منوعات

سيناء.. أرض الرجال.. حكايتان من دفتر البطولة

«أما أرواحنا فهى زاهقة لله، ولو قلنا غير ذلك فباطن الأرض أولى بنا من ظاهرها.. سيناء مصرية وأهالي سيناء مصريون إلى النخاع.. ومن أراد التدويل فيها فليذهب إلى الزعيم جمال عبد الناصر»

هكذا أعلن الشيخ «سالم الهرش» شيخ مشايخ سيناء رد أهالي سيناء على دعوة إسرائيل لمشروع تدويل سيناء بمؤتمر الحسنة في 30 أكتوبر عام 1968.

لا يمكن أن يمر أكتوبر شهر النصر دون أن نتذكر الملاحم البطولية والتضحيات العظيمة التي قدمها أهالي سيناء من أجل الوطن، فمنذ هزيمة 1967 وحتى انتصارات أكتوبر 1973 مرورا بحرب الإستنزاف، كان لأهالي أرض الفيروز العديد من المواقف  الوطنية التي قدموا فيها مختلف أنواع الدعم لجنودنا على الجبهة، إلى جانب قيامهم بالعديد من عمليات المقاومة ضد الإحتلال الإسرائيلي.

وإذا كانت بعض وسائل الإعلام التى لا تدرك قيمة تلك البقعة العظيمة من أرض مصر و لا ترى الآن من سيناء سوى كونها مأوى للإرهابيين الدواعش فإن لسيناء وأهلها وجها آخر مشرفا يجب البحث عنه وإبرازه لأجيالنا الجديدة، فلأهالي سيناء العديد من القصص البطولية التي قد تصل إلى حد الأساطير الخيالية، تلك البطولات في حاجة إلى من يوثقها ومن ثم يقدمها للأجيال الشابة كنماذج مشرفة للتضحية والفداء.

سالم الهرش.. ومؤتمر الحسنة

بذل الإسرائيليون في أعقاب هزيمة 1967 جهداً حثيثاً مع زعماء قبائل سيناء لحثهم على الموافقة على تدويل سيناء، إضافة لتقديمهم وعدا للشيخ «سالم الهرش» زعيم قبيلة البياضة بوضع صورته على العملة الخاصة بسيناء حال تدويلها وجعله رئيساً لها، غير أن زعماء قبائل سيناء أجمعوا فيما بينهم على رفض هذا المشروع مع تفويض الشيخ «سالم الهرش» لإعلان موقفهم بالمؤتمر الدولي الذي دعا إليه موشي ديان.

الشيخ سالم الهِرش

كان الشيخ «سالم الهرش» قد تواصل مع أحد مسئولي المخابرات المصرية، الذي طلب منه بدوره مجاراة الإسرائيليين حتى يعقدوا مؤتمرهم الدولي هذا ومن ثم الإعلان أمام الحضور من ممثلي السفارات وأجهزة الإعلام العالمية عن موقفه وموقف زعماء قبائل سيناء الرافض لتدويل سيناء.

في ذات الوقت عمد مسئول المخابرات على تجهيز سيارة لنقل الشيخ «سالم» وعائلته إلى أرض الأردن في أعقاب المؤتمر مباشرة، خشية تعرضه وعائلته للإنتقام من قبل الإسرائيليين حيث استقبله أهالي الأردن استقبال الفاتحين.

كرم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر الشيخ سالم الهرش وأهداه نوط الإمتياز من الدرجة الأولى، وفي أعقاب إنتصارات أكتوبر عام 1973 عاد الشيخ سالم إلى أرضه ببئر العبد بسيناء وعاش فيها حتى وافته المنية في 28 أبريل من عام 1981 عن عمر يناهز الواحد والثمانين عاماً.

الشيخ سالم الهِرش مع الفريق يوسف صبري أبو طالب، وزير الدفاع المصري الأسبق

 السواركة.. مانديلا العرب 

روى محمود سليمان السواركة من قبيلة السواركة من بطن بني أسد في حوار له مع أحد أعضاء مجموعة محاربين 73 والتي تهتم بتوثيق بطولات حرب أكتوبر 1973، عن تجربته منذ أن التحق بقوات الحرس الوطني عام 1960 وصولا إلى سجنه لمدة 22 عاما بسجون الإحتلال الإسرائيلي.

محمود سليمان السواركة

يبدأ السواركة روايته بالحديث عن قيامه بالعديد من الأعمال الخاصة بتصوير المواقع العسكرية الإسرائيلية وجمع العديد من المعلومات التفصيلية عن مفاعل ديمونة بصحراء النقب وغيرها من المواقع العسكرية وكيف أنه كان على تواصل دائم مع رفعت الجمال الشهير برأفت الهجان.

في أعقاب نكسة 1967 فقد السواركة الإتصال بمجموعته الأصلية غير أنه بالتواصل مع أحد الجنود المصريين أدرك أن هناك أولوية لتأمين ومساعدة العسكريين المصريين على الإنسحاب وتعطيل قوات الإحتلال وتضليلهم ما أمكن ذلك مع العمل على نسف مخازن السلاح والذخيرة التي تركتها القوات المصرية إضافة لنصب الكمائن لقوات الإحتلال.

يروي السواركة العديد من المشاهد الخاصة بكيفية نصب الكمائن المختلفة للدوريات العسكرية الإسرائيلية، مع التركيز على بعض القيادات العسكرية الإسرائيلية خاصة ممن شاركوا في ذبح الأسرى المصريين، حيث كان يقوم بتعقبهم لفترات طويلة حتى تتسنى له الفرصة للقضاء عليه.

يضيف السواركة أن تلك العمليات الفدائية التي واظب على تنفيذها وبلغ عددها 22 عملية فدائية قد تسببت في الكثير من الذعر للإسرائيليين، وأن آخر تلك العمليات الفدائية التي قام بها كانت في شهر سبتمبر من عام 1977، حيث تمكن من تدمير حافلة إسرائيلية تحمل 52 ضابطا وجندياً، كان قد عمد إلى تتبعها والتخطيط لتدميرها لمدة طويلة، وفي التوقيت المناسب قام بالإختباء بأحد «البلوعات» المخصصة للصرف الصحي بعد أن كان قد أعد ثلاثة من الألغام بواسطة حبل يمسك بيديه أحد أطرافه وفي اللحظة المناسبة جذب الحبل ما أدى لحدوث الإنفجار الكبير.

غير أنه وأثناء هروبه فقد حذاءه ما اضطره للسير حافيا وهو ما ساعد الإسرائيليين في العثور عليه فيما بعد، فاعتقلوه ومعه زوجته عائشة وشقيقيه حماد وسلام، وبعد 54 يوما تم الإفراج عن الزوجة والشقيقين، وترحيل السواركة إلى سجن غزة ثم سجن أشكلون، مع الحكم عليه بالسجن مدة 144 عاما.

أعضاء منظمة سيناء العربية

روى السواركة الكثير من وقائع التعذيب التي تعرض لها خلال التحقيق تحت إشراف العديد من القيادات الإسرائيلية و من بينهم إيهود باراك كما روى كيف أنهم أحضروا له صور الرئيس الراحل أنور السادات مع موشي ديان ومناحم بيجن بالقدس مدعين أن السادات حضر إليهم كي يستعطفهم طلبا للصلح معه غير عابىء بالسواركة وأمثاله.

تقرر فيما بعد وضع السواركة بالحجز الإنفرادي لمدة 12 عاما، ومن ثم اختفى  تماما ولم يكن معروفاً ما إذا كان على قيد الحياة أم لا، حتى جاء السجين اللبناني «جمال محروم» فكان بمثابة المنقذ لحياة السواركة حيث مثل خروجه من السجن بعد خمس سنوات قضاها برفقة السواركة بداية مرحلة جديدة من حياة السواركة الذي لم يفقد الأمل لحظة من الخروج من السجن والعودة لأسرته ووطنه.

حرص جمال محروم عقب خروجه من السجن على مراسلة الجهات المصرية والكثير من منظمات حقوق الإنسان العالمية حيث عقد أكثر من مؤتمر صحفي تحدث فيه عن السجين المصري محمود السواركة.

غير أن جهود جمال محروم تلك وإن كانت قد طمأنت أسرة السواركة على أنه مازال حيا يرزق لم تغير من وضع السواركة شيئا، إلى أن تم القبض على الجاسوس عزام عزام وسجنه بالسجون المصرية، ومن ثم طالب إيهود باراك من السواركة مراسلة الرئيس السابق محمد حسني مبارك طلبا لإستبداله مع الجاسوس عزام عزام.

رفض محمود السواركة طلب إيهود باراك قائلاً: «أنا فدائي مصري ولا يمكن أن أقبل مبادلتي بجاسوس خائن» ومن ثم هدد بالإنتحار على الفور إذا ما تم الإفراج عنه مقابل الإفراج عن عزام عزام. 

وفى عام 1999 أفرجت السلطات الإسرائيلية عن السواركة لتستقبله ابنته التي رزق بها وهو بالسجن ولم يرها على الإطلاق طوال ال22 عاما التي قضاها سجينا، يخرج السواركة حاملا لقب «مانديلا العرب» تشبها بالزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا الذي قضى 27 عاما بسجون سلطات التمييز العنصري بجنوب إفريقيا.

تحية إجلال وتعظيم لسالم الهرش ومحمود السواركة ومعهما باقى أبطال سيناء الذين ساهموا بتضحياتهم وبطولاتهم في تحقيق نصر أكتوبر العظيم. تحية لكل أبناء سيناء الذين قدموا أرواحهم فداء للوطن حتى تحقق لنا النصر.. تحية إجلال وتعظيم لشهداء سيناء الذين رووا بدمائهم الذكية أرض سيناء.. أرض الفيروز وبلاد القمر التي قدر لها أن تكون حارسة للوطن.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق