مختارات

الملك عاريا… نهاية جديدة لقصة قديمة

يُحكى أن ملكا من ملوك الزمان كان مولعا بالثياب الجديدة الفاخرة، وكان ينفق على ثيابه مبالغ باهظة، وكان يهتم بثيابه أكثر من اهتمامه بأمور مملكته وأحوال شعبه، وذات يوم جاءه محتالان يدعيان أنهما نساجان، وزعما إنهما سيصنعان له ثوبا عجيبا بمناسبة عيد عرشه، ثوب يراه الحكيم ولا يراه الأحمق، يبصره من يستحق تقلد المناصب المهمة، ولا يتمكن من رؤيته من لا يستحقها.

 أعجبت الفكرة الملك، فأمر أن يبدأ الرجلان فى حياكة الثوب، فطلبا منه توفير مستلزمات صناعته من نسيج الحرير الفاخر وخيوط الذهب الغالية، فأمر لهما بما طلبا وأمر لهما أيضا بمبلغ كبير من المال لكى يستطيعا إتمام الثوب قبل حلول عيد العرش.قضى النساجان المحتالان أياما وليالى طويلة  وهما منهمكين فى حياكة الثوب الوهمى، يديران آلة الخياطة لكنهما لا يضعان فيها شيئا، وكانا يخفيان المستلزمات التى أمر بها الملك فى مخبأ سرى لا يعرفه سواهما.

وبعد فترة من بدء العمل المزعوم قرر الملك أن يرسل شخصا إلى النساجين، ليستطلع أمر الثياب، ويحثهما على سرعة إنهائه، فقال لنفسه:

– لا بد أن أرسل رجلا حكيما، لكى يستطيع رؤية الثوب، وليس هناك شخص فى المملكة – بعدى – أحكم من الوزير العجوز.. إنه أجدر شخص يمكن أن أرسله ليستطلع الأمر.

ذهب الوزير الحكيم إلى القاعة، لكنه حينما شاهد المحتالين يعملان بهمة ونشاط ظاهر، قال فى نفسه مندهشا، وهو يحملق فى آلة الخياطة الفارغة:

– عجبا ما الذى يفعله هذان الرجلان، فلا يوجد شىء فى آلة الخياطة، ليس بها خيط واحد، سحقا، إن الثوب لا يراه إلا الحكيم والذى يستحق منصبه فقط، لا شك أننى لست بالحكمة التى كنت أظنها، فلأكتم الخبر وأخفى أمرى إذن.

قال له المحتالا: ماذا يا سيدى، هل أعجبك الثوب؟

فقال لهما بسرعة: نعم، نعم، إنه ثوب رائع، سوف أخبر جلالة الملك عن روعته بكل تأكيد.

وطار خبر هذا الثوب العجيب فى أرجاء القصر الملكى، وبات الجميع فى بلاط الملك فى شغف كى يعرف كل واحد منهم مدى حكمة صاحبه أو حماقته، ومن يستحق منصبه ومن لا يستحق، وحل عيد العرش، وجاء المحتالان إلى الملك وهما يحملان على كفوفهما الثوب المزعوم.

 وبدأ المحتالان بخلع ثياب الملك قطعة قطعة وإلباسه بدلا منها ذلك الثوب الوهمى، وحاشية الملك تنظر لما يحدث فى تعجب، وتطلق شهقات الاستحسان والانبهار عاليا، كى يثبتوا للملك وللجميع أنهم يرون الثوب، وفوجئ الملك بأنه عاريا لا يرتدى شيئا، لكنه استدرك الأمر سريعا وقال لنفسه:

– تاللـه لن أكون أنا الأحمق الوحيد وكلهم حكماء، لن أكون أضحوكة الناس فى المدينة.

وقهقه الملك عاليا، ثم قال:

– جميل جدا هذا الثوب، رائع عملكما أيها السيدان المبدعان، أنتما تستحقان أعلى أوسمة المملكة.

وقرر الملك أن يكون هناك موكب كبير يطوف المدينة به وهو يرتدى ثوبه الجديد، وفتح باب القصر وخرج الملك على شعبه عاريا، وما أن ظهر موكب الملك حتى ارتفعت الحناجر بالهتاف بحياته، والجماهير تلهب كفوفها بالتصفيق وتردد الهتافات وتنظر فى ذهول إلى ثوب الملك. لم يجرؤ أحد على الاعتراف بأنه لا يرى الثوب، كى لا يُتهم بالحماقة وقلة العقل، إلا طفل صغير، جاء إلى المدينة ليشاهد الملك فى ثوبه الجديد، ويفرح كما يفرح كل أطفال المدينة. نظر الطفل إلى الملك فى دهشة، وقال بصوت عال اخترق كل ضجيج الطبالين والزمارين:

– أيها الكذابون، أين ثوب الملك؟، إنى أرى الملك عاريا.

النهاية القديمة للقصة كانت تقول، إنه سرعان ما تناقل الناس خبر الطفل الصغير، وأخذوا يفيقون من وهمهم وغفوتهم واحدا تلو الآخر، وكأن بقايا العقل القديم الذى كان فيهم قد استيقظ فجأة، وهنا تجرأت جماهير الشعب وصاحت مع الطفل:

– الملك عار، الملك عار، نحن نرى الملك عاريا.

أما النهاية الجديدة للقصة فتقول إنه ما أن نطق الطفل بذلك حتى نظر إليه الناس بغضب واستنكار،قائلين :

– كيف يقول ذلك؟

– إنه يشكك فى إنجازات جلالة الملك.

– هذا طفل عميل، جاسوس، خائن…- هذا الطفل لا يستحق أن يعيش فى مدينتنا… أضربوه، أقتلوه.

– لا تقتلوه، لا يستحق أن يكون شهيدا، بل أقبضوا عليه وسلموه لأفراد الشرطة، حتى يكون عبرة  لغيره.

وتم القبض على الطفل البرىء، وألقى به فى سجن مظلم، بعد أن أوسعوه صفعا وركلا وصعقا بالكهرباء حتى أدموا وجهه وجسده النحيل، وسمع الملك بما جرى، طلب إحضار الطفل أمامه ليسمع منه، ووقف الطفل أمام الملك وهو يرتعش من شدة الألم والوجع، وتكلم ببطء شديد وهو ينزف ،ففهم الملك أن هذا الطفل لم يكن يعيش فى المدينة، بل كان يعيش خارجها، كان يعيش فى الأحراش  بعيدا عن الناس، فقال الملك واثقا:

– هذا هو السبب، هذا الطفل لم ينل حظه من التعليم والتثقيف على في مدارسنا وعلى أيدى كتابنا وخُبرائنا الإستراتيجيين، إنه مسكين، لم يقرأ صحفنا، لم يشاهد فضائياتنا، خذوه وعلموه وثقفوه، ثم اجعلوه ضمن حاشيتنا عسى أن ينفعنا بعقله ونستفيد من قوة ملاحظته.

فقال الوزير العجوز:

– وإذا لم يستجب للتعليم وعجز عن هضم ثقافتنا ،ولم تؤثر فيه مناهج تربيتنا يا مولاى؟

 قال الملك:

–  حينها سنحاكمه  بتهمة بث الشائعات والفتن والإحباط فى نفوس أبناء الشعب، وزعزعة الأمن والاستقرار فى البلاد.

نقلا عن: صفحة الكاتب على فيسبوك

الوسوم

جلال الشايب

أستاذ بكلية الفنون الجميلة - جامعة حلوان

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: