ثقافة

فاروق شوشة.. حارس العربية الأمين

«إنّ الّذي ملأ اللّغات محاسنًا..جعل الجمال وسرّه في الضّاد» حينما أطالع العديد من المنصات على مواقع التواصل الاجتماعي، وخاصة موقع «فيسبوك» أفجع من هول ما أراه من مفردات وأخطاء لغوية ونحوية يقع فيها الكثيرون  –وعدد كبير منهم من أساتذة الجامعة-، وحين أقرأ تصريحا لأحد المسئولين أو بيانا لوزارة معينة أو مشروع قانون أجد فيه من الأخطاء اللغوية ما يكفي لإلغاء هذا القرار واعتباره (كأن لم يكن)، حينها نتذكر بكثير من المحبة والإجلال – أساتذة اللغة العربية وحراسها، وعلى رأسهم حارس لغتنا الأمين الشاعر والإذاعي الراحل «فاروق شوشة»، أحد أهم الشخصيات الأدبية والشعرية المعروفة في مصر والوطن العربي، والذى قدم الكثير من الإبداعات، خاصة في مجال الشعر، وكرس حياته للدفاع عن اللغة العربية وخدمتها، ورحل عن عالمنا في مثل هذه الأيام عام 2016.

عاشق العربية

حين ولد فاروق شوشة يوم 17 فبراير 1936 في الشعراء بمحافظة دمياط التي تطل على البحر المتوسط، لم يكن هناك انترنت ولا وسائل تواصل ولا مدارس دولية، وفقط كان كُتّاب القرية الذى يحفظ فيه الأطفال القرآن الكريم. في بيئة ريفية بسيطة نشأ شاعرنا، وقد تمنى والده، الذي كان يعمل معلما أن يلتحق ابنه بالأزهر، لكنه اختار طريقا آخر. حفظ فاروق شوشة القرآن الكريم في قريته قبل أن يتم دراسته الثانوية في دمياط، ليلتحق بعدها بكلية دار العلوم جامعة القاهرة والتي تخرج فيها عام1956.

ولأنه وقع فى حب اللغة العربية، فقد قرر فاروق شوشة منذ نعومة أظفاره أن يكرس حياته من أجلها، فعمل مدرسا للغة العربية لمدة عام، ثم التحق بالإذاعة المصرية عام 1958، وتدرج في وظائفها إلى أن تولى رئاسة الإذاعة عام 1994، كما شغل عدة مهام ومواقع، منها عضو مجمع اللغة العربية، ثم الأمين العام للمجمع و(عضو لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة، ورئيس لجنة النصوص في اتحاد الإذاعة والتلفزيون، كما كان شوشة يلقي محاضرات في الأدب العربي بالجامعة الأمريكية في القاهرة.

 مسيرة شعرية

«أنا مدين للغة القرآن بشيئين، أولهما أن كثيرًا من كلمات المعجم القرآني التي ترددت بعد ذلك في الإطار المدرسي أو الثقافي العام أصبحت مألوفة، وربما كانت مدخلًا لتذوقي الشعر الجاهلي، وأن جهازي الصوتي تدرب منذ وقت مبكر على أن أي كلمة لا تشكل عائقًا في النطق، أو الإعراب أو الضبط الصوتي والأدائي»، تلك الكلمات قالها «شوشة» الذي بدأ يتذوق الشعر وهو في سن العاشرة، وكانت له مسيرة شعرية امتدت على مدى نصف قرن، بدأت بحبه للغة واستماعه إلى شعراء الربابة والسير الشعبية على المقاهي، قبل أن يخطو أولى خطواته على درب الشعر. وقد اتسمت أشعاره بالدفء والرومانسية، وكلماتها بالبساطة والعذوبة مع الحفاظ على قوة المفردات وفصاحتها، إذ كان من أشد المدافعين عن اللغة العربية.

وعن تجربته في الربط بين الكلمات الشعرية والإنسان يقول «شوشة»: «أنا مدين لأول قصة عاطفية في حياتي، كانت استحضارا لهدف بشري جميل هو الصوت الآخر الذي يضيق عالم القرية عن أن يوفره لي، هذا الصوت دفعني للانشغال بفكرة أن تحققي شعريا من شأنه أن يوصل هذا الخفق المتوهج لمن أحببتها، لذلك طبعت في المرحلة الثانوية مسرحية على نفقة المدرسة وليس لأنها مسرحية ولكن لأُضمّن في الكتاب خمس قصائد مكتوبة إلى الحبيبة، وأهدي أباها العمدة نسخة من هذا الكتاب، هذه التجربة كانت البداية التي جعلتني أربط بين الكلمات الشعرية والإنسان، ولم يكن الشعر عندي مرادفا لتجارب متخيلة، أو بحثا عن نموذج بشري غير متحقق».

ترك شوشة العديد من الدواوين الشعرية، من بينها: «إلى مسافرة» عام 1966، و«العيون الزرقاء» عام1972، و«لؤلؤة في القلب» عام 1973، و« في انتظار ما لا يجيء» عام 1979، و«لغة من دم العاشقين» 1986، و«هئت لك» عام 1992، و«سيدة الماء» عام 1994، و«حبيبة والقمر» (شعر للأطفال) عام 1998، و«الجميلة تنزل إلى النهر» عام 2002.

ومن مؤلفاته أيضا: «لغتنا الجميلة» الذى جمع فيه عددا هائلا من حلقات برنامجه الإذاعي الشهير، و«أحلى عشرين قصيدة حب في الشعر العربي»، و«أحلى عشرين قصيدة في الحب الإلهي»، و«لغتنا الجميلة ومشكلاتها المعاصرة».

فى رحاب «الفصحى»

عُرف شوشة ببرامجه التليفزيونية والإذاعية التي كرسها للتعريف بجماليات اللغة العربية وبلاغتها، وكان أبرزها بالطبع برنامج  «لغتنا الجميلة» الذى بدأ فى تقديمه منذ عام 1967 واستمر فى تقديمه طوال مسيرته الحافلة، ومن ينسى هذا البرنامج ومقدمته الرائعة البليغة  لشاعر النيل حافظ إبراهيم التي كان يلقيها شوشة بصوته الإذاعي الرخيم: «أنا البحر فى أحشائه الدر كامن… فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتى»

وقد ساهم هذا البرنامج فى ذيوع ثقافة الاهتمام باللغة العربية وضرورة الحفاظ عليها لدى الكثيرين آنذاك، وقدم البرنامج إسهامات جليلة للغة الضاد، وقد جاء البرنامج عقب هزيمة 67 بإيعاز من الزعيم جمال عبد الناصر الذى شعر أن صدمة النكسة يمكن أن تؤثر فى قناعات المصريين وإيمانهم بقوميتهم العربية التى تمثل اللغة العربية أحد أهم أعمدتها.

 ولللتلفزيون قدم فاروق شوشة برنامجه «أمسية ثقافية» الذي بدأ تقديمه عام 1977 واستضاف خلاله عددا كبيرا من المثقفين والأدباء والمبدعين والمفكرين، من بينهم توفيق الحكيم، ويوسف إدريس، ونجيب محفوظ ، وقد شهدت إحدى حلقات البرنامج ظهورا نادرا لأمير شعراء الرفض أمل دنقل برفقة صديقه عبد الرحمن الأبنودى.

وكشاعر وإعلامى كبير كان شوشة مهموما جدا بقضية اللغة العربية وتراجعها على ألسنة الناطقين بها، وفى حوار صحفي أُجري معه في عام 2011 قال شوشة «إن كمية مهولة من الأخطاء تظهر على ألسنة العاملين بأجهزة الإعلام، وعلى ألسنة الضيوف في برامجهم، وأصبح من النادر أن نجد متحدثا يجيد لغته أو يستطيع السيطرة على لغته».

وأضاف أن اللغة العربية قادرة على استيعاب كل العلوم، وأنه لا بد من إرادة قومية للدولة للنهوض باللغة العربية، ورفض في ذات الحوار أن تكون هناك مؤامرة على هذه اللغة، وشرح موقفه قائلا «أعتقد أننا نحن الذين تخلفنا، ونحن الذين أهملنا لغتنا العربية ونزلنا بمستوى التعليم إلى الحضيض، وإذا كان هناك متآمرون فهم نحن».

 جوائز وتكريمات

حصل فاروق شوشة على العديد من الجوائز والتكريمات من دول ومهرجانات ومؤتمرات كثيرة في مصر وخارجها، وكان آخر ما حصل عليه جائزة «النيل في الآداب» في يونيو 2016، وهي أبرز جائزة سنوية تمنحها مصر فى مجال الثقافة والفنون، وقبلها حصل على جائزة الدولة في الشعر عام 1986، والتقديرية في الآداب عام 1997، وجائزة كفافيس العالمية عام 1991. وقد رحل شوشة عن عالمنا يوم 14 أكتوبر 2016 عن ثمانين عاما ودفن في قريته «الشعراء» بدمياط.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق