاغنيه كل مرارات اللحظة لكنها تعد أيضا بعودة هذا النهار وبموال النهار لأن الامة التى تمتلك تلك الارادة وهذا الحلم لا يجب ان تتنازل عنه لليل حالك السواد وكأن تلك الأغنية خرجت فى تلك اللحظة لتترجم مشهد التنحى باقتدار. هذا المشهد الذى دفع ملايين المصريين للخروج العفوى فى كل شوارع مصر يهتفون «هنحارب» «لا تتنحى»

«يا هل ترى الليل الحزين… أبو النجوم الدبلانين

أبو الغناوي المجروحين.. يقدر ينسّيها الصباح

ابو شمس بترش الحنين

.أبداً بلدنا ليل نهار…. بتحب موّال النهار

لما يعدّى فى الدروب… ويغنى قدام كل دار»

ولم تمض  سوى شهور قليلة حتى قدم العندليب واحدة من أهم أغنياتنا الوطنية التى تصنع من الهزيمة طاقة للنصر وهى «سكت الكلام والبندقية اتكلمت» فى بدايات عام 1968 والتى كتبها محسن الخياط ولحنها بليغ حمدى وتوزيع على اسماعيل وتمثل تلك الاغنية صرخة قوية فى وجه اى إرهاصات للاستسلام للهزيمة وبيان ثورى حاد للجميع أن الوقت الآن للسلاح ولا شىء غيره وقد رسخت تلك الاغنيه شعارا استمر لسنوات طويله وهو لا صوت يعلو فوق صوت المعركة

يا بيوت السويس.. مدااااد

 ولأن السويس كانت رمزا للصمود والمقاومة فقد استقبلت كافة المبدعين والفنانين الذين دعموا المقاومة وبعضهم شارك فيها بالفعل حيث فتحت أحضانها وبيوتها للأبنودى وأمل دنقل وسيد حجاب وايضا محمد حمام الذى شارك ف المقاومة الشعبية وقدم كلمات الابنودى والحان ابراهيم رجب «يابيوت السويس» فقد كان نزوح سكان المدينة عقب النكسة واستمرار المقاومة الشعبية وما شهدته من بطولات مدعاة للكتابة والتوثيق من كل مبدع مصرى آنذاك.

كما ان تجربة فرقة «أولاد الارض» وما قدمته من تراث سويسى متميز تبقى حتى الآن فى الذاكرة الشعبية للمصريين وقد لعبت دورا كبيرا فى شحذ همم المقاومة وحث أبطال المقاومة على الاستمرار فى القتال

وفى عام 1970 أطلق محمد نوح صرخته الشهيرة «شدى حيلك يا بلد» من كلمات إبراهيم رأفت وتتحول الاغنية سريعا الى شعار دائم ومستمر ويرددها الناس فى كل مكان وكل جبهات القتال

«مدد مد مدد مدد.. شدى حيلك يابلد ..مدد مداااااد

ان كان فى أرضك مات شهيد .. فيه ألف غيره بيتولد ..

مدد  مدد … مدد مداااااااد»

 و كالعادة فى كل مواقف الوطن الصعبة تنهض الأغنية الوطنية داعما ومؤازرا، ولعل المثال الأبلغ على ذلك، تلك الأغنية المعبرة، التى غنتها شادية عقب مجزرة مدرسة بحر البقر والتى راح ضحيتها اكثر من 30 تلميذا بغارة اسرائيلية بطائرات الفانتوم «امريكية الصنع» تحول هذا المشهد الى رسالة للعالم للتاكيد على وحشية المعتدى الصهيونى الذى يقذف مدارس الأطفال وينفعل الشاعر الكبير صلاح جاهين ويكتب رسالة الى ضمير العالم ويلحنها سيد مكاوى وتغنيها شادية

«الدرس انتهى لموا الكراريس

بالدم اللى على ورقهم سـال

فى قصـر الأمم المتــحدة

مسـابقة لرسـوم الأطـفال

ايه رأيك فى البقع الحمـرا

يا ضمير العالم يا عزيزى

دى لطفـلة مصرية وسمرا

كانت من أشـطر تلاميذى»

أغانى النصر

وبالرغم من الثراء الفنى الذى ميز الأغنية خلال سنوات حرب الاستزاف والذى ساهم بشكل كبير جدا فى حشد المصريين خلف جيشهم وتجاوز الهزيمة فقد جاء العبور العظيم من اجل تلك اللحظة.. لحظة الكرامة واستعادة الارض، جاء النصر ليجد الاغنية ايضا حاضرة بقوة لتتفاعل بسرعة فائقة مع وقائع الحرب والانتصار.

انطلقت الاغنية عقب ساعات قليلة من اذاعة البيان الاول للقوات المسلحة بعبور قناة السويس حين لحن بليغ حمدى كلمات الشاعر عبد الرحيم منصور فجر يوم 7 أكتوبر وتنطلق الفنانة وردة عبر اثير الاذاعة المصرية باغنية «وأنا… على الربابة باغنى» وتكون اول اغنية عن اكتوبر ويعلن المايسترو احمد فؤاد حسن عن تنازل كل العازفين عن اجورهم فى هذه الاغنية وتنطلق عبر اثير الاذاعة بعد ساعات قليلة من اعلان العبور.

و يقرر يوسف شاهين اهداء الإذاعة المصرية اغنية «رايات النصر» من كلمات نبيلة قنديل ولحن على اسماعيل و كان مقررا لها ان تُعرض ضمن أحداث فيلم «العصفور» وتم تسجيلها بصوت المجموعة وتعتبر الأغنية إحد ى أصدق الاغنيات التى اثرت فى الشعب المصرى وما زالت حتى الان إحدى ايقونات الغناء الوطنى، وتقول كلماتها:

 «رايحين رايحين

شايلين فى ايدنا سلاح

راجعين راجعين

رافعين رايات النصر

سالمين سالمين

حالفين بعهد الله

نادرين نادرين

واهبين حياتنا لمصر»

ويشارك عبد الحليم حافظ سريعا بأغنية «عاش اللى قال» والتى كتبها محمد حمزة ولحنها بليغ حمدى وطلب العندليب من حمزة عدم ذكر اسم الرئيس السادات فى الأغنية صريحا حتى لا يقال عنه انه يغنى لكل الرؤساء خاصة انه اكثر من تغنى للرئيس عبد الناصر.

ثم يقدم حليم رائعته «صباح الخير يا سينا» كلمات عبد الرحمن الابنودى وألحان كمال الطويل  وهى واحدة من أعذب الاغنيات الوطنية فى تلك المرحلة

«وصباح الخير يا سينا.. رسيتي فى مراسينا

تعالي فى حضننا الدافي ..ضمينا وخدينا يا سينا

..قالوا الحياة غالية. قلنا الشرف أغلى

بلادي يا بلادي يا عيون قمر الربيع

اندهي يا بلادي يجاوبك الجميع»

ويتعاون حليم مع الشاعر «محسن الخياط» والملحن محمد الموجى ليقدموا اغنية «لفى البلاد يا صبية»

وكانت سعاد حسنى حاضرة بكلمات الشاعر احمد فؤاد نجم ولحن كمال الطويل باغنية «دولا مين ودولا مين» والتى احتفت بالجنود من ابناء الشعب المصرى البسطاء بعيدا عن معظم السائد فى تلك اللحظة وهو الاحتفاء بقرار العبور وانتصر «نجم» لابناء الفلاحين الذين تغنى بهم ووصفهم بالورد البلدى وقد غنت السندريلا تلك الاغنية على جبهة القتال خلال زيارتها  للجبهة عقب النصر

«دولا مين ودولا مين  … دولا عساكر مصريين

دولا مين ودولا مين … دولا ولاد الفلاحين

دولا الورد الحر البلدي .. يصحى يفتح اصحى يا بلدي

دولا خلاصة مصر يا ولدي .. دولا عيون المصريين»

وتعتبر شريفة فاضل من أبرز من غنوا لأكتوبر خاصة وانها قدمت ابنها شهيدا  فى حرب الكرامة والتحرير وبعد 3 أشهر من الحرب طلبت من صديقتها الشاعرة «نبيلة قنديل» أن تكتب لها أغنية عن أم بطل شهيد ولحنها  على إسماعيل وتم ذلك كله خلال أيام قليلة وعندما حانت لحظة تسجيل الاغنية فى الاذاعة المصرية انهارت شريفه فاضل اكثر من مرة بالبكاء وتماسكت بصعوبة حتى تمكنت من انهاء تسجيل اغنية «ام البطل».

وقدمت شادية عددا من الاغنيات المهمة وكان اولها «عبرنا الهزيمة» من كلمات عبد الرحيم منصور والحان بليغ حمدى الا ان اغنيتها الشهيرة «يا حبيبتى يا مصر» والتى كانت قد قدمتها خلال حرب الاستنزاف ظلت حاضرة عقب النصر وكانت من كلمات محمد حمزة ولحن بليغ حمدى.

ولاول مرة منذ سنوات طويلة تغيب أم كلثوم عن المشاركة فى حدث وطنى كبير وقد منعها مرضها الشديد وتحذير الأطباء لها من اجهاد صوتها بالغناء وعلى الرغم من ذلك فانها طلبت من الشاعر صالح جودت أن يكتب لها كلمات تشارك بها فى فرحة المصريين بالنصر وان يتولى تلحينها رياض السنباطى وكانت الاغنية بعنوان «قيدوا الشموع» لكن رحلة المرض امتدت واستمر حتى رحيل كوكب الشرق فى 1975 دون ان تسجل الاغنية التى تقول كلماتها

 «قيدوا شموع العيد وغنوا لمصر

 وادعوا لها دايما بالعلا والنصر

 الله يزيدك منزلة يا مصر

 ياللى شبابك من جنود الله

 والحرب فى قلوبهم صيام وصلا

ودمهم عند الشهادة زكاة»

وتوالت الاغنيات التى تعبر عن النصر وتمجد بطولات الجنود البواسل، وسجل الفنانون المصريون أعلى حالات التفانى وانكار الذات وتسابق معظمهم فى تقديم اعمال تليق بذلك الحدث العظيم

 لكن موجة الأغنية الوطنية – للأسف- لم تستمر طويلا وخاصة مع التطورات السريعة والمتلاحقة التى شهدتها مصر خلال  النصف الثانى من عقد السبعينيات ورغبة القيادة فى التركيز على اعمال توجه الجماهير نحو قبول التسوية السياسية مع الكيان الصهيوني، لتتحول الاعمال الوطنية من اعمال تمجد البطولات والمقاومة الى غزل فى جغرافية مصر، حيث النيل الساحر والجو المعتدل.. ثم تتوالى الأحداث ومعها أزمات ومنعطفات جديدة تختفى معها تقريبا تلك الأغنية التي رافقتنا على جسر الأمل فى العبور من الهزيمة إلى النصر.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق