منوعات

انتحاريات خلف «البرقع».. دور المرأة في الحركات الجهادية

*د. سودها راماشاندران – باحثة متخصصة في قضايا الصراع والسلام في جنوب آسيا

*عرض وترجمة: أحمد بركات

في 21 يوليو الماضي، ضرب هجومان إرهابيان متتاليان مدينة «ديرا إسماعيل خان» في إقليم خيبر باختونخوا الباكستاني. نفذ الأول مسلحان مجهولان قاما بفتح النار على نقطة تفتيش في بلدة كوتلا سعيدان، مما أدى إلى مقتل شرطيين. بعد هذا الهجوم بوقت قصير، قام انتحاري بمهاجمة المستشفى التي نقل إليها ضحايا الهجوم الأول. وبحسب مسئولين محليين، كان الانتحاري في هذه المرة امرأة تبلغ من العمر 28 عاما وترتدي «البرقع».

وذكرت التقارير أن منفذة العملية كانت ترتدي حزاما ناسفا يزن ما بين 7 إلى 8 كيلو جرامات، وقد قامت بتفجيره بالقرب من حشد من المسعفين الذين كانوا ينقلون الجرحى والقتلى. أدى هذا التفجير إلى مقتل أربعة من رجال الشرطة وثلاثة مدنيين كانوا يعودون أقاربهم بالمستشفى. وقد أعلنت حركة طالبان باكستان، التي تعارض الدولة الباكستانية، وتتخذ من مناطق الحدود الباكستانية الأفغانية معقلا لها، مسئوليتها عن الهجوم الذي وصفته بأنه انتقام لقتل اثنين من قادتها على يد الشرطة الباكستانية قبل شهر. رغم ذلك، أنكرت الحركة أن منفذ الهجوم امرأة.

دور مهم للنساء

لقد لعبت المرأة دورا مهما في العديد من التنظيمات  الجهادية الراديكالية في منطقة جنوب آسيا. فإضافة إلى العمل السياسي، شاركت المرأة – التي شكلت ثلث القوات المقاتلة في الجماعات الماوية في الهند ونيبال – في القتال، كما احتلت أعداد قليلة من النساء مواقع رفيعة المستوى في هذه التنظيمات. وينطبق هذا أيضا على حركة نمور تحرير تاميل إيلام في سريلانكا، بل يمكن القول إن هذه الحركة القومية كانت تضم جناحا نسائيا قويا عُرف باسم Suthanthira Paravaigal (طيور الحرية).

ولم تكتف مقاتلات نمور تحرير تاميل إيلام بالمشاركة في المعارك الضارية ضد القوات المسلحة السريلانكية فحسب، بل قمن أيضا بتنفيذ العديد من الهجمات الانتحارية المهمة.

وعلى النقيض من هذه التنظيمات، يُنظر إلى الجماعات الجهادية الإسلامية في المنطقة ،على أنها تتحاشى تجنيد النساء، وبخاصة من أجل استخدامهن كمقاتلات. لكن هذا التصور غير صحيح، وهو ينبع بالأساس من حقيقة أن الجماعات الإسلامية تتسم بالأبوية ومعاداة المرأة، وأنها ترفض بشدة مشاركتها في المجال العام، وتحصر دورها في الإطار المنزلي التقليدي. فعلى سبيل المثال، فرضت حركة طالبان أفغانستان نمطا سلوكيا صارما على المرأة تضمن قيودا خانقة على انتقالاتها وتعليمها ولباسها. وقد استخدمت الحركة العنف في تطبيق هذه القيود. ولم تكن حركة طالبان باكستان أكثر اعتدالا من نظيرتها الأفغانية. ففي نهاية يوليو الماضي، حذر منشور أصدرته الحركة النساء في منطقة وزيرستان الشمالية، من أنهن «سيواجهن عواقب وخيمة إذا خرجن من منازلهن بمفردهن، لأن ذلك من شأنه أن يضر بالمجتمع».

 انتحاريات خلف البرقع

لكن الهجوم الانتحاري الذي وقع مؤخرا في ديرا إسماعيل خان كشف بجلاء أن حركة طالبان باكستان لا ترفض تجنيد النساء في تنفيذ مهام انتحارية أو قتالية. كما أن هذه ليست المرة الأولى التي تشارك فيها المرأة الباكستانية في مهام قتالية.فقد لعبت مئات النساء اللاتي يرتدين البرقع من جامعة حفصة، دورا محوريا في الأحداث التي سبقت وتزامنت مع حصار المسجد الأحمر (لال مسجد) في إسلام أباد في عام 2007.

ولا شك أيضا أن القبضة الأمنية القمعية على المعاهد الدينية قد لعبت دورا محوريا في ظهور حركة طالبان باكستان؛ ومن ثم فإن تجنيد الحركة للمرأة والاستعانة بها على القيام بأدوار مهمة يعود إلى سنوات طويلة خلت.   

وخلال الفترة بين عامي 2004 – 2005 بدأن حركتا طالبان أفغانستان ،وشبكة حقاني في تنفيذ هجمات انتحارية في مناطق بطول الحدود الأفغانية الباكستانية. وفي بعض الحالات، ذكرت تقارير إعلامية أن نساء انتحاريات شاركن في هذه العمليات. ورغم ذلك، فقد كشفت التحقيقات التي أجريت لاحقا أن منفذي هذه العمليات كانوا رجالا ينتمون إلى شبكة حقاني. لكن دور المرأة في تنفيذ هكذا عمليات لم يتأخر كثيرا، ففي 20 يونيو 2010، نفذت انتحارية هجوما في ولاية كونار الأفغانية، فيما يعد أول عملية تتأكد فيها مشاركة المرأة. وقد تلا ذلك ست عمليات أخرى نفذتها نساء في أفغانستان وباكستان، وخلف بعضها أعدادا كبيرة من القتلى والجرحى. فعلى سبيل المثال، أودى هجوم وقع في ديسمبر 2010، واستهدف معسكر توزيع مواد غذائية في منطقة باجور في باكستان، بحياة 47 فردا، وإصابة 100 آخرين على الأقل. وأعقب هذا الهجوم ركود في العمليات الانتحارية التي نفذتها نساء في الفترة من أغسطس 2011 حتى هذا الهجوم الذي ضرب ديرا إسماعيل خان مؤخرا.

لماذا المرأة؟

على النقيض من المواقف المعلنة والمعارضة الشديدة لمشاركة المرأة في أي انشطة خارج حدود المنزل، أو بعيدا عن دورها التقليدي كأم أو زوجة، قامت جماعات مثل تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتنظيم القاعدة وحركة طالبان أفغانستان وطالبان باكستان، بتجنيد النساء للقيام بأدوار سياسية وعمليات عسكرية. وهناك أسباب عديدة لذلك، من بينها عدم الشك في إقدام المرأة على ممارسة الأعمال الإرهابية،على المستويين الأمني والمجتمعي، ومن ثم عدم إخضاعها للتفتيش بموجب العادت والتقاليد، وهو ما يسمح لها باجتياز نقاط التفتيش والولوج إلى المنشآت شديدة الحراسة بسهولة أكثر من الرجل. كما يساعد ارتداء الحجاب السابغ والبرقع على إخفاء السلاح والمتفجرات عن طريق تحزيمها حول جسد الانتحاريات.

وإضافة إلى ذلك، تعاني بعض الجماعات، مثل حركة طالبان باكستان، من نقص عددي في صفوف المقاتلين الرجال، وهو ما دفع بها إلى تجنيد النساء كمقاتلات في السنوات الأخيرة.

تنظيم الدولة وتجنيد النساء

ومن بين التنظيمات الجهادية العديدة التي تنشط في أفغانستان وباكستان، يعد تنظيم الدولة الإسلامية الأكثر إعلانا ونجاحا في تجنيد النساء. في المقابل لا تزال جماعات مثل حركة طالبان أفغانستان وشبكة حقاني وحركة طالبان باكستان تعمد إلى إبقاء أمر تجنيد النساء طي السرية. وربما يعزى ذلك إلى أن الإعلان عن هكذا استراتيجية من شأنه أن يثير رفضا شعبيا ضد الحركة، وهو ما سيؤثر سلبا على حجم القاعدة الشعبية الداعمة لها. وفي هذا السياق يمكن النظر إلى إنكار حركة طالبان باكستان لقيام امرأة بتنفيذ العملية الأخيرة في مدينة ديرا إسماعيل خان في 21 يوليو الماضي. ومن المرجح أن الحركة تحاول حاليا استكشاف رد الفعل الشعبي على قيام امرأة بتنفيذ هجوم انتحاري للوقوف على إمكانية القيام بعمليات مشابهة في المستقبل.

وبسبب عوامل الاقتتال الداخلي والهجمات العسكرية التي تعرضت لها حركة طالبان باكستان، فإن الحركة تعاني مؤخرا من تراجع قوتها القتالية. وفي ظل النجاحات التي خلفتها عمليات تجنيد النساء في صفوف مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية، صارت الحركة تستهدف النساء المتعلمات والساخطات (وهي الفئة التي نجح تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان في اجتذابها)، وذلك من خلال مجلتها النسائية Sunnat-e-Khaula (سُنة خولة). وتهتم هذه المجلة بتقديم النصائح إلى المقاتلات المحتملات، وتدعوهن إلى «تنظيم اجتماعات سرية في المنازل، ودعوة الأخوات الجهاديات اللائي يحملن نفس الفكر إليها»، إضافة إلى «التدريب على استعمال الأسلحة البسيطة، وتعلم استخدام القنابل اليدوية».

لكن، وبرغم مشاركة المرأة في جميع الأدوار في التنظيمات الجهادية، إلا أنها لا تزال تعاني من عدم المساواة بالمقاتلين الرجال. فعلى سبيل المثال، لا تشغل امرأة  واحدة منصبا قياديا، أو حتى من المستوى المتوسط في حركة طالبان باكستان. ومن المثير للاهتمام، أن هذه الحركات لا تقدم صورة تخالف الصور النمطية الشائعة تجاه الموقف من المرأة، وإنما تعزز – بدلا من ذلك – حالة عدم المساواة بين الرجل والمرأة في توزيع الأدوار وتطالب الآلة الدعائية الخاصة بحركة طالبان باكستان المرأة بإنجاب مزيد من الأطفال وإحسان تأديبهم وإصلاحهم، حتى يحملوا راية الجهاد.

دور محوري

مما سبق يتضح أن مشاركة المرأة في النشاط الجهادي، لم تعد تقتصر على طهي الطعام وتنظيف المسكن للمقاتلين الرجال، وإنما صارت تشارك، على نحو متزايد، في القتال، بما في ذلك في العمليات الانتحارية. وبوجه عام، تبقى المرأة هي من ينجب الأطفال ويؤدلج الأجيال الجهادية المستقبلية.  

*هذه المادة مترجمة. يمكن مطالعة النص الأصلي باللغة الإنجليزية من هنا

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق