منوعات

الفلاحون في بر مصر(2): كيف قمع «عبيد المماليك» الفلاحين«القرارية» والعربان؟

الوقت ليل، لا يكسر حدته إلا ضوء القمر الساطع.. ينير العزب والنواحي والكفور في أنحاء بحري وقبلي وسائر أقاليم المحروسة، فيدفع الفلاحين للخروج من بيوتهم وحواريهم إلى السواقي ورؤوس الحقول في تلك الليالى المقمرة.

يتجمع نفر من الفلاحين إلى جوار الساقية، ناحية إحدى قرى الشرقية. قبل أن ينشد أحدهم سيرة «الظاهر بيبرس». يتحدث الجمع عن الحرب الدائرة بين محمد بن قلاوون المتسلطن حديثا على عرش مصر، ومحمود غازان حفيد جنكيز خان، بالقرب من دمشق.

العام هو 1299 أي نهاية قرن يولىّ بخيره وشره، والناس على موعد مع قرن جديد سيكون ثقيلا على أهل مصر أيضا، وهذه الحرب ليست الأولى ويبدو أنها لن تكون الأخيرة بين الطرفين.. في السطور القادمة نقترب أكثر من حياة الفلاحين أيام المماليك، حيث الكثير من الظلم وأقل القليل من الراحة والأمان.

اقرأ المزيد:

المغارم والجبايات

يتداول الفلاحون أنباء جديدة عن الحرب الدائرة، ويجمعون على أن ابن قلاوون سينتصر هذه المرة، ويبدو أن نفرا منهم لا يهتم بالمنتصر أو المهزوم، بقدر قلقه من المستقبل. فمن بين إجراءات الاستعداد للحرب، طلب الخيل والرماح والسيوف، والأهم طلب الدنانير العينية التي سيتم جبايتها خلال أيام من سائر فلاحي مصر خصوصا في بلاد الوجهين البحري والقبلي.

نحن إذن في أتون أيام المماليك، صحيح أن العمر لم يمتد بولاتها وقادتها بعد، فهي في بداياتها، إلا أن التاريخ سيشهد الكثير من أعمال الجباية بسبب الحروب، حتى إن الأراضي الزراعية ستصبح «المخزون الدائم للنفقة على الجيش»، أثناء الخروج للحرب أو استعادة الجيش لقواه بعد الهزيمة خصوصا في عهد الدولة المملوكية الثانية.

سيتكرر فرض «المغارم» على أهل القرى، وتضطر كل قرية لتجهيز جمل أو فرس وأحيانا فرسين للجيش، أو دفع ثمنه باهظا مثلما قدره السلطان الأشرف برسباي مثلا بخمسة آلاف درهم، وفي بعض الأحيان يفرض على كل قرية تجهيز فارس بحصان وعدة كاملة، أو فارسين وربما أربعة حسبما تقتضي الضرورة، ما كان يجعل الفلاحين يفرون ويتركون قراهم للخراب. وإضافة إلى «المغارم»، كان لزاما على الفلاحين دفع ضرائب كثيرة على مدار العام، أولها الخراج. يقول القلقشندي «المال الخراجي هو ما يؤخذ من أجرة الأرض».

قد يتساءل أحدهم: «وإيه يعني؟ ما ياخدوا ضرائب على الإيجار» لكن الثابت أن المصريين حتى هذا الوقت وبعده بمئات السنين زرعوا أراضيهم المجاورة لبيوتهم بلا أدنى حقوق تذكر.. عاشوا وماتوا فيها كآبائهم وأجدادهم دون الحصول على أي صك بامتلاكهم لها. يقول يعقوب أرتين إن «رقبة أطيان القطر المصري دامت أربعين قرنا قبل المسيح وثمانية عشر قرنا بعده ملكا لمالك مصر: في عهد الفراعنة وفي زمن الفرس وفي عصر اليونان وفي حكم الرومان وفي أيام العرب وفي سلطنة المماليك والترك».

لهذا لم تكن أموال الخراج إلا رسوما يحصل عليها صاحب الإقطاع الذي يجبي الخراج، وكانت عملية تقدير الخراج  تبدأ بعد هبوط مياه الفيضان مباشرة، ويشرف على هذه العملية بكل إقيم موظف خاص به، عرف باسم مباشر الخراج أو كاتب خراج الناحية، ويكون غالبا من الأقباط.

ضرائب القصب والقلقاس

ثم تأتي ضرائب المكوس، وهي عبارة عن كل ما يتم تحصيله من الأموال لديوان السلطان أو لأصحاب الإقطاعات خارج نطاق الخراج الشرعي، وكانت تعرف أيضا باسم المال الهلالي، وكانت المكوس في العهد المملوكي تفرض على كل كبيرة وصغيرة في ساحل الغلة ببولاق أو باب النصر بالقاهرة على القمح والحبوب وغيرها من الأسواق المركزية في الأقاليم، ومن هذه المكوس «متوفر الجراريف» الذي كان يجبى من سائر النواحي لصيانة الجسور، و«مقرر الأقصاب والمعاصر» لقياس القصب في الوجه القبلي، و«قياس القلقاس» في الوجه البحري مثلا، كما كان يتم جباية المكوس من الأراضي المزروعة بالشعير والبرسيم وغيرها من الخضر والفواكه، ثم مكس «الولايات» وهي ضرائب تذهب مباشرة للولاة ونوابهم، يجبونه في جميع الجهات حتى من عرفاء الأسواق وبيوت الفواحش والدعارة، بالإضافة إلى «مقرر الفرسان» والخيالة وغيرها.. وظلت هذه المكوس كمجال واسع لمسايسة الرعية فمرة يفرضها والٍ ويرفعها آخر توددا إلى الناس.

وكانت سلطات الأقطاع على الفلاحين كثيرة، ومنها إجبارهم على الفلاحة. ويبدو لافتا للنظر أن الفلاح لم يكن يريد أن يفارق الإقطاع الذي يعمل فيه، لحبه الجارف لأرضه وطينه، رغم أنه كان في ظل هذا النظام الإقطاعي مثل العبد، فإنه لا يرجو قط أن يباع ولا أن يعتق، فهو يأبى أن يكون حرا بعيدا عن الأرض التي رويت من عرقه، كما أن من ولد له يكون مثله، مثلما يذكر المقريزي في كتابه «المواعظ والاعتبار»، وهكذا توارث الأبناء عن الآباء حب الأرض وعدم التفريط فيها.كما كان للمُقطع على فلاحي إقطاعه سلطات قضائية خصوصا في الخلافات التي كانت تنشب بينهم.

عبيد ومماليك

كانت الضرائب كثيرة إذن، وظالمة لأبعد حد، حتى إن إحدى أنواع المكوس كانت تخصص لرحلات صيد السلطان والأمراء، فكيف تدهور الوضع إلى هذا الحد أصلا؟..

الكلام عن مفاسد المماليك كثيرة، يتحدث عنها بإيجاز مسيو لوكروا في كتابه «أحمد الجزار»، فيقول: وجد 24 ألف مملوك يحكمون مصر وقتئذ، وكان أولئك الفرسان المتحكمون لفيفا من العبيد تختلف رتبهم وألقابهم بين البكوات وعامة الجند، ولا يختلفون في كونهم كلهم مماليك خارجين من سوق النخاسة يؤلفون بيئة خاصة لا شبيه لها في التاريخ، تتباين عن البيئات الأخرى بأنها لا وطن لها ولا أسرة، ولا تقيم شعائر دين ما، وإن انتمت ظاهرا إلى الإسلام، كل علمها منحصر في ركوب الخيل وتقليب الأسنة. كان النخاسون يجلبونهم من بلاد الفرس والأفلاخ والقوقاز واليونان، ويجلبون معهم أطفالا يُسرقون أو يشترون بثمن بخس من آبائهم البائسين. هؤلاء الأطفال، كانوا يساقون إلى مستودعات بالإسكندرية ومصر حيث يعنى فيها عمال ،بغسلهم وتزيينهم وتهيئتهم للبيع بعد تعليمهم قواعد الدين الإسلامي».

ويروي يوسف نحاس صاحب كتاب «الفلاح» عن عصر المماليك فيقول: «مصر يومئذ كانت أشبه بإقطاعات النبلاء في القرون الوسطى، وكان الفلاحون أتعس حالا بما لا يقاس مع الأرقاء المستعبدين في القرون الأولى. على أن الرقيق فيما نعلم من نظام الأسرة قديما كان يراعي إما إنسانية أو توخيا لمصلحة، أو حذرا وخشية. كان لسيده نفع ظاهر في تلك المراعاة باعتباره من متاعه.. أما الفلاح في عهد المماليك فلم يلجأ إلى وسائل العنف إلا قليلا، فجلده لا ينفد، وتحمله العجيب كان يعينه على احتمال أشد المكاره».

الأراضي العال والسبخ

منذ أكثر من 700 سنة انقسمت أراضي مصر إلى أصناف لا يزال العمل جاريا بمعظمها حتى اللحظة، ومنها الأراضي «الباق» وهي أجود الأنواع على الإطلاق، التي زرعت برسيما وحبوبا وبقولا  في العام الماضي، وتصلح لزراعة القمح والكتان في العام الجديد، استغلالا لما أضافته زراعات العام الماضي من خصوبة إلى التربة، ثم أرض «ري الشراقي»، وهي التي شرقت في العام الماضي فلما رويت بعد أن ارتاحت عاما كاملا، حصل لها من الري مثلما حصل لها من الظمأ فأنتجت زرعا جيدا، ثم «البرايب» وهي الأرض التي زرعت قمحا أو شعيرا في السنة الماضية، فإن زرعت نفس المحصول لم تنجب مثل الباق، وأصلح ما يزرع في هذه الأرض البرسيم والبقول لراحة الأرض.

أما «البقهامة» فهي التي زرعت كتانا، فإن زرعت قمحا في السنة الجديدة، جاء صغير الحب أسود اللون، نظرا لما يترتب على زراعة الكتان من إجهاد للتربة، ثم «الشتاني» وهي التي رويت وبارت في العام الماضي وهي جيدة، ولكن أقل جودة من الشراقي، ثم «شق السلايح» وهي التي رويت ثم بارت فحُرثت وُتركت مكشوفة للشمس، ثم «البرش» وهي كل أرض خلت من أثر ما زرع فيها في العام الماضي ولم يبق بها شاغل عن قبول ما يزرع من المحاصيل، فإن لم تزرع نبت فيها الكلأ الصالح للرعي، ثم «الوسخ» وهي الأرض التي استحكم وسخها ولم يتمكن المزارعون من إزالته كله، بل حرقوها وزروعها فجاء زرعها مختلطا بالحلفا، ثم «الخرس» التي فسدت ويوجد بها الحلفا بكثرة وتصلح مراعي ومعظمها في الصعيد، ثم «المستبحر»، وهي كل أرض منخفضة إذا سار إليها الماء لا يجد مصرفا له، حتى يفوت أوان الزراع والماء باق في الأرض، ثم «السبخ» وهي كل أرض غلب عليها الملح حتى تملّحت ولم يصلح فيها زراعة الحبوب، وربما نفع فيها زراعة الباذنجان والقصب الفارسي.

تكوين القرى

كان أساس وعمود خيمة القرى في مصر آنذاك عنصر الفلاحين بالطبع، وبالإضافة إلى المسلمين والمسيحيين تواجد اليهود في القرى أيضا، لكنهم كانوا أكثر ازدهارا في المدن، لأن العمل بالزراعة يحتاج إلى «عزوة» وعدد كبير من الأفراد في العائلة الواحدة، في حين كان اليهود أقلية.

ويأتي عنصر المسيحيين الذين شاركوا المسلمين الفلاحة يدا بيد، وكثرت أعدادهم في الوجه القبلي، حتى إن بعض القرى كانت مؤلفة بالكامل من المسيحيين، الذين حافظوا على عاداتهم وطباعهم وقتها، واستعملوا اللغة القبطية فيما بينهم، مثلما يقول المقريزي في كتابه «المواعظ والاعتبار»: «نساء نصارى الصعيد وأولادهم لا يكادون يتكلمون إلا القبطية الصعيدية».. كان أهل قرية درنكا مثلا في الصعيد كلهم من النصارى يعرفون اللغة القبطية، ويتحدث بها الصغير والكبير ويفسرونها بالعربية، على عكس المسيحيين في الوجه البحري كانوا أقل عددا وأقل اهتماما باللغة القبطية.

وما يلفت الانتباه أيضا في العصر المملوكي أن الكثير من ساكني القرى لم يكونوا من أهلها، فبعضهم هاجر من قريته إلى قرية أخرى لأسباب كثيرة أولها التهرب من الجبايات أو السخرة في إصلاح الترع أو غيرها، فكان يطلق على الفلاح ابن القرية «القراري» تمييزا له عن الفلاح المهاجر وأطلق عليه «الطوارئ»، وغالبا ما كانوا هؤلاء يزرعون الأراضي سيئة التربة.

أما العربان المستفلحون فهم الذين سكنوا القرى واتخذوا الفلاحة معاشا لهم، يزرعون الأرض ويخرجون الخراج إلى الجهات المعنية، مخالفين بذلك البداوة التي ظل عليها باقي العربان، وتركز الكثير منهم في منخفض الفيوم فكانت «أكثر أهلها العرب، وليس فيها من الحضر إلا النزر اليسير». وقد كان لسلاطين الدولة المملوكية وأمرائها، دور مهم في استفلاح العربان، واندمج هؤلاء العربان في القرى مع الفلاحين و«صار أكثرهم صاحب معايش وأهل زراعة وفلاحة وماشية وضرع»، بل وأصبح منهم مشايخ القرى والقضاة وفقهاء الريف والخولي.

تمرد بين المستفلحين

وكما ذكرت في بداية  المقال فإن أحاديث السمر بين أهلنا في الشرقية قد تحولت إلى حوارات عن الحرب الدائرة بين محمد بن قلاوون وحفيد جنكيز خان، لكنهم اكتفوا بالكلام، أما في الصعيد فقد استغل أولئك العربان المستلفحون الأزمة، ومنعوا الخراج، فتوجه إليهم أمير يدعى «شمس الدين الأعسر» وأوقع بكثير من بلاد الصعيد، وقتل جماعة منهم، وأخذ سائر الخيول التي ببلاد الصعيد، فلم يدع فرسا لفلاح ولا بدوي، وتتبع السلاح الذي مع الفلاحين والعربان فأخذه عن آخره.

لكن ما فعله الأمير شمس الدين لم يكبح جماح العربان والمستفلحين الذين انتهزوا فرصة زعزعة أركان الدولة بهزيمة ابن قلاون، واتسع نطاق تمردهم حتى شمل غالب بلاد الصعيد، فخرج عليهم في العام التالي (1301 م) عشرون أميرا بأتباعهم، فأحاطوا ببلاد الصعيد وضربوا عليها حلقة كحلقة الصيد، ووضعوا السيف في كل من قابلهم صغيرا كان أو كبيرا حتى النساء، «فأسروا في هذه الحركة من العربان المستفلحين نحو ألف وستمائة، وخلت بلاد الصعيد من أهلها بحيث صار الرجل يمشي فلا يجد في طريقه أحد، وينزل القرية فلا يرى إلا النساء والصبيان».

بعد هذا الحادث الجلل، ثار المستفلحون مجددا ضد السلطان صالح ابن محمد قلاوون، فخرج عليهم السلطان بنفسه مصطحبا الأمراء وفي مقدمتهم الأمير «شيخو العمري» فصار هذا الرجل يقطع رأس كل من رآه من العربان والمستفلحين وحتى الفلاحين الذين يشك في أمرهم، حتى قال عنه ابن إياس إنه «بنى من رؤوسهم عدة مصاطب على شاطئ النيل، وعندما عاد السلطان إلى القاهرة أمر أن ينادي بأن فلاحا لا يركب فرسا، ولا يشتري سلاحا ولا سيفا ولا رمحا».

انتهت أيام المماليك كما انتهت أيام من سلفهم وأعقبهم.. وبقى الفلاحون في أراضيهم مرابطين مؤمنين بأن لديهم مهام لابد من إتمامها.. فمواعيد الحرث والعزيق والحصاد لن تنتظر أحدا.

 

*المصادر:

– «الفلاح.. حالته الاجتماعية والاقتصادية»، تأليف يوسف نحاس.

-«النظم المالية في مصر والشام زمن سلاطين المماليك»، تأليف د. البيومي إسماعيل.

– «القرية المصرية في عصر سلاطين المماليك»، تأليف مجدي عبد الرشيد بحر.

– «البزل والبرطلة زمن سلاطين المماليك»، تأليف د. أحمد عبد الرازق.

– بدائع الزهور في وقائع الدهور ـ ج 4. ابن إياس.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق