منوعات

«البقال الرومي» الذي صنع تاريخا من السخرية.. «صاروخان».. ملك الكاريكاتير السياسي

في زيارة إلى الأستاذ محمد التابعي بمقر مجلة «روز اليوسف» مطلع عام 1928، لاحظ الشاعر والصحفي كامل الشناوي بقالا روميا يجلس على مكتب بجوار رئيس التحرير واضعا يديه على زجاج مكتب خشبي، فاعتقد أن البقال جاء إلى التابعي ليأخذ منه حساب الشهر أو ليراجع معه الحساب كما جرت العادة في تلك الأيام.

رمق البقال الرومي الشناوي بنظرة ساخرة، ثم تراجع بكرسيه إلى الوراء، وأطبق شفتيه على ابتسامة أو كلمة، ولما انتهت مقابلة التابعي والشناوي، زحف البقال بكرسيه إلى المكتب، استعدادًا لمراجعة حساب الشهر.

يروي الشناوي في كتابه «زعماء وفنانون وأدباء» عن هذا البقال، فيقول: «دارت الأيام، واشتغلتُ في مجلة روز اليوسف، وكنتُ أرى هذا البقال داخلًا من غرفة وخارجًا من غرفة، وفي خطواته نشاط وضجيج، وكان دائمًا عاري الساعدين متجهم الوجه، رأسه أصلع ليس فيه شعر، وملامحه أيضًا صلعاء، ليس فيها نبض ولا تعبير، عيناه مفتوحتان، وفمه مغلق، وأذنه مرهفة، إذا ضحك قهقه ثم زمَّ شفتَيْه بسرعة، كأنما تذكَّرَ شيئًا يمنعه من أن يضحك!».

ويكمل الشناوي قصته مع هذا البقال الرومي -الذي صار مع الوقت- جزءا من حياته ليس فقط، بل من تاريخ الصحافة والسياسية في مصر فيقول: «التقيت بهذا البقال بعد ذلك في مجلة «آخر ساعة»، ثم في دار «أخبار اليوم»، وتعاملت معه أنا وسائر القراء، كنا نأخذ منه أجمل أصناف الضحك والسخرية والتهكم، نأخذ منه هذا الكاريكاتير النابض بالحركة، حتى يخيل إليك أن الصور تقفز وتثب وتطير في الهواء».

ألكسندر صاروخان

صاروخان والتابعي

هذا الرجل، الذي ظنه كامل الشناوي، عندما رآه لأول مرة، بقالا جاء ليأخذ مستحقاته من مجلة روز اليوسف، لم يكن إلا الفنان ورسام الكاريكاتير صاروخان الذي جاء إلى مصر من سنوات طويلة، ولم يتركها يومًا واحدًا، وقد أكتشفه الأستاذ الكبير محمد التابعي، مكتشف المواهب الصحفية، فدفع به إلى طريق الكاريكاتير، فمشى فيه بخطوات عملاق.. فقد «ظل طيلة هذه السنوات يقدم صور ساستنا وحكامنا، ويختار لهم الملامح والقسمات التي تعبر عن فكرة الكاريكاتير» يقول الشناوي، مضيفا: «إن ريشة صاروخان لم تضع ملامح ساستنا وحدهم، بل وضعت كثيرًا من ملامح السياسة المصرية نفسها زهاء ثلاثين عامًا».

التابعي جالسا وعلى يساره صاروخان وخلفه مصطفى وعلي أمين

حاول صاروخان طيلة هذه السنوات أن يظفر بالجنسبة المصرية، فكانت العقبات توضع في طريقه، ولم يجرؤ أحد على منحه الجنسية المصرية؛ فقد كان متهمًا بأنه عدو السراي، وعدو الإنجليز، وعدو الوفد، وعدو خصوم الوفد، ثم اتهم بأنه ضالع مع الشيوعيين!

ويسترسل الشناوي في الحديث عن صديقه رسام الكاريكاتير الأرمني، الذي تحتفي مكتبة الإسكندرية هذه الأيام بمرور 120 عاما على ميلاده، فيقول: «أخيرًا، وفي عهد الثورة استطاع صاروخان أو الكسندر صاروخان، الشاب الأرمني أن يظفر بالجنسية المصرية، بعدما أصبح شيخًا في الستين من عمره».

احتفاء مكتبة الإسكندرية بمرور 120 على ميلاد صاروخان

بيكار وأيام صاروخان الأخيرة

الفنان التشكيلي حسين بيكار نقل في كتابه «آفاق الفن التشكيلي» تفاصيل ما دار بينه وبين الفنان ألكسندر هاكوب صاروخان (1898-1977) قبل رحيل الأخير قائلا: كان يقول لى عندما داهمه مرض القلب وأصبح يعد خطواته التى تدنيه من حافة الفناء «صحيح أنني أرميني الأصل ولكنى مصري أكثر من المصريين.. ووطنى أكثر من المناضلين.. مناضل أكثر من كثير من المناضلين.. لقد شاركت فى حركات الاستقلال والتحرير والثورات جميعا.. لم اتخلف عن واحدة منها.. لم أهرب من الميدان.. لم ألق ريشتي وأرفع الراية البيضاء».

ويشكي صاروخان تجاهل الدولة المصرية له ولمجهوده وفنه في حديثه مع صديقه بيكار قائلا: «لقد أعطيت مصر بقدر ما أخذت، وأعظم ما أخذته من مصر هو جنسيتى المصرية التى لا يقل اعتزازى بها عن أصلى الأرمنى، ولكن ما يؤلمنى أن أرى شعوباً كثيرة وبلاداً كثيرة غير مصر تكرمنى وتحتفى بى وتشيد بفنى وبدورى الذى أؤديه بأمانة وإخلاص ما عدا مصر التى أفنيت فيها عمرى وفنى، مصر أغمضت عينيها عنى لا أدرى لماذا! هل كثير على أن أزين صدرى بوسام أتوج به كفاحى الطويل، أو أن أحصل على شهادة تقدير من مسئول تجعلنى أذهب وأنا راضى القلب مطمئن الضمير؟».

ويصف بيكار المشهد الأخير، «تسقط دمعة فوق الوجه الشاحب شحوب شمعة ذابلة، ويختفى صاروخان بعد أن يحملنى أكبر همومه، وصدى صوته المتحشرج ينهرنى من داخل الداخل».

وينهي بيكار حديثه عن صديقه الراحل قائلا: «رحل الرجل العظيم، أحد صناع صحافتنا، وإحدى دعائم فنوننا.. ذهب وفى نفسه حسرة، كانت المرارة تنضح من وجهه المبتسم دائماً، وهو يصارحنى بشئ كان يؤرقه، بل يستحقه ولا يستحقه».

رحلة حياة صاروخان

ولد ألكسندر صاروخان فى أول أكتوبر 1898 ببلدة أردانوش التابعة لمقاطعة باطوم، إحدى المناطق الإدارية فى إقليم ما وراء القوقاز التابع للإمبراطورية الروسية. وفى عام 1909، هاجرت أسرته إلى الآستانة، وفيها التحق الكسندر بمدرسة الآباء المختياريين الفييناويين الكاثوليك. وبعد ظروف الحرب العالمية الأولى وما نجم عنها بخصوص الأرمن، هاجر صاروخان إلى عمه آراكيل فى العاصمة البلجيكية بروكسل الذى أرسله لاستكمال دراسته الفنية الأكاديمية بفيينا عاصمة النمسا بين عامى 1922ـــ 1924.

أنهى صاروخان دراسته الأكاديمية في فيينا عام 1924، وفى نفس العام انتقل إلى مصر بناء على دعوة الطالب المصرى عبد القادر الشناوي الذي كان يدرس فى فيينا ليعاونه فى إصدار جريدة فكاهية ساخرة، وبافعل صدر عددين من الجريدة المصورة خلال النصف الأول من شهر سبتمبر1924 رسم فيهما صاروخان بعض الرسوم الفكاهية، ثم توقفت الجريدة عن الإصدار.

ويقول الباحث محمد رفعت الإمام في دراسة بمجلة «أحوال مصرية» نشرها عام 2005: منذ وصول صاروخان إلى مصر وجد نفسه فى بلد عريق صاحب حضارة كبرى، لكنه يعانى من وطأة الاضطرابات السياسية الحادة والمشاكل الاقتصادية الاجتماعية العاتية، كل هذا مصحوباً بالحكم الاستعمارى البريطانى، ومن ثم، راح يتعاطف ويتعايش مع الشعب المصرى، وأخذ يتمصر تدريجياً دون التخلى عن جذوره الأرمينية، مما جعله ذا انتماء مزدوج إنسانياً وفنياً، بيد أن عملية اندماجه فى الحياة المصرية قد استلزمت مرحلة نفسية  تحضيرية تحويلية تمهد له خوض قضايا الشعب المصرى.

الباحث محمد رفعت الإمام

اقرأ أيضا:

تعرف صاروخان على الكاتب الصحفى محمد التابعى رئيس تحرير «روز اليوسف»، وانضم  إلى أسرة المجلة عام 1927، وهناك خطا أولى خطواته على درب الانشغال بالقضايا المصرية والتألق فى سماء بلاط صاحبة الجلالة المصرية.

لم يكن صاروخان يعرف اللغة العربية ولا يعرف وجوه الزعماء والساسة المصريين، بحسب الإمام،  لذا، قدم التابعى له مجموعة من الصور الفوتوغرافية لأبرز الزعماء مثل: إسماعيل صدقى، محمد محمود، مصطفى النحاس، مكرم عبيد، عبد الفتاح يحيى، أحمد ماهر، النقراشى، وغيرهم. درس صاروخان وجوه بعضهم على الطبيعة. والتقى ببعض الزعماء العرب مثل نورى السعيد ورياض الصلح والحاج أمين الحسينى وعبد الوهاب عزام. وكان التابعى يقف أمامه يصور له الأوضاع التى يريد أن يظهر فيها الزعماء المراد رسمهم، وكان صاروخان ينقل شكل الوضع كما يمثله التابعى وتقليد الرسم المطلوب نشرة.

ويذكر الكاتب الصحفي مصطفى أمين أن صور صاروخان ما لبثت أن نجحت حتى أن «روزاليوسف» قد استغنت بعد بضعة أشهر عن عشرة رسامين دفعة واحدة واكتفت بصاروخان وحده.

رسم صاروخان أول صورة غلاف بـ«روز اليوسف» في عددها الصادر يوم 3 مارس 1928، وعبرت عن دعابة ذات مضمون اجتماعى. ولكن التابعى إقترح علية رسم الكاريكاتير السياسى. وبالفعل رسم أول كاريكاتير سياسى على الصفحة السابعة من العدد «123»، كما رسم أول غلاف أمامى سياسى فى العدد رقم «128» الصادر في 22 مايو1928، ومنذ ذلك الحين أصبح غلاف المجلة يحمل دائماً صورة كاريكاتيرية سياسية يرسمها صاروخان.

ويضيف الإمام أستاذ التاريخ والباحث الأهم في تاريخ الأرمن بمصر: فى «روز اليوسف» ارتبط معا الثالوث «فاطمة اليوسف صاحبة المجلة، والتابعى رئيس تحريرها، وصاروخان رسامها الكاريكاتيرى الأوحد»، لذا عندما أغلقت الحكومة المجلة فى سبتمبر 1928، ولمدة أربعة شهور عملوا سوياً فى المجلات البديلة التى أصدروها تحايلاً على قرار الإغلاق مثل «الرقيب»، و«صدى الحق»، و«الشرق الأدنى»، و«مصر الحرة»، وقد نشر صاروخان رسومه الكاريكاتيرية اللاذعة على صفحات المجلات الأربع مما حدا بالحكومة إلى مصادرة ما يزيد على 104 ألف نسخة منها.

اقرأ أيضا:

 

ويذكر الإمام أن صاروخان اعتقل عدة مرات بسبب رسوماته النقدية، ولكنه أنقذ من السجن فى كل مرة ، فكان يذكر فى التحقيق بناءً على نصيحة روزاليوسف والتابعى: أنا أرمنى، لا أعرف من العربية شيئاً، أنا أرسم فكرة غيرى.

استمر صاروخان يرسم على صفحات «روز اليوسف» فأخذ أسلوبه يتطور وينضج، وفى عام 1932، نفذ بجدارة أول شخصية نمطية كاريكاتيرية فى مصر، شخصية «المصرى أفندى» المعبرة عن العقل الجمعى المصرى على غرار شخصيات «ماريان» الفرنسية و«جون بول» الإنجليزية و«العم سام» الأمريكية. وظهرت أول صورة كاريكاتيرية لـ«المصرى أفندى» على غلاف العدد رقم «212» الصادر يوم الإثنين 7 مارس 1932.

خرجت على لسان «المصرى أفندى» الحكم والنكات والسخرية اللاذعة والانتقادات، وخلد المصريون تلك الشخصية في وجدانهم، رغم أن صاحبها أرمني، لكنه تمكن من الاقتراب من مشاكل المصريين وهمومهم وأزماتهم.

صاروخان بصحبة مصطفى وعلي أمين

القبض على التابعي وصاروخان

 وعندما وقع الخلاف بين فاطمة اليوسف والتابعى في عام 1934، خرج الأخير من «روز اليوسف» فاصطحب معه صاروخان لإصدار مجلة «آخر ساعة”»، وبسبب رسوماته اللاذعة في العدد الأول من المجلة الوليدة أمرت النيابة العامة بإلقاء القبض على التابعي وصاروخان بسبب كاريكاتير يقف فيه متهم أمام القاضى ويقول له: «حرامى؟ نعم صحيح!.. نصاب؟ نعم صحيح! لكن عضو فى حزب الشعب حرام لأنه موش صحيح؟»، وكان رئيس الوزراء يومئذ يحيى باشا رئيس حزب الشعب، وكان عنوان الصورة «التهمة الفظيعة»، وقالت النيابة لصاروخان: أنت تقصد إن الحرامى والنصاب أشرف من عضو حزب رئيس الوزراء!. واستمر التحقيق حتى منتصف الليل وأفرج النائب العام عنهما بكفالة!.

أسهمت صور ورسوم صاروخان فى انتشار «آخر ساعة»، بسبب تهكمها على الحكام وسخريتها منهم، فتارة تصورهم بهلوانات، وتارة تصورهم قطع شطرنج يلعب بها الملك والإنجليز. وكانت صوره تهاجم القصر والإنجليز والاستعمار.

نقل صاروخان معه إلى «آخر ساعة» شخصية «المصري أفندي» التي كان يرسمها في «روز اليوسف»، ثم أضاف إليها شخصية «مخضوض باشا الفزعنجي»، و«إشاعة هانم»، ولما انتقلت ملكية “آخر ساعة” من التابعي إلى الأخوين مصطفى وعلي أمين انتقل صاورخان إلى «أخبار اليوم» وظهرت أول رسوماته بها عام 1949، وظل بها حتى رحيله في يناير من عام 1977.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق